افتتاحية العدد

يتناول هذا العدد من جريدة حق العودة موضوع عملانية العودة من خلال  تسليط الضوء على الظروف الواجب توفرها والاليات والوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين. قد يبدو الامر للوهلة الاولى نوعاً من الترف الفكري في ظل الظروف السياسية التي يمر بها العالم العربي بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص. بيد ان استمرار الصراع، وتولد صراعات تبعية ناشئة عن الفشل في حل القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور، يظهر عقم منهج فرض الوقائع عوضاً عن معالجة جذور الصراع والايفاء بالحقوق. يهدف هذا العدد الى وضع حق العودة في إطار عملي يمكن تنفيذه بعيداً عن الشعارات والخطابات؛ ودحض الادعاءات القائلة بان العودة غير قابلة للتطبيق بفعل مرور الزمن، او بحكم التغيرات الفعلية الديموغرافية والحقائق على الارض.

فبالرغم من أن مسألة اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين تُعتبر جوهر القضية، وتشكل أكبر وأطول قضايا اللجوء في العالم، إلا أن الأدبيات الفلسطينية لم تقُدم أي نوع من المعالجة السياسية أو القانونية أو العملانية لحق العودة. لقد بقي حق العودة تصوراً عاماً لا يخرج من اطار التأكيد عليه كحق أو التنظير له عبر اجترار الخطابات التي لم تقدم طروحات وآليات عملية لإنفاذه كشرط لتحقيق السلام الدائم والعادل.  

ومع بدء المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية المباشرة وإرجاء قضية اللاجئين الى "مفاوضات الحل النهائي"، بدأ التعامل معها كقضية سياسية خلافية، وكورقة تفاوض في يد الساسة الفلسطينيين والاسرائيليين، اسوة بغيرها من الملفات التي تخضع لموازين القوى السائدة. على المستويين الرسميين الفلسطيني والاسرائيلي، تم التعامل مع حق اللاجئين والمهجرين في جبر الضرر كملف تفاوضي؛ فكانت النتيجة ليس فقط جعل الحق موضوع تفاوض، بل ويجري التفاوض عليه  بمعزل عن كونه قضية حقوقية فردية وجماعية، شأنه شأن بقية القضايا المتفرعة عن أصل الصراع مثل المياه، والاسرى، والترتيبات الامنية المشتركة.

وبعد مرور سبعين عاماً على النكبة الفلسطينية، ما زال إنهاء معاناة اللاجئين الفلسطينيين ومعالجة جذور الصراع ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل. إن تشتيت الانتباه عن قضية اللاجئين الفلسطينيين نتيجة لنشوء حالات لجوء جديدة، وتعميم حالة اللجوء، وانشغال محافل القرار الدولي بمعالجة الحروب والارهاب، واستشراء الصراعات التي تمزق الوطن العربي، وتركيز الدول على مواجهة الارهاب وتحقيق أمنها القومي، لا يبطل تلك الضرورة، ان لم يكن يؤكد على وجوب الوقوف عندها لمعالجة الحالة الراهنة.

يبين هذا العدد أن جبر الاضرار التي لحقت باللاجئين والمهجرين الفلسطينيين يتطلب بالضرورة تفكيك النظام الكولونيالي الاسرائيلي القائم على التمييز العنصري وتهجير الفلسطينيين. لا يمكن تصور امكانية وقف التهجير؛ سواءً جرى على شكل مجموعات كبيرة وبشكل مباشر كما حدث عامي 1948 وعام 1967، او لا يزال يجري من خلال سياسات التهجير القسري الصامتة التي تنتهجها اسرائيل على جانبي الخط الاخضر في ظل نظام استراتيجيته الكبرى تتمثل في السيطرة على اكبر مساحة ممكنة من الارض باقل عدد من السكان. وبينما يعجز المجتمع الدولي عن وقف التنكيل بالشعب الفلسطيني، لا يمكن تصور امكانية تحقيق العودة بالاتفاق مع نظام يسعى الى بناء دولة يهودية خالصة. 

إن معالجة جذور الصراع وتفكيك المنظومة الاستعمارية والعنصرية ووضع حلول عملية لمسألة اللاجئين والمهجرين، يتطلب تطوير تخيلية سياسية تعالج الملامح العامة لشكل الدولة بعد عودة اللاجئين، بما يشمل الحقوق والمواطنة وغيرها من الامور التي تضمن عدم تكرار ما حدث. هذه الواقعية، ليست واقعية القبول بالمستعمر وشرعنة سياساته وجرائمه، بل هي واقعية البحث في الحل المؤسس على حقوق الانسان. في هذا الاطار، بينت مقالات هذا العدد كيف يمكن الاستفادة من تجارب الدول الاخرى واخذ العبر منها وتفادي تكرار الأخطاء.

رغم ان حل مسألة اللاجئين والمهجرين، يتطلب تدخلا سياسياً، الا انها ليست قضية سياسية بحتة. بكلمات اخرى، الحل السياسي العادل والمنشود يستوجب وضعها ضمن اطارها القانوني والحقوقي بما يضمن حقوق اللاجئين والمهجرين كأفراد ومجموعات. ان انهاء جذور الصراع يتطلب معالجتها سياسيا من خلال منهج قانوني وحقوقي بعيداً عن توازنات القوى التي غالباً ما تفرض تسويات سياسية وليس حلولاً دائمة لافتقارها العدالة. 

هذا العدد بمثابة دعوة لاجتراح استراتيجية التحرر المنشود عبر تجاوز الشعاراتية، وواقيعة القبول بالهزيمة والواقع. وباعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، فإن منظمة التحرير بكافة فصائلها واتحاداتها ومؤسساتها مُطالبة بإعادة صياغة برامجها الوطنية، واعادة ترتيب أولوياتها بما يفضي الى تحقيق حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. 
هيئة التحرير