طباعة

تحطيم الأوهام: نحو تَخيّليّة سياسية جديدة

بقلم: تيسير محيسن*
 
من الواضح أن الأوضاع الحالية في المنطقة وتداعياتها المحتملة بعيدة المدى لا تسمح، حتى لأكثرنا تفاؤلاً، بالقول أن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي شردوا منها يمكن أن يتحقق في القريب. بالطبع هذا لا يعني إطلاقاً التنازل عنه أو المساومة عليه. وأخطر من ذلك، ثمة احتمال أن تُستغل هذه الأوضاع بالذات في خلق "نكبة أخرى" بحيث يتحول الشتات الحالي إلى نفي دائم، وتؤول الشرذمة القائمة بين الفلسطينيين فوق أرضهم إلى شتات آخر.
لمواجهة هذا الاحتمال، ثمة ضرورة لإعادة ترتيب أجندة الفعل السياسي والاجتماعي الفلسطيني من خلال تطوير "تخيلية سياسية جديدة" تقتضي، من بين أشياء أخرى، إعادة موضعة "حق العودة" ضمن إطار عام للحيلولة دون النفي المتوقع والشتات المحتمل تحت أي ظروف.

يتناول هذا المقال موضوع "التخيلية" ارتباطاً بصيرورة الأوضاع في المنطقة، والنهايات المحتملة للصراعات الدائرة. الاحتمال الأول هو أن ينتهي الأمر إلى "صفقة" بين اللاعبين الرئيسيين تضع حدا لهذه الصراعات، ومن بينها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. الاحتمال الثاني، إطالة أمد هذه الصراعات، أو بعضها، دون أن تصل حد التصادم المباشر بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

تتحدد أي مقاربة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بثلاثة عوامل: عامل خارجي (إقليمي، دولي)، وعامل إسرائيلي، وعامل ذاتي فلسطيني. ومع التأكيد على أن العامل الإسرائيلي سيبقى عاملاً حاسماً ومقرراً (وخصوصاً في ظل ضعف العامل الذاتي الفلسطيني)، فمن المُرجح أن يجري الحديث عن تطبيق لحل الدولتين ضمن سيناريو الصفقة، بينما سوف تتعدد الاحتمالات إذا ما طال أمد الصراع في المنطقة. ولهذا، من الأهمية بناء وتطوير "تخيلية سياسية" تعيد الاعتبار للمحدد الذاتي، ليس بوصفه رقماً صعباً فحسب، بل باعتباره عاملاً مقرراً كذلك.  
 
الصفقة الكبرى

مما لا شكَّ فيه أن الأوضاع المتفاقمة حالياً في الإقليم لن تستمر إلى الأبد، فثمة حراك سياسي نشط بات يرافق العمليات الحربية والعسكرية؛ بناء تحالفات، طرح مبادرات، عقد لقاءات، تعديل مواقف وغير ذلك. وقد اكتسب هذا الحراك زخماً جديداً مع بروز ملامح استراتيجية أمريكية معدلة في عهد ترامب، وبالتأكيد سوف ينتهي الأمر، عاجلاً أم آجلاً، إلى وضع حد لحرب الكل ضد الكل والتوافق على تقاسم النفوذ والسيطرة وانبثاق نظام إقليمي جديد بإبرام صفقة كبرى أو بدونها (أمر واقع).

ويفترض سيناريو الصفقة هنا محاولة إرضاء كل الأطراف؛ دون اسقاط إمكانية أو حتمية ممارسة الضغط والإكراه على بعض الأطراف لضمان انصياعها وقبولها. ومن المنطقي أن تشمل هذه الصفقة حلاً ما للمسألة الفلسطينية؛ إذ ليس من المعقول "أن يتخلف أحد ما عن الركب"، كما أن استقرار المنطقة على نحو من الأنحاء يتطلب بالضرورة معالجة واحدة من أعقد قضاياها وأكثرها إثارة للتوتر وعودة للصراع.

تندرج المعالجة المحتملة ضمن الصفقة الكبرى تحت عنوان "حل الدولتين"، وبالرغم من أن المعالجة ستكون أقرب للرؤية الإسرائيلية، إلا أن إسرائيل هي التي سوف تعرقل التنفيذ. فموقف اليمين الاسرائيلي يرفض هذا الحل ويدعو إلى "إسرائيل كاملة"، بينما ترى أوساط سياسية أخرى، يعبر عنها إيهود براك، ضرورة الانفصال عن الفلسطينيين.

في تقديري، إن اليمين الإسرائيلي قادر على إحباط أي حل مفترض، وسوف يمضي قدماً في تنفيذ مخططات الضم والتهويد، ولن تتردد أي حكومة إسرائيلية في حضور مؤتمر إقليمي يفتح مسارين: عودة لمفاوضات عبثية، وتسريع وتائر التطبيع العربي وإدماج إسرائيل رسميا في تحالف تقوده الولايات المتحدة ويضم دولا عربية وإسلامية، حيث أن تشكل هذا التحالف يعزز من فرص عقد صفقة كبرى تُنهي بعض ملفات الصراع أو كلها. أما في غياب شروط إبرام الصفقة، بمقدور التحالف أن يدير الصراع على الأرض بما يعزز من مكاسب أطرافه أو بعضها.   

خلاصة القول، إن صفقة كبرى في الإقليم لا تعني بالضرورة انصياع إسرائيل وقبولها بحل الدولتين خصوصاً إذا ما استمر اليمين المتطرف في الحكم، وحتى في ظل حكومة أقل يمينية، فإن حل الدولتين لن يُطبق كما يراه الفلسطينيون، إذ يمكن الاتفاق على ترتيبات انتقالية لا تشمل القدس أو عودة اللاجئين، وربما تكرس الانفصال النهائي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. من جهة أخرى، هناك من يعتقد أنه حتى في إطار الصفقة المفترضة، يمكن لإسرائيل أن تنفذ الحل الإقليمي طوعاً أو كرهاً. ومع ذلك، فانشغال الإقليم لاحقا بعمليات كبرى من الإصلاح السياسي والمصالحات المجتمعية وإعادة الإعمار وإعادة المهجرين أو توطينهم، لن يمنح إسرائيل فرصة حقيقية لتطبيق سياسة "الإجهاز والتبديد"، لكنها حكماً لن تخرج من "المولد بلا حمص"، بل ستنال حصتها كاملة غير منقوصة.

ويمكننا الافتراض أن الصفقة التي ستقوم على أساس موازين القوى على الأرض وتعالج مخلفات الحروب الدامية ونتائجها، سوف تضع حداً لمأساة اللاجئين. وإذا كان هناك من يرى أن هذا السيناريو لن يمكّن إسرائيل من تحويل الشرذمة إلى شتات، إلا أن ثمة خشية من تذويب شتات الفلسطينيين في الإقليم عبر النفي داخله أو خارجه.

إن تعميم اللجوء إبان الحرب الطاحنة ينفي أي خصوصية لهذه الجماعة أو تلك، عند الحل. في هذا السيناريو تزداد احتمالات التوطين وانبثاق كيانات طائفية أو عرقية تستوعب ظاهرة اللجوء. كما لن يتم الاحتكام إلى مبدأ عودة اللاجئين والمهجرين إلى الأماكن التي شردوا منها. فلسطينياً، من المحتمل أن يشمل الحل اسقاط قرارات الشرعية الدولية بحجة اتفاق الأطراف على انهاء حالة الصراع، حينها سيفقد اللاجئ الفلسطيني واحدة من أهم ضمانات حقه في العودة.

في ظل هذه الظروف، تُشدد القيادة الفلسطينية على ضرورة تطبيق حل الدولتين وتعلن استعدادها للعودة إلى المفاوضات دون شروط. ولمواجهة مخاطر الصفقة وتحصين الموقف الفلسطيني، ثمة ما هو مطلوب: استعادة الوحدة فوراً، وتعزيز الصمود على الأرض، ورفض أي مشروع للتوطين، والعمل على إبطاء الهرولة العربية الرسمية نحو الاندراج ضمن الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة، والمناورة السياسية التي تمكن من فضح ممارسات إسرائيل العنصرية وعدم إعطاءها أي مبرر أو ذريعة للتنصل أو الإمعان في الإجهاز والتبديد، بالاضافة الى ابقاء الصلات مع مكونات التحالفات الأخرى مفتوحة وقائمة في حدود معينة؛ روسيا، الصين، إيران.

الأهم من ذلك كله، بلورة تخيلية سياسية بديلة لا تقوم على النفي الميكانيكي لحل الدولتين، ولا ترفض المناورة السياسية في حدود الممكن، لكنها تبنى على أساس إعادة تعريف الفلسطينيين لأنفسهم، بوصفهم شعباً، جماعة سياسية وليس جماعات منفصلة ومعزولة، قضاياهم متداخلة وحقوقهم مترابطة، لا يجوز مقايضة أحدها بالآخر. في القلب من هذه التخيلية المحافظة على الوجود الفلسطيني فوق أرض فلسطين ودفع إسرائيل نحو تفاقم مأزقها التاريخي.
 
صراعات مفتوحة

قد تفشل الصفقة الكبرى في الإقليم، أو لا تبرم من الأساس. فمن جهة، ربما تتفاقم وتحتد بعض الصراعات وصولاً إلى شكل من أشكال الصدام الكبير، لكنها لن تصل الأمور حد الخروج عن السيطرة خشية اندلاع حرب كونية. من جهة أخرى، قد تشهد بعض "الملفات" انفراجات أو تهدئات أو توافقات، وهناك من يرى أن الصفقة سوف تتحقق في نهاية المطاف، ولكن ليس دفعة واحدة، ودون أن تشمل كل القضايا والملفات في ذات الوقت، وتركها تحدث بالتراكم التدريجي ودوماً ضمن تفاهم علني وضمني بين اللاعبين، وكل منهم يعرف حدوده فلا يتخطاها إلا قليلاً.

وإذا كانت إسرائيل في السيناريو الأول قد تربح أو قد تتكبد خسارة من نوع ما، الا انه وفي هذا السيناريو متعدد الاحتمالات تُعتبر إسرائيل الرابح الأكبر. فالصدام العنيف قد يوفر لها فرصة وغطاء للإجهاز التام وفي غفلة من العالم المصدوم، واستمرار النزيف البطيء سوف يضعف كل القوى الإقليمية وينهك قواها ويعزز من حاجتها للتحالف والاستقواء بإسرائيل وبالتالي دفع الثمن. لذلك، فإن التطبيق التدريجي للصفقة يُمكن اسرائيل من مواصلة مخططاتها الفعلية على الأرض دون أن يعترض طريقها أحد، بل سوف تحظى بدعم البعض وسكوت البعض الآخر.

فلسطينياً، يبدو أن هذا السيناريو يحمل شؤماً، لكنه من زاوية أخرى يُطلق العنان للفلسطينيين بالتفكير والتدبر "خارج الصندوق"، بعيداً عن الوهم، وبإسقاط الرهانات الخاطئة. كما أنه بمقدورهم دفع إسرائيل نحو الاقتراب من الخطر الوجودي على حد تعبير براك. ويتمثل هذا الخطر الذي من المحتمل أن تواجهه إسرائيل في حال لم تقبل حل الدولتين في مواصلة سلوكها العنصري الفج، دون مواربة أو محاولة للتمويه؛ ما يجعلها تدريجيا تقف أمام العام كله. وربما ستلجأ الى انتهاج طرائق لينة في التعامل مع الفلسطينيين، ما يمكنهم تدريجياً من امتلاك القدرة على قرع جدران خزان النظام السياسي دفعاً نحو نظام ثنائي القومية، أو نظام ديموقراطي ليبرالي، أو نظام فصل عنصري مكتمل الأركان.   

في الحقيقة، لن يحمل هذا السيناريو متعدد الاحتمالات (الصدام، تخفيض حدة التوترات، تصعيد بعض الصراعات) بشرى أمل في الأمد القريب والمتوسط للشتات الفلسطيني، إلا ضمن إعادة تعريف الحالة الفلسطينية برمتها في سياق جديد (الخروج من وهم الدولة والتسوية). إن مزيدا من الاقتتال يعني مزيد من إعادة الموضعة والتشتيت الديموغرافيين في المنطقة، وهذا يشمل الفلسطينيين في لبنان وسوريا وربما في الأردن. وإذا كان السيناريو الأول يحمل وعداً بحل إقليمي متفق عليه في شكل حل الدولتين، فإن السيناريو الثاني قد ينطوي على فرض الحل الإقليمي بالقوة، إذ يترافق تقويض حل الدولتين مع ممارسات حاسمة تجهض فرص حل الدولة الواحدة كذلك. في هذا السيناريو قد تتدخل إسرائيل مباشرة في الصراع المحتدم، وذلك بعد أن امتنعت طوال الوقت عن التدخل بصورة مباشرة، الأمر الذي يُمكنها من خلق وقائع ميدانية سيأخذها أي اتفاق إقليمي بعين الاعتبار.

بناءً على العرض السابق، يتبين لنا أن المتغير الإقليمي حاسم ومقرر في الشأن الفلسطيني، الا ان المحدد الإسرائيلي (ثوابت الموقف) يبقى أكثر تأثيراً من أي طرف آخر، حيث سترفض إسرائيل أي شكل من اشكال الكيانية السياسية الحقيقية للفلسطينيين على أرض فلسطين، وستحرص على بقاء قطاع غزة مفصولاً، وستستمر في ضم أجزاء واسعة من الضفة، وستحرص على أن تظل القدس موحدة وعاصمة لها، وسترفض أي شكل من أشكال العودة للاجئين.

ان الخيار الأسوأ كما يراه البعض ليس في رفض إسرائيل لكل ذلك، بل الذهاب إلى خلق واقع جديد تماما يتمثل في تعميم الشتات. فالمتفائلون يرون بأن جدل الصراع في المنطقة قد يُلزم إسرائيل بتقديم تنازلات، لكن حتى هؤلاء لا يتوقعون أكثر من حزم التسهيلات الحياتية والاقتصادية المتمثلة في إدارات ذاتية لكانتونات معزولة ومنفصلة، وفي أحسن الأحوال دولة قزمة منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح وغير متواصلة لا تشمل كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، مقابل انهاء ملف الصراع واسقاط قرارات الشرعية والحصول على تطبيع كامل مع العالم العربي.
 
التخيلية السياسية الجديدة: ركائز ومنطلقات

إذا كان الواقع بهذا السوء، ومن غير المرجح أن يحظى الفلسطينيون فيه بأدنى مطالبهم وحقوقهم (تقرير المصير، وحق العودة)، فمن الضروري إعادة تصويب العلاقة بين الواقع والخيال على نحو جدلي، وذلك بقطع الطريق على غلبة فقه هذا الواقع على السلوك السياسي وما ينجم عنه من تجريبية مفرطة وتنازلات مجانية ورهاب "البديل".

لذلك، يُصبح تطوير تخيلية سياسية جديدة تقطع مع الأوهام، وتتحول تدريجياً إلى استراتيجية واضحة المعالم ضمن جدل الواقع والاشتغال عليه ضرورة وطنية عاجلة لمواجهة كل الاحتمالات، سواء تلك المرتبطة بسيناريو الصفقة الإقليمية أو احتدام الحرب في المنطقة وسلوك إسرائيل المتوقع في غضون ذلك. ويأتي ضمن ذلك ترسيخ القناعة في أوساط الفلسطينيين بأن حقوقهم لن تسقط بالتقادم، أو بحكم التغيرات والحقائق المفروضة على الأرض، شرط ألا يُمكنوا عدوهم من الإجهاز على وجودهم وصمودهم على الأرض، وتبديد مكتسباتهم وحقوقهم المشروعة. 

وفي اطار مواجهة هذا الانحدار، يتوجب على الفلسطيني ادراك أن ما يحدث ليس نهاية الكون وليس قدراً حتمياً، وعليه أن يعيد التأمل فيما يلي:
  • فلسطين ليست الضفة الغربية وقطاع غزة فحسب، والشعب الفلسطيني أكبر من تجمعاته داخل الوطن وخارجه، وإن إعادة الهيكلة الجغرافية السياسية والديموغرافية في المنطقة تستوجب تعريف الفلسطيني لنفسه بطريقة مغايرة، ككل واحد وجماعة سياسية واحدة.
  • الحرية أكبر من الدولة والحقوق أقوى من الحقائق، ويجب الخروج من وهم السلطة والتسوية والمزايا الاقتصادية باتجاه تعميق المأزق التاريخي والبنيوي لدولة الاحتلال. فإما دولة عنصرية خارجة عن القانون وتعاند العصر، وإما دولة يعاد تشكيلها على أي نحو تلفظ العنصرية والكراهية والاستعباد والاقصاء.
  • لا دولة في غزة ولا دولة بدون غزة، ولا حل على حساب اللاجئين، أو على حساب فلسطيني 48. ولا حلاً إقليمياً ولا إقليم يفرض حلاً. الفلسطينيون بحاجة للعرب، لكن العرب أيضاً هم في حاجتنا، ولنا في ذمتهم ليس فقط أموالاً يدفعونا وإنما أيضاً وقفا لاستخدام آلامنا ومصيرنا ورقة يساومون بها وعليها، وأيضاً عدم تمكين الأعداء من تذويب الشتات ونفيه، ليس عبر الحصار في الغيتوات وإنما بإطلاق الابداعات بما لا يعرض كيان أي من دولهم للخطر وعدم الاستقرار.               
 
إن التخيلية المقترحة لا تقطع الطريق على الفعل السياسي المباشر أو العمل على ما هو قائم ومطروح، وبلورة أطر عملية لحل بعض القضايا ذات الأولوية، وهي شأنها شأن مفهوم "الاستدامة" في عالم التنمية والبيئة، أي الامتناع عن أي فعل أو سلوك يجحف بالمستقبل وحقوق الأجيال ويقوض فرص النمو والازدهار. ان الاستدامة تنطوي على ما يسمى بالممارسات الفضلى، وهذا ما يجب أن يقوم به الفلسطينيون؛ إذ لا أحد يمنعهم من ذلك. فلماذا يستمر الانقسام؟ لماذا تستمر الممارسات التي تقوض الصمود وتضعف المنعة؟ لما تستنزف الموارد والطاقات في غير مكانها؟ لماذا الهرولة أو إطلاق الشعارات الطنانة والجوفاء؟

تشتمل التخيلية على تعدديات ولكن دون تعارض مفتعل، وعلى مراحل ولكن دون استعجال، وعلى اجابات ولكن دون حتميات، وعلى اقتراحات ولكن دون جداول زمنية أو أطر تنفيذية. هذه التخيلية ذات طابع ثوري وتقدمي بالضرورة. والسؤال، لماذا يمكن اعتبار حل الدولة الواحدة[1] لمعضلة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي جوهر وركيزة هذه التخيلية؟
 
أولاً: داعبت فكرة الدولة الواحدة خيال الكثيرين من اليهود قبل قيام دولتهم، والفلسطينيون بعد نكبتهم. فالدولة الواحدة ليست شعاراً أو برنامج عمل زمني، وانما صيرورة تاريخية لصراع من الوزن الثقيل. اليوم، يعتري السياسيون الاسرائيليون خوف من التفكير في فكرة الدولة الواحدة بالرغم من أن استمرار تقويض إسرائيل لهذا الحل، يقطع الطريق أيضاً على حل الدولتين. ان الدولة الواحدة لا تُشكل خطراً وجودياً على إسرائيل، إلا من حيث طبيعتها الكولونيالية ونظامها العنصري. فمن المتوقع أن تواصل إسرائيل بكل أطيافها السياسية والأيديولوجية العمل على إجهاض أي فرصة للدولة الواحدة (تذويب الشتات، تعميق الشرذمة الذاتية بالفصل وتكريس المنظومة العنصرية وممارساتها، كي الوعي، خلق الوقائع على الأرض). من جهة أخرى، يتوجب على الفلسطيني أن يسعى إلى تعزيز فُرص هذا الحل من خلال البقاء والصمود على الأرض، وتقويض منطق الفصل والانقسام الذاتي، وتبني الدولة الواحدة والترويج لها.
 
ثانياً: تُلهم فكرة الدولة الواحدة ابتداع وتطوير ملموس في الرؤية والتوجه وآليات التحرك، بعيداً عن حالة الانسداد التي أفضت إليها مسيرة عبثية في إطار فكرة حل الدولتين والنزوع الدولاني لدى الفلسطينيين قبل اكتمال شروطه. وأيضاً بعيداً عن مجرد التمسك بالمبادئ والثوابت، من شأن الفكرة أن تحفز حراكات اجتماعية وسياسية في أوساط الفلسطينيين في كل مكان وخصوصا في بلدان اللجوء والشتات. وترد هذه الفكرة على رغبة اليمين الإسرائيلي وأجهزته الأمنية في الانفصال عن الفلسطينيين والفصل بينهم ومن ثم الاستحواذ على كل شيء واستمرار التحكم والسيطرة عليهم.  
 
ثالثاً: بات اليمين الإسرائيلي يعلن دون مواربة سعيه نحو دولة واحدة بالمفهوم الكولونيالي، إسرائيل الكاملة، يهودية الطابع والغلبة والسيادة. ويشتمل هذا الطرح على ضم الضفة الغربية بالكامل وفرض القانون الإسرائيلي عليها، مع استبعاد قطاع غزة عبر تكريس انفصاله. ضمن هذا الطرح الاسرائيلي، يتمتع الفلسطينيون بحقوق مدنية فقط وليس حقوقاً قومية، ويحرم اللاجئون من العودة مع استمرار السماح بمجيء اليهود بهدف المحافظة على نسبة ثابتة بين اليهود العرب.
في زعمي، إن الرد على هذه الأطروحة لا يكون بالمطالبة بحل الدولتين على طريقة ما يسمى باليسار الصهيوني، بل بالتشديد على مطلب الدولة الواحدة ما بعد كولونيالية، وما بعد صهيونية، حيث أنه من شأن هذه الدولة أن تُلبي طموحات الفلسطينيين كما من شأنها الاستجابة لمخاوف الإسرائيليين. في الواقع، هناك حاجة وضرورة لمن يعزز مثل هذا الحل باعتبار استعصاء حل الدولتين وقصوره عن تلبية حاجات طرفي الصراع. وكما قال بابيه: من مصلحة إسرائيل أن تتحوّل بإرادتها إلى دولة متساوية خشية من الثأر والنهايات غير السعيدة، ويؤكد ادوارد سعيد بأن الدولة التي تقوم على اساس القوة الساحقة واضطهاد شعب آخر لا تملك مستقبلا.
 
رابعاً: في اطار حل الدولتين، طرحت صياغات متعددة لتطبيق حق العودة مثل لم شمل محدود لبعض العائلات، أو عودة مقننة إلى الدولة الفلسطينية، ودائما محاولات توطين اللاجئين في دول اللجوء. في الواقع، يُمكن اعتبار حل قضية اللاجئين الفلسطينيين ممكناً فقط في اطار الدولة الواحدة ما بعد الكولونيالية أو حتى في طور دولة تشهد صراعاً بين قوميتين سرعان ما سوف يحسم أمره.
إن حل الدولة الواحدة يُقوض المقاربة المعتمدة من إسرائيل وراعيتها الولايات المتحدة حيال حقوق اللاجئين والقائمة على النموذج الليبرالي المحدود، والذي يُضفي على الفرد تصوراً أساسه المنفعة المادية والفردية. ولقد  رفضت إسرائيل الصهيونية والعنصرية التعامل مع الموضوع السياسي للاجئين بطريقة جماعية بموجب المادة المختصة بحق العودة في قرارات الأمم المتحدة المعنية بهذا الشأن، بينما تستند في تشريعاتها الخاصة بحقوق العودة، أي قانون العودة، إلى أساس جماعي استثنائي تجاه المهاجرين اليهود، وآخر فردي - ليبرالي وانتقائي تجاه العرب.
وبالرغم من أن قرار 194 وحده يُعرّف حقوق اللاجئين الفلسطينيين بصورة جماعية، ويطالب بحقهم في العودة كمجموعة قومية، الا أن الفلسطينيين أنفسهم وفي سياق وهم التسوية منذ مدريد طالبوا بتطبيق حق العودة من خلال قبولهم بصيغة تستثني قرار الأمم المتحدة، التي لم تعد قراراتها هي التي توفّر الهيكلية والمظلة.
إن مسار التسوية الحالي والمقترح لن يعترف بالتأكيد بالحقوق الجماعية الفلسطينية، لكن العالم لا يملك أن يتجاهل محنة اللاجئين الفلسطينيين واحتياجاتهم وحقوقهم حتى في ظل العاصفة الإقليمية، "إنها مسألة حقوق وكرامة وإنسانية. وهي أيضاً مسألة أمن للاجئين أنفسهم وللمنطقة ككل" كما يقول المفوض العام للأنوروا. إذاً، فإن مصلحة المنطقة كلها ترتبط بإيجاد حل جذري وعادل لقضية اللاجئين، الذي لا يمكن أن يتحقق فعليا إلا في دولة واحدة ما بعد كولونيالية.  
 خامساً: يُعيد حل الدولة الواحدة الأمور إلى نصابها ويضع النقاط على الحروف. ففي اطار المسؤولية المباشرة حول قضية اللاجئين، سعت اسرائيل للتنكر لمسؤولياتها تجاه مشكلة اللاجئين، بينما عبر كل الحلول المطروحة سابقاً، بدا وكأن الطرف التي تقع عليه هذه المسؤولية غير معروف. لذلك جرت محاولات عديدة لتحميل الأطراف الدولية والإقليمية مسؤولية حلها. إن حل الدولة الواحدة ينسف هذا الزعم ويقوض أحلام إسرائيل في التخلص من معضلة غزة (النسبة الاكبر من سكانه لاجئون) إما بتحويلها إلى إمارة منفصلة أو بدفعها نحو الجنوب.
وفي هذا الشأن، جاء في محاضر جلسات الحكومة الإسرائيلية المفرج عنها بعد خمسين سنة أن بن غوريون قال في إحدى هذه الجلسات (22 تموز 1956): "بالنسبة للاجئين شرحت له أن هذه هي أكبر جريمة للدول العربية..... إنهم يمسكون باللاجئين ويعلمونهم بأنهم سيأتون لهدم دولة اسرائيل." وبخصوص غزة قال (9 كانون أول 1956): "أنا لا اتوق لغزة مع 300 الف عربي". وفي اليوم الثالث لحرب حزيران 1967 قال مناحيم بيغن في جلسة الحكومة: كل حديث عن دولة فلسطينية سينزل بنا كارثة".
 
سادساً: إن حل الدولة الواحدة من شأنه أن يحل مفارقة تاريخية تكمن في رفض دمج الفلسطينيين وصعوبة الانفصال عنهم. لذلك، يوفر حل الدول الواحدة ضمن هذه التخيلية السياسية أداة نضالية حضارية وعملية تقطع الطريق على حلول بديلة من جهة، وتمهد الطريق إلى تأمين هذه الحقوق وممارستها فعلاً من جهة ثانية.
 
بناء على ذلك، يجب على الإسرائيليين أن يكفوا عن الإدعاء بأن عودة اللاجئين تشكل تحديا لقدرة اليهود على العيش داخل إسرائيل، فالعودة تقوض فقط محاولات إيجاد أغلبية يهودية مُسيطرة بالقوة. كما يجب على الفلسطينيين أن يُسلموا في إطار الدولة الواحدة بالتعامل مع اليهود بوصفهم شعباً وليس مجرد مشروع استيطاني وخصوصاً بعد انتفاء الطابع العنصري والأسرلة الإكراهية. إن مواجهة الطابع اليهودي والعنصري لإسرائيل هو في نهاية المطاف لمصلحة اليهود في فلسطين.

بالطبع، نحن إزاء حل بعيد المدى، في سياق متحرك ومعقد، ولذلك أطلقنا عليه "تخيلية سياسية" تصلح لأن تشكل دافعاً للجميع بالتحرك صوب مستقبل أفضل وأقل عنفاً. ومما يجعل الأمر مقبولا من الناحية النظرية، ليس فقط انسداد أفق حل الدولتين، بل لأننا فعلاً إزاء دولة واحدة واقعياً، ومشكلتها في طبيعتها الاستعمارية والعنصرية. علاوة على ذلك، فتعقيدات الواقع وتشابكاته تقول أن خيار الانفصال هو الأصعب وليس العكس، حيث أن حل الدولة الواحدة هو الذي يضمن عدم إزاحة السردية الوطنية التي تأسست على النكبة، وبالتالي عدم إزاحة قضية اللاجئين والتخلي عن حقوقهم.
 
 *********
تيسير محيسن: باحث وكاتب سياسي/غزة
 

1[1] الدولة الواحدة إما أن تكون ديموقراطية علمانية، أي دولة لكل مواطنيها، وإما دولة ثنائية القومية (وجود جماعتين قوميتين، منفصلتان اثنيا وثقافيا في إطار دولة واحدة)، وهي إما ديموقراطية (تضمن حقوق الأقلية)، وإما عنصرية (تنتهك حقوق الأقلية). والمراد بالدولة الواحدة في هذا المقال، دولة على كل فلسطين التاريخية.