القيادة الفلسطينية بين بلفور ونهج الرهان على الامبريالية

بقلم: وسام رفيدي،  محاضر في جامعة بيت لحم
في نقاش وعد بلفور، لا بد للخطاب الفلسطيني أن يتجاوز الجملة المكررة والتي باتت أيقونة صنمية: "وعدُ مَنْ لا يملك لمَنْ لا يستحق" حسناً، وماذا بعد ذلك؟ هذا ما يجب ان يرتكز عليه الخطاب. هل يستمر الخطاب الفلسطيني ويعيد ويكرر تلك الحقيقة التاريخية الفاضحة للسلوك الامبريالي البريطاني في فلسطين، أم تراه يفكر بالتقدم خطوة للأمام؟
 

كثيرة هي الجرائم التاريخية التي ارتكبتها الامبريالية بحق شعوب العالم، حتى ليصح القول: ما تطورت الرأسمالية إلا وأنهار الدماء تسيل على شرف الأرباح. لذلك صحت مقولة ماركس: الرأسمالية تقطر دماً! من إبادة 80 مليون من السكان الأصليين في الأمريكيتين، إلى استرقاق عشرات الملايين من الأفارقة عبيداً في المزارع والمصانع الرأسمالية، وصولاً إلى استعباد شعوب آسيا.

وفي معظم الحالات، كان للإمبريالية البريطانية نصيب الأسد في الجرائم التاريخية بحق الشعوب. فلم تقتصر الرأسمالية البريطانية على ان تكون نموذجاً لتحليل النظام الرأسمالي كما اتخذها ماركس في كتابه رأس المال، بل كانت نموذجاً تتبارى فيه مع فرنسا صاحبة النفاق التاريخي.

ولا تزال الإمبريالية صفيقة ووقحة، ترفض حتى الاعتذار عن جرائمها، ناهيك عن رفضها تغيير سياساتها او  دفع التعويضات للشعوب التي ارتكبت بحقها الجرائم. وفوق ذلك، تتشدق بشعارات حقوقية وإنسانية وتنصّب نفسها "معلماً" يُعلم الشعوب طريقها للحرية والديمقراطية. هكذا كان حال الخطاب الامبريالي البريطاني في أوج ازدهاره في القرنين الثامن والتاسع عشر دفاعاً عن سلوكه الاستعماري: "نريد للشعوب ان تتعلم كيف تحكم نفسها"، وللباحث عن العنصرية بأبرز تجلياتها، فليتوقف عند المقولة السابقة.

وفي فلسطين، كان الامبرياليون الانجليز يفاوضون الحسين بن علي على مملكته العتيدة مقابل دعمه لهم في الحرب ضد تركيا، ومن تحت الطاولة كانوا يعقدون صفقات سايكس بيكو مع الفرنسيين والروس القياصرة. وحتى عندما كشف الشيوعيون الروس المنتصرون آنذاك بقيادة لينين، وثائق سايكس بيكو، وفضحوا تآمر الامبرياليين على شعبنا العربي، ظل الحسين بن علي على وفاءه لدعم بريطانيا الذي تعهد به في  مراسلاته مع مكماهون.

في هذه اللحظة التاريخية، صدر وعد الامبريالي بلفور للصهاينة ضمن سياق المصالح الاستعمارية في المنطقة العربية، وسياق ترسيم الحدود وتقسيمها بين المستعمرين الانجليز والفرنسيين، حيث جاء إنشاء الكيان الصهيوني ركناً اساسياً في السياقين: المصالح الاستعمارية وتقسيم المنطقة.

إن ما سقناه غدا بديهياً ويدرسونه في المنهاج المدرسي، ولو كان ضحلاً بعض الشيء، إلا أن الحاجة للتذكير به لا زالت قائمة خاصة وأن الممارسة السياسية اليوم للقيادة الفلسطينية تفصل بين هذا التاريخ الامبريالي البريطاني وموقفها من السياسة البريطانية اليوم.

أولى مظاهر الفصل تتبدى بشطب المحتوى الامبريالي في توصيف السياسة البريطانية. فبريطانيا، وكذلك فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لا تعتبر قوى امبريالية في خطاب القيادة السياسية، وحتى العديد من القوى اليسارية منها، بل تُعطى التوصيف الأكاديمي المحايد، ولكن الاستفزازي: أن بريطانيا لا تزال تنكر جريمتها التاريخية بحق شعبنا. بينما تعربد الولايات المتحدة تقسيماً وذبحاً في العراق وسوريا واليمن، وحتى فرنسا تمارس سياستها الاستعمارية بكل صفاقة في سوريا ولبنان. مع كل هذا، تبقى حكومة جلالتها والإدارة الأمريكية والحكومة الفرنسية دون أدنى إشارة لطابع السياسة الامبريالية.

من الواضح أنه ليس في جعبة القيادة الفلسطينية غير مطلبها في ال Sorry، ترفعها في وجه بريطانيا الامبريالية والتي طالب بها ابو مازن في مؤتمر فتح، دون أن تصل للحدود المطلوبة: تعويض الشعب الفلسطيني وتغيير السياسة البريطانية تجاه القضية الوطنية.  وإن أدركنا ان صلف الامبرياليين البريطانيين لن يصل لهذه الحدود، فعلى القيادة الفلسطينية أن تتخذ موقفاً من السياسة البريطانية التي تستمر بدعمها غير المشروع للإمبريالية الصغرى، حسب التوصيف الدقيق للراحل جورج حبش، الكيان الصهيوني.

إن هذا المطلب الخجول المتمثل بال Sorry ينسجم تماماً مع كل النهج السياسي للقيادة الفلسطينية. نهجاً يرى أوراقه كلها في جيب الامبرياليتين الامريكية والاوروبية ومن خلفهم الانظمة الرجعية العربية، وفي مقدمتها حكام السعودية، وهو نهج يمكن ببساطة اعتباره المظهر الأبرز للتحول باتجاه الصفقة المذلة مع الكيان الصهيوني ونعني صفقة أوسلو، فأوسلو يتجاوز حدوده الرسمية كاتفاق ليطال مجمل النهج المعتمد منذ أكثر من 23 عاما.

والمعضلة هنا ان هذا النهج المُجرب منذ 23 عاماً والذي لم يحصد سوى الاستيطان المكثف وتحمل تكلفة الاحتلال الصهيوني لم يواجَه في مؤتمر فتح، باعتبارها التنظيم المهيمن على القيادة السياسية برمتها، بأية مراجعات ونقاشات جدية. لنكون امام حقيقة ان هموم القيادة الفلسطينية، وفي ذكرى وعد بلفور الامبريالي، في واد والقضية الوطنية وهموم شعبنا في واد اخر.