في الذكرى المئويته: هل لا يزال "وعد بلفور" حاضراً في الأدبيات السياسية؟

بقلم: أحمد مفلح، باحث من فلسطين مقيم في لبنان 

            في الثاني من تشرين الثاني 1917 أعلن وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور وعده بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وذلك عبر رسالة وجهها للورد الصهيوني ليونيل والتر روتشيلد مفادها: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".
 

ولا تكمن خطورة هذا الوعد في التوقيت الذي أُصدر فيه فحسب؛ أي في أوجّ الحرب العالمية الأولى وحاجة بريطانيا إلى حلفاء لا سيما من اليهود فبحثت لهم عن حل لمشكلتهم المزعومة. ولا في مضمونه السياسي والأخلاقي فحسب؛ باعتباره وعداً "ممن لا يملك إلى من لا يستحق" ، بل كونه أرسى الخطوط العريضة والأساسيّة لمجمل السياسة البريطانية الاستعمارية في فلسطين خصوصاً، وفي المنطقة العربية عموماً.

ومن هذا الوعد الذي يعتبر المدخل الرسمي الأول إلى اغتصاب فلسطين وإقامة ما بات يعرف بإسرائيل  لاحقاً، كان نص صك الانتداب الذي أقرّته عصبة الأمم في عام 1922، الممهّد بعد ثلاثين عاماً على الوعد (29/11/1947) لمشروع قرار تقسيم فلسطين (القرار 181) وإقامة دولة لليهود على جزء منها.

من هنا شكل هذا "الوعد" الخديعة الثانية والأقسى في تاريخ العرب المعاصر عموماً والقضية الفلسطينية خصوصاً، بعد خديعة سايكس – بيكو (1916) للشريف حسين، التي كانت مجرد اتفاق لتقسيم سوريا الكبرى مع فرنسا.

السؤال الإشكالي هنا: إلى أي مدى ما يزال هذا الوعد حاضراً في الأدبيات السياسية الفلسطينية، وذلك باعتباره المدخل الأول لنكبة فلسطين واغتصابها، ومظهراً من مظاهر التحالف الإمبريالي الغربي مع الحركة الصهيونية والذي ما تزال مفاعيله ناشطة إلى اليوم، وتقف في وجه أي حل عادل لقضية فلسطين بوجوهها كلها.

للإجابة عن هذا السؤال توقفنا عند مجلتين مختصتان في الأدبيات والتاريخ السياسي الفلسطيني: مجلة شؤون فلسطينية؛ باعتبارها أهم "دورية فكرية لمعالجة أحداث القضية الفلسطينية وشؤونها المختلفة، وتصدر عن مركز الأبحاث في "م . ت. ف". ومجلة الدراسات الفلسطينية التي تصدرها، ولما تزلْ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، وهي مؤسسة تُعنى بالصراع العربي – الصهيوني،
ومن أجل قراءة هذا الوعد والتعامل معه تاريخياً واستراتيجياً وتعبوياً، يستند المقال الى أسلوب تحليل المحتوى لنحو 255 عدداً من مجلة شؤون فلسطينية صدر بين آذار/1971 وشتاء 2014، . و108 أعداد من مجلة الدراسات الفلسطينية صدرت بين شتاء 1990 وخريف 2016، متوقفين عند الأبحاث والدراسات والمقالات التي تناولت بشكل مباشر "وعد بلفور"، أي ذُكر في العنوان، وليس مجرد ذكر اعتباطي وثانوي في متن النص.

في مجلة شؤون فلسطينية، وُجد أن المواد المنشورة في الأعداد التي استخدمت من أجل هذا المقال هي 4654 مادة منوّعة بين دراسة وبحث ومقال ورأي في السياسة والتاريخ والفكر والثقافة والأدب واليوميات والتصريحات،  منها خمس مواد فقط (في الأعداد 5 و 56 و 73 و 174 و197) ذكرت في عنوانها كلمة "وعد بلفور"، أي ما نسبته 0.10 في المئة. ومن هذه المواد الخمس، ثلاث مواد شرحت أبعاد هذا الوعد وتاريخه وأهميته، أي ما نسبته 0.06 في المئة.

أما مجلة الدراسات الفلسطينية، فمن أصل نحو 1750 دراسة وبحثاً ومقالة (من دون مراجعات الكتب والوثائق) نشرت فيها، عنوانين اثنين فقط حملا كلمة "وعد بلفور"، الأول في افتتاحية للكاتب وليد الخالدي (العدد 99)، والثاني في مراجعة كتاب جوناثان شنير (العدد 95). كما ورد ذكر الوعد في سياق متون بعض الدراسات بشكل عابر، الأمر الذي يعني أن نسبة وجود هذه المحطة التاريخية والسياسية في تاريخ القضية الفلسطينية لا تزيد عن 0.11 في المئة، وبشكل غير أساسي.

يتبيّن لنا من خلال اسلوب تحليل محتوى عيّنتين من نتاج الادبيات السياسية الفلسطينية، أن هذه المحطة الخطرة في مسار القضية الفلسطينية تكاد تكون غائبة كلياً، حيث ان ذكرها او التطرق لها اقتصر على اقل من 0.1 في المئة من مضمون هذه الادبيات، مقارنة باتفاقيات وحوادث تاريخية اخرى كان اثرها على مسار القضية الفلسطينية اقل بكثير من "وعد بلفور"، ولكنها حظيت بالاهتمام الاكبر من قبل الساسة والكتاب الفلسطينيين.

من جهة أخرى وبالرغم من أنها لم تكن بخطورة وعد بلفور، حظيت اتفاقية سايكس – بيكو بمساحة كبيرة في الأدبيات السياسية الفلسطينية. فمصير فلسطين قد حُسم في "وعد بلفور" لأن بريطانيا قد وعدت بوهب فلسطين لمن يساعدها في حربها المحرجة، فوعدت العثمانيين والشريف حسين واليهود في نفس الوقت، لكن من خلال الوعد حسمت أمرها تجاه اليهود.   

لا يتسع هنا المجال لقراءة دلالات هذه التقنية وتقديرها الاستراتيجي وقراءة مفاصل هذه القضية وأبعادها وحيثياتها التاريخية والسياسية والدولية، ومدى تلاحم العلاقات الاستعمارية - الصهيونية والخدع الغربية المساندة دائماً لهذه الحركة العنصرية. كما تدلنا على تراخي التعبئة السياسية في صفوف الأجيال الفلسطينية والتلهّي الفكري بالخطب الآنية والخلافات الداخلية أكثر من القضية المركزية.

نستخلص من هذه النتائج مدى ضحالة إنتاجنا الفكري السياسي والتاريخي وضعفه على مستوى كنه القضية الفلسطينية، فما هو منشور عن قشورها ويومياتها الآنية أكثر بكثير عما هو منشور عن مفاصلها الأساسية، وكأن هناك انقطاعاً متعمداً بين مراحل تطور هذه القضية ومحركاتها.

ان الخطر في هذا المجال، وتحديداً الشق التاريخي منه، هو الوقوع في شرك التأريخ نفسه بحسب "المدرسة التوراتية"، التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر كما يُصنّفها ماهر الشريف بين المؤرخين الغربيين، وقامت على أساس العودة إلى التاريخ القديم لتبرير مشروعية الفكرة الصهيونية الحديثة بإقامة دولة يهودية في فلسطين.

فهناك الكثير من الدراسات التاريخية في الفكر الفلسطيني عن التاريخ القديم وأسفار الإسرائيليين وسبيهم في فلسطين، ولا نقول هذا غير مهم، لكن الأهم أن نعرف ماذا حصل في الأمس القريب وماذا يحصل اليوم وأثّره المستمر على مسار القضية. فالقضية الفلسطينية هي قضية سياسية وليست تاريخية فحسب، لذلك،  لا بد من تطوير أساليب كتابتنا التاريخية والسياسية بما يتلاءم مع أهمية قضيتنا.

كما أن قراءة الواقع الفلسطيني بمنهج اسلامي يرى القضية الفلسطينية في بقعة صغيرة هي المسجد الأقصى، ليس الا اختزالاً للتاريخ الفلسطيني. فبالرغم رمزيته النسبية، لكن أين باقي فلسطين؟ هل نحرر فلسطين ونطالب بها كرمى للأقصى فحسب، أم لأنها قضية شعب ظُلم وأُخرج من أرضه وهي كلها حق له؟

هناك مشكلة في فكرنا السياسي والتاريخي الفلسطيني، ومعادلة فاشلة حتمًا ستوصلنا إلى نتائج تعبوية فاشلة أيضاً، وهذا الفشل غير المنظور في قراءة تاريخ وسياسة القضية الفلسطينية أوصلنا إلى ما نحن فيه من ضعف وهزائم وتراخٍ وجهل. لا نتذكر اليوم "وعد بلفور" من أجل التباكي وترداد خطورة ودور هذا الوعد، بل من أجل الاستفادة في مواجهة خدع الإمبريالية الغربية، وكيفية العمل على التخلص من نتائجه ووضع نصب أهدافنا كيف نفرض اعتذار القوى التي "وعدته".