العودة بين الحق المشروع والواقع المتحول: قراءة في أزمة الأونروا المالية

 
بقلم: م. تيسير محيسن، باحث وكاتب سياسي مقيم في غزة
 
تمهيد

شكلت قضية اللاجئين منذ البداية لُب المسألة الفلسطينية والأساس الحاكم للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. اليوم، في ظل مرور مئويات على أحداث تأسيسية يعاد إنتاج أفكارها على صوت هدير الطائرات وصخب صراع الإرادات في المنطقة، ثمة من يحاول الإجهاز على هذه القضية بدمجها، أو قل تذويبها، في أتون الصراع المحتدم، وتقديم ادعاءات عملاتية بأن "فلسطين" لم تعد هي المشكلة، أو على الأقل لم تعد هي المشكلة الوحيدة.
 

صحيح أن قضية اللاجئين الفلسطينيين برزت متأخرة نسبياً عن تلك الأحداث، إلا أنها، شأنها شأن أي قضية أخرى تتصل بهذا الصراع المتطاول، يمكن مقاربتها أو إعادة قراءتها في ضوء حدثين مئويين في هذه الأثناء. فالحديث عن سايكس-بيكو جديدة ينطوي على فكرة جوهرية هي تعميم حالة اللجوء العربي، ليسهل من ثم إعادة هندسة المنطقة وتقسيمها طبقاً لمصالح القوى الإقليمية والدولية المتصارعة.
 
فمطلب الدولة اليهودية الذي ترفعه حكومة اليمين الإسرائيلي هو بعث للوعد المشؤوم بإقامة "الوطن القومي لليهود". وبينما تواصل إسرائيل تقويض حل الدولتين والحيلولة بكل السبل دون عودة اللاجئين من شتاتهم الطويل، فإنها تحاول إنتاج حالة شتات جديد لمن تبقى على أرض فلسطين التاريخية على نحو من الأنحاء.  
 
تفحص هذه المقالة مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين في هذا السياق شديد التغير والتعقيد، وتسليط الضوء على الديناميات الحاكمة أو المتحكمة فيها. هذه العودة باعتبارها حقاً أو هدفاً أو مشروعاً أو حتى شعاراً محددة بالعوامل التالية: الموقف الفلسطيني الرسمي، وآخر تعبيراته ما ورد في خطاب الرئيس عباس في المؤتمر السابع لحركة "فتح"، والشعبي الذي لم يطرأ عليه تغيير ملحوظ منذ كانت هذه القضية، والعامل الثاني هو الموقف الإسرائيلي المعروف والرافض لعودة اللاجئين وتحميل العرب مسؤولية ذلك، وجديده الذي لم يتضح بعد، يرتبط بصيرورة الصراع في الإقليم وما يمكن أن يتمخض عنه في نهاية المطاف.
 
العامل الثالث، التحولات الكبرى في الإقليم ومن بين أهمها "تعميم اللجوء" لتصبح حالة عربية عامة وليست مسألة فلسطينية خالصة. وأخيراً، الموقف الدولي، وخصوصاً موقف الولايات المتحدة الأمريكية، الذي تعكسه بيئة عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وما طرأ ويطرأ عليها من تبدلات وتغيرات. ضمن العامل الأخير يمكن إدراج "الرؤية الروسية" للمنطقة مشفوعة بالحضور الروسي اللافت والمقرر إلى حد بعيد. سنكتفي بالإشارات السريعة لكل ذلك، مع التوقف ملياً عند بيئة عمل الوكالة ومحاولة استشراف المآلات المحتملة للقضية في غضون السنوات القليلة التالية.
بين عجز النظام وتهافت الخطاب
في خطابه الذي استغرق زهاء ثلاثة ساعات، لم يترك الرئيس عباس أمراً ذي شأن بالمسألة الفلسطينية إلا وتناوله. وقد استخدم تقنيات الإبراز أو الاختصار أو الإشارات الضمنية لإيصال رسائله والتعبير عن قناعاته وعن الوجهة السياسية لكبرى الحركات الوطنية "فتح". لم يرد تعبير "مخيم/مخيمات" في الخطاب إلا مرة واحدة للإشارة إلى مكان وليس إلى "حالة" مقترنة بالمساعدة الإنسانية وليس بالمعالجة السياسية. بجانب ذلك، تكرر ذكر الأهداف الوطنية في أكثر من مكان بينما فيما يخص عودة اللاجئين، اكتفى الخطاب بإيراده مرة واحدة وبنص مأخوذ من المبادرة العربية "حل عادل ومتفق عليه".
 
من الواضح، أن ثمة تسليم رسمي فلسطيني بأن هذا "الحق" معلق إلى حين، وذلك في مواجهة حكومة يمينية تجاوزت كل الخطوط الحمراء في انتهاكها حتى لحقوق تضمنتها بعض الاتفاقيات الرسمية مع الجانب الإسرائيلي. أما الموقف الشعبي والفصائلي، ومع التأكيد على هذا الحق في كل مناسبة غير أن أحداً لا يطرح أجندة فعل حقيقية لتطبيقه أو لإجبار العالم على التعاطي معه أو حتى إبرازه بصورة ملحة على الملأ. فالانقسام وحل الدولتين وتهويد القدس والاستيطان الزاحف وتضييق حياة الفلسطينيين بكافة السبل، قضايا تستحوذ على اهتمام الجميع.
 
تعرضت قضية اللاجئين إلى اقصاء تدريجي عن الأجندة، كما تعرض المطلب الفلسطيني إلى تنزيل السقف أو ما يمكن أن نسميه "التحويل والانحراف"، ليس دائماً في تطابق مع "الواقع المتبدل" أو انعكاساً له، وإنما حدث الأمر أحيانا بصورة طوعية ومسبقة وربما مقصودة.
 
عربياً، حددت المبادرة التي أطلقها الأمير عبدالله سقف المطلب العربي، وقدمت تنازلاً مسبقاً بخصوص القضية حين أوردت تعبير "الحل المتفق عليه". وقد يرى البعض أن كل حل هو بالضرورة حل متفق عليه وإلا كيف يتم تطبيقه والالتزام به؟ وفي ذلك بعض الصحة، لولا اقران حق العودة على وجه الخصوص بهذه الاشتراطية ما يفهم منه الاستعداد العربي للتعاطي مع حق العودة بطريقة تقبل بها إسرائيل، وإسرائيل لن تقبل كما هو معروف بعودة أي فلسطيني إلى بيته الذي سلب منه وشرد عنه. ثم زاد الواقع العربي المتدهور من الاستحالة العملية لأن تكون عودة اللاجئين الفلسطينيين محمولاً عربياً تدفع به وتكافح من أجله، وذلك في ظل حالة السيولة التي تعيشها المنطقة والتي نطلق عليها "تعميم حالة اللجوء".
 
إسرائيلياً، نجحت إسرائيل في جعل قضية الاستيطان، على سبيل المثال، حاجة عملية وقضية عودة اللاجئين قضية رمزية. هذه هي القاعدة التي أستند إليها دينس روس دينيس في إطلاق معادلته الشهيرة "التوفيق بين الاحتياجات الفلسطينية الرمزية والاحتياجات الإسرائيلية العملية"، وهي معادلة ظالمة ومجحفة، ساهم الفلسطيني ذاته في تكريسها بصورة أو بأخرى.
 
وبعد فوز ترامب، يراهن بعض الإسرائيليين على إمكانية إحداث تحول نوعي في الموقف الأمريكي باتجاه تبني الحل الإقليمي الذي لا يجحف بحق العودة فحسب؛ بل وينسف حل الدولتين. وإذا كانت تصريحات المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية خلال الحملات الانتخابية لا يؤخذ بها عادة بعد الفوز، إلا أن جرأة ترامب في دعوته إلى نقل الفلسطينيين إلى خارج الأراضي الفلسطينية وإعلان دولة يهودية واحدة، تدعو للقلق.
 
في ظل كل ذلك، يصعب الحديث عن عودة محتملة أو قريبة للاجئين. ولكن ثمة من يرى أن فوز ترامب وإمكانية انعقاد صفقة شاملة بين إدارته والقيادة الروسية تشمل حلا من نوع ما للمسألة الفلسطينية أمر يجب الانتباه له وحتى توقعه (وحتى في مثل هذه الحالة، السيناريو الأكثر أرجحية هو حل مشكلة اللاجئين عبر توطينهم وإعادة تأهيلهم حيث هم أو في كيانات جديدة تجمعهم مع الشتات العربي المستجد).
 
الأونروا بين الإنساني والسياسي
أُنشئت الأونروا بقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم (IV 302) في عام 1949 وبدأت عملياتها في أيار 1950 بتقديم الإغاثة الطارئة، لتتحول تدريجياً إلى منظمة تقدم خدمات حكومية وتطويرية مثل التعليم والصحة، والرفاه العام، والتمويل الصغير، والتخطيط المدني. كما جرى تحول في فلسفة عمل الوكالة، مثل التحول من مبدأ تقديم المساعدة على أساس الوضع القانوني للشخص (اي لمجرد تمتع الشخص بصفة لاجئ)، إلى تقديم المساعدة على أساس الحاجة (اي حاجة الشخص اللاجئ الى المساعدة من عدمها)؛  علاوة على تغيرات أخرى طرأت بعد نشأة السلطة الفلسطينية.
 
ولما كانت الولايات المتحدة من بين أكبر مانحي الوكالة، ومواقفها تجاه مسألة اللاجئين تراوحت بين التوطين والتعويض وإعادة التأهيل، فإن أي تغير على سياستها سوف ينعكس على بيئة عمل الوكالة حتى وإن بدا أن للوكالة سياسة مستقلة أو حتى مختلفة في نواحٍ معينة. إن استمرار عمل الوكالة، كما يفسره البعض، ناجم عن كونها، أي الوكالة، تمثل مصلحة لكل من اللاجئين والولايات المتحدة وبقية المانحين الكبار، وللشرق الأوسط عموماً.
 
اليوم، ثمة إعادة نظر في هذه "المصلحة" ومدى الحاجة للوكالة التي تمثلها. مارست الولايات المتحدة ضغوطاً من أجل أن تدخل الوكالة "إصلاحات" على بيئة عملها وطبيعته، وهي تسعى من وراء ذلك للتحكم في الدور القانوني والسياسي الذي تلعبه الوكالة لصالح اللاجئين. من بين الأمثلة، الضغط من أجل ازالة اللاجئين الذين يحملون جنسية البلد المضيف من قوائم الوكالة، والتقيد التام بالتدخلات الإنسانية بعيداً عن إبداء اية مواقف ذات طبيعة سياسية، وإعادة النظر في تقديم الدعم على أساس إنساني لأولئك القادرين على تحمل النفقات التي تقدمها الوكالة لهم، وحجب الدعم عمن تصنفهم الولايات المتحدة إرهابيين أو مجرمين، وإعادة النظر في الكتب الدراسية لضمان خلوها مما أسمته "التمييز".   
 
وإذا كان الخطاب الرسمي العربي والدولي وإلى حد ما الفلسطيني، بعيد توقيع إتفاقية أوسلو، قد تمحور حول الدور المستقبلي للوكالة، فإنه من اللافت اليوم، مع انحسار فرص حل الدولتين، وتفاقم أوضاع اللاجئين فإن موضوع استمرار عمل الوكالة لازال يطرح وبطرق شتى أبرزها "الأزمة المالية المفتعلة أو المقصودة"، علما أن الأمر يتطلب عدم المس لا باسم الوكالة ولا بنطاق اختصاصها ولا بالتزام تمويل عملياتها، ولا بمستقبلها طالما بقي الصراع دون حل.
 
منذ وقت مبكر، برزت كثير من المؤشرات التي تمهد لإنهاء خدمات الوكالة، ليس فقط قبل انهاء الصراع، بل وحتى في ظل تفاقمه. ففي هذا العام أعلنت الوكالة عن المزيد من تخفيض خدماتها؛ وذلك بسبب استمرار تفاقم أزمتها، وخاصة منذ عام 2015، إذ تشير الأونروا إلى أنها "لن يمكنها الاستمرار في التنفيذ الكامل لأبسط الأنشطة الأساسية الصادر بها تكليف من الجمعية العامة بتوفير التعليم والرعاية الصحية الأولية والإغاثة للفئات الأكثر ضعفًا"، بما يمس حياة نحو 5.5 ملايين لاجئ.  فقد عملت على رفع الحد الأقصى لعدد التلاميذ في الفصل الدراسي الواحد في مدارس الأونروا إلى 50، وهو إجراء يهدد نوعية التعليم الذي يتلقاه أكثر من 500 ألف طفل فلسطيني؛ وتقليل عدد الموظفين؛ ووقف عمليات التوظيف، بالإضافة إلى إنقاص مساهمة الأونروا في نفقات العمليات الطبية الكبيرة، ووقف مساعدات بدل الإيجار للنازحين وتخفيض قيمة المساعدات الغذائية، وقف برنامج المنح الدراسية.
 
وبالرغم أن هذا العجز يتكرر منذ نشأة الأونروا، إلا أنه كان يجد طريقه إلى الحل دوماً، بَيْدَ أن هذه المرة يختلف عما مضى؛ إذ يترافق هذه المرة مع سياسات مالية دولية من جانب الممولين تكشف عن مقاصد تجاه إعادة صياغة العلاقة مع اللاجئين الفلسطينيين. لا تُفصح الأونروا عن وجود اعتبارات سياسية وراء تخفيضاتها، إلا أن تلك الاعتبارات-عند التحليل- تبدو مرجحة، أكثر من السبب المالي، الذي يبدو مجرد نتيجة، للاعتبارات السياسية لدى الدول المانحة.
 
وهذا ما قد يؤشر على وجود نية، أو رغبة، في تغيير دور الأونروا، بحيث تكون التخفيضات المعلنة، فاتحة لسلسة أخرى من التخفيضات الإضافية فضلاً عن إلقاء عدد من مهام الأونروا على أطراف أخرى. وعليه، لن يجد العجز المالي طريقه إلى الحل، بل قد تنتهي المسألة بإيجاد صيغة لمعالجة ملف اللاجئين تتجاوز تطبيق حق العودة.
 
أسباب عجز الموازنة
 
تواجه الأونروا زيادة على طلب خدماتها بسبب نمو وتزايد أعداد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين، وخاصة أنه يتم تمويل الأونروا بشكل كلي عبر تبرعات وإسهامات طوعية، وأن احتياجات النمو قد فاقت الدعم المالي. وكنتيجة لذلك، فإن موازنة الأونروا تواجه عجزاً من المتوقع أن يقف في نهاية عام 2016 عند 96.5 مليون دولار مما دفعها إلى اتخاذ مجموعة من القرارات، أبرزها تلك التي تتعلق بخفض ما تقدمه من معونات للاجئين، والتي مست احتياجات أساسية مثل تخفيض مخصصات العلاج في المستشفيات الخاصة بنسبة 20%، كما خفضت دعمها للمستشفيات الحكومية بنسبة 15%، ولمستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني بنسبة 10%.
 
كما طلبت من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بتمويل جزء من تكاليف علاجهم، الأمر الذي  أوجد أزمة بين الطرفين. تُسوق الأونروا مجموعة من الأسباب وراء عجز موازنتها، وهي: الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت بالظهور منذ عام 2008، وتوقف بعض الدول الرئيسية المانحة عن تقديم مساعداتها للأونروا مثل كندا، وزيادة الأسعار العالمية للمواد الغذائية والوقود والسلع، باعتبار أن جزءاً كبيراً من نفقات الأونروا تتم بالدولار، وتفاقم أزمات المنطقة في سورية واليمن وليبيا، فضلاً عن العدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة، ومن الطبيعي أن يضاعف ذلك احتياجات اللاجئين دون أن يقابله زيادة في الموازنة العامة التي استمرت ثابتة. يمكن ان يضاف الى اسباب العجر في الموازنة عامل الفساد والهدر في الاونروا نفسها؛ فمثلًا يتم صرف ثلث ميزانية الأونروا التي تتبرع بها الدول المانحة على نحو 140 موظف أجنبي.
 
تفنيد التفسير المالي

هناك مجموعة من العوامل تجعل من العجز المالي سبباً غير كافٍ لتقليص المساعدات، وهي:
 
إن المتبرعين من الدول الغربية الذين توقفوا عن تمويل وكالة الغوث لأسباب اقتصادية، ما زالوا يقدمون خدماتهم إلى العديد من الدول في الأزمات المستجدة في سورية واليمن والعراق، فضلًا عن مساهماتهم المالية في معالجة الأوبئة في وسط أفريقيا. فعلى سبيل المثال، أوقفت كندا دعمها للأونروا بحجة مشكلاتها الاقتصادية، بينما استمرت بتقديم خدماتها للاجئين السوريين، فضلاً عن أنها تعهدت خلال هذا العام 2016 باستقبال 25 ألف لاجئ سوري. في مؤتمر "دعم سوريا والجوار" الذي عقد في لندن فبراير/2016 تعهدت الدول بتقديم نحو 11 مليار دولار لدعم اللاجئين السوريين. وأكثر هذه التعهدات أتى من الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا والنرويج والمانيا (نحو 2.5 مليار دولار لكل منها) والولايات المتحدة (أقل من 900 مليون دولار) وهي الدول الرئيسة التي تمول الأونروا. 
إن مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الممول من ذات الدول التي تدعم الأونروا، والمنبثق عن الأمم المتحدة ويعمل تحت غطائها القانوني كالأونروا، نجد أنه في المقابل، وفي العام نفسه الذي اعلنت الأونروا عن عجز موازنتها، يقدم خدماته الواسعة في الكاميرون وتشاد ورواندا وتنزانيا وأوغندا. ويبذل جهودًا مكثفة لإدراج احتياجات اللاجئين هناك في خدمات التعليم والصحة الوطنية وهي نفس الخدمات التي قلصتها للاجئين الفلسطينيين. ويواصل جهوده مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والمنظمات الدولية لكي يحافظ على خدماته مستمرة في تلك المناطق. ويتبين من موازنته عام 2015 المخصصة للدول الأفريقية أنها استمرت كما هي عند مقارنتها بالعام السابق على أزمة الأونروا، بل زادت في بعض الدول، كما أن موازنته قد بلغت 2.2 مليار دولار أميركي في عام 2015 
وعليه، من غير المعقول أن الدول المانحة التي يزيد عددها عن ثلاثين دولة صناعية والعديد من المؤسسات المالية الكبرى غير قادرة على سد العجز في الموازنة الذي زاد عام 2015 عن مائة مليون دولار، في الوقت الذي ينفقون فيه مليارات الدولارات على تمويل الحروب.
 
يمكن أن نضيف في هذا السياق، إلى أنه بالرغم من تحلل المجتمع الدولي من التزاماته تجاه وكالة الغوث واللاجئين، فإنه يستمر في إغداق الأموال بشكل سخي لصالح برامج ومشاريع تديرها منظمات إنسانية تقوم بما تقوم به الأونروا.
 
تحول سياسي بغطاء مالي

يتضح من الاعتبارات السالفة أن العجز المالي الذي تسوقه الأونروا سببٌ غير كافٍ، وإن كان صحيحاً في جانب منه، إلا أنه يخفي دوافع سياسية كما سيتبين بعد قليل.
   
تواجه الأونروا عدة تحديات تداعت آثارها على وظيفتها الخدماتية والاغاثية. ويتمثل أول هذه التحديات في أنها خلَّدت مشكلة اللاجئين، كما ضاعفت أعدادهم بشكل لافت. فضلًا عن المشكلات الأمنية التي خلقها وجود المخيم ذاته، وما حدث في مخيم نهر البارد ومع مخيم اليرموك شاهداً على ذلك، فضلًا عن سياسات استدراج المخيمات ضمن الحروب الأهلية والداخلية في الدول المضيفة لتصبح المخيمات عبئًا على الأونروا والدول التي تمولها. كل ذلك لم يضاعف من احتياجات اللاجئين فحسب؛ بل وكشف أن مسألة اللاجئين الفلسطينيين ليست إغاثية وانسانية فحسب وانما سياسية في الجوهر، وأن طوال العقود الماضية كانت صيغة الفصل بين الأمرين تشهد توترًا غير أنها باتت الآن صيغة غير واقعية كما عبر عن ذلك العديد من المفوضين العامين للوكالة.
 
في هذا السياق، ما عاد يمكن فصل العمل الاغاثي والإنساني الذي تقوم به الأونروا عن الجوانب السياسية. فقد أشار المفوض العام للأونروا بيير كرينبول إلى أن حل مشكلة اللاجئين في غزة تقتضي "معالجة الأسباب الكامنة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وأكد على أنه من غير المعقول العودة ببساطة إلى الظروف التي كانت سائدة من قبل، وأشار الى أن هنالك حاجة لتغيير النموذج. وهو ما أكده أيضًا المفوض العام بيير كرينبول مشيرًا "إلى أنه يتعين على الأونروا تغيير استراتيجيات عملها لأنه لا يقتصر على تقديم المساعدات الغذائية والطبية اليومية". وأشارت كذلك كارين أبو زيد المفوض العام الاسبق للوكالة ذات مرة إلى أن عملية الفصل بين ما هو إنساني وما هو سياسي هو بكل بساطة أمر غير واقعي وغير قابل للاستمرار، وأن هذه القضايا شديدة التشابك بحيث لا تسمح باتّباع منهج التجزئة.
 
ومن جانب آخر، شكك السيناتور الأمريكي "مارك كريك" بعدد اللاجئين الفلسطيني الذين يستحقون المساعدة، مشيرًا إلى "أن الأونروا لا تحل المشاكل وإنما هي تخلِّد مشكلة اللاجئين وتنقل المشكلة لأحفادهم الذين لا يعتبرون لاجئين". رافق ذلك بعض الإجراءات التي باشرتها الأونروا مثل تخفيف الأعباء عن كاهلها بإلقاء بعضها على المؤسسات الحكومية في غزة والضفة الغربية، فضلًا عن مناشدة الدول العربية لمساعدة الوكالة ومشاركتها أعبائها المالية. كما لجأت إلى تغيير في أسلوب عملها كتحويل عقود العمل من عقود دائمة إلى مؤقتة، وانحسار فرص التوظيف إلى مستويات غير مسبوقة.
 
في الخاتمة، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
ان أزمة الوكالة الحالية سياسية في الجوهر وإن اتخذت عنواناً مالياً، وأن الخيار الذي يلوح في الأفق هو سعي المجتمع الدولي إلى تحويل قضية دعم الأونروا للاجئين من كبار المانحين الدوليين إلى السلطة الفلسطينية والحكومات المستضيفة (الأردن، لبنان، سوريا)، فضلًا عن إيجاد صيغة تتجاوز حق العودة وتقدم في المقابل حلولًا عملية فردية اجتماعية واقتصادية.
من المتوقع أن تستمر الوكالة في تقليص خدماتها والانسحاب التدريجي، كخطوة على طريق حلها أو تحويلها إلى منظمة تعمل على إدماج اللاجئين في البيئة الحضرية المتواجدين فيها.
من الواضح أنه في سياق اللحظة السياسية الراهنة وربما إلى أمد بعيد لا يمكن توقع قبول إسرائيل أو إجبارها على السماح بعودة اللاجئين، غير أن هذا الأمر يجب ألا يمنع من وضع رؤية واضحة وعملية حول كيفية التعاطي مع قضية اللاجئين دون الهبوط بها مرة أخرى إلى مربع "الحالة الإنسانية"، أو الوقوع في شرك الدراسات والأطروحات التي تستند إلى الرواية الإسرائيلية وتنكر أو تشكك في الرواية الفلسطينية. وأيضا الحذر من الحلول التي يمكن أن تُمرَر تحت ذريعة "الواقعية" أو "ليس بالإمكان أفضل مما كان "أو فلسفة" درء المفاسد مقدم على جلب المنافع "أو أن تصبح عملية التحول والانحراف في الخطاب سياسة معتمدة ومعمدة بقراءات ذاتية عن تحولات الواقع الفعلي.
رفض محاولات تحويل "حق العودة" إلى ورقة تفاوضية أو ابتزاز، وتحويله إلى أن يصبح مجرد حقّ نظري والاعتراف به هو مجرد اعتراف نظري كذلك؛ دون أن يترتب على ذلك تطبيقات والتزامات واستحقاقات. ودائما يتوجب ربط هذا الحق بالدور السياسي ليس للمخيم، وإنما للاجئ، حيثما كان مقيما، في سياق التمثيل والقيادة والكف عن تهميشه خارج عملية صنع القرار الوطني.
من المستحيل على المدى البعيد التوصل إلى سلام عادل ما دامت الهيمنة الصهيونية قائمة وما دامت تتجسد في حكومة يمينية ومجتمع يجنح أكثر نحو العنصرية. وهذه وتلك، لا تجد تعبيراتها في الممارسات الاستعمارية التقليدية المعروفة فحسب، بل وفي استحداث بنى وأدوات استعمارية جديدة بعضها غير ملحوظ كما ينبغي. إن أحد شروط عودة حق العودة هدفاً تكافح الحركة الوطنية من أجل بلوغه، يتطلب إعادة تفكيك البنية الاستعمارية المستبدلة والخروج من مستنقع الوهم.