الرؤيه السياسية الفلسطينية

بقلم أمجد القسيس، مستشار لمؤسسة الحق - القانون من أجل الإنسان، وعضو في شبكة التضامن القانوني التابعة لمركز بديل
 
في اطار سعيها الدائم للسيطرة الكاملة على أرض فلسطين بحدودها الانتدابية، تستمر اسرائيل بفرض مجموعة من السياسات الاستعمارية والقوانين العنصرية الهادفة الى تهجير وطرد السُكان الفلسطينيين الأصليين على جانبي الخط الأخضر. ولا تقتصر هذه السياسات والممارسات على الفلسطينيين داخل الحدود الانتدابية لفلسطين، وانما تطال الفلسطينيين في الشتات ايضا، عبر إدامة تهجيرهم والتنكر لحقهم في العودة، مما يُشكل نظاماً شاملاً مبنيا على التمييز العنصري ضد من هم غير اليهود.
 

تُلخص الفقرة السابقة الرؤية السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. للأسف، لا يوجد حالياً رؤية فلسطينية سياسية مناهضة للسياسات الاستعمارية الإسرائيلية العدوانية، فالقيادات الفلسطينية والأحزاب السياسية والمجتمع المدني الفلسطيني لم يتمكنوا حتى اللحظة من بلورة رؤية واضحة حول كيفية تنفيذ وتفعيل حقوق الشعب الفلسطيني، وتحديداً الحق في تقرير المصير.

تنفيذ الرؤية الاسرائيلية استمرارٌ للنكبة الفلسطينية المستمرة

ان المكونات الأساسية التي تشكل النظام الاسرائيلي هي في اساسها مكونات تمييزية ضد الفلسطينيين من نواحي القومية، والجنسية/المواطنة، وحقوق الاقامة، وحق تملك الأراضي وغيرها. وقد قامت اسرائيل بفرض هذا النظام في العام 1948؛ من أجل أن تسيطر وتطرد الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم بشكل قسري لاحقا، بمن فيهم الفلسطينيون الذين أصبحوا فيما بعد مواطنين في ما بات يعرف باسرائيل، والذين بلغ عددهم في ذلك الوقت قرابة 150,000 فلسطيني. وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس عام 1967، فرضت اسرائيل النظام العنصري نفسه على السكان وللأهداف ذاتها. ولم يكن فرض نظام الاستعمار الاحلالي الذي فرضته اسرائيل في الارض المحتلة عام 1967 مُرتبطا بضرورات عسكرية أو أمنية؛ وانما تعود أصوله موجودة في فكر الحركة الصهيونية ومشروعها منذ البداية.

وفي محاولة لتفادي لفت الانتباه الدولي لعمليات التهجير القسري التي تجري على جانبي الخط الأخضر، ولعدم تكرار مشاهد التهجير الكبرى كما حدث في نكبة عام 1948 ونكسة 1967، تقوم اسرائيل بتهجير الفلسطينيين مستخدمة سياسات تهجير صامتة، والتي من خلالها تعمل على خلق بيئة قهرية تؤدي الى تهجير السكان بأعداد صغير، لكن بشكل مُنتظم. 

تنفيذ الرؤية الاسرائيلية انفاذ للمبدأ الاستعماري "فرق تسد"

يتماشى - للاسف - حصر المؤسسات الفلسطينية (الحكومية والأهلية) لتفويضها وأماكن تدخلاتها في الأرض المحتلة عام 1967 أو داخل الخط الأخضر فقط، مع "التقسيمات القانونية" التي فرضتها اسرائيل على الفلسطينيين اصلا بهدف عزل تلك المناطق عن بعضها البعض.

وقد ذهبت بعض المؤسسات والمنظمات الى ابعد من ذلك، حيث أنها حددت نطاق تدخلاتها على نحو أضيق، ليقتصر تفويضها على الضفة الغربية، أو قطاع غزة، أو مناطق “ج” في الضفة الغربية، أو شرقي القدس. فعندما تحصر المؤسسات المدافعة عن حقوق الانسان اطار عملها في الارض المحتلة عام 1967، فإنها بذلك تؤكد على أن المشكلة او الانتهاكات التي يتصدون لها محصورة فقط في المناطق التي احتلتها اسرائيل عام 1967. في الحقيقة، ان تلك المؤسسات التي حصرت اماكن تدخلاتها وتفويضها في تلك المناطق، قد اتخذت من اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993 المرجعية الاساسية لها، دون مراعاة أن هذه الاتفاقية قد عززت القيود المفروضة على الحركة بين قطاع غزة والضفة الغربية.

في الحقيقة، ومن أجل وضع حلول للسياسات الاسرائيلية، علينا أن ندرك حقيقة أن الوقائع التي نعيشها اليوم ليست نتاجاً لاحتلال عام 1967 أو نتائجاً لاتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993، وانما تعود جذورها الى بداية الاستعمار الصهيوني لفلسطين، ولن نكون قادرين على وضع حلول أو حتى الاقتراب من وضعها دون ان ندرك هذه الوقائع.

ان التقسيمات الجيوسياسية للفلسطينيين بدأت عام 1948، حين قامت اسرائيل بقطع الروابط بين الفلسطينيين وتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني. فجميع الفلسطينيين، بمن فيهم اولئك الذين تمكنوا من البقاء في ما بات يعرف بإسرائيل، قد تأثروا بالنكبة وتشتت شملهم نتيجة لتهجير أقاربهم، أو خسارة منازلهم، أو أراضيهم، أو ممتلكاتهم.

وقد حرصت اسرائيل على الحفاظ على الوضع الناتج عن النكبة من خلال ابقاء الفلسطينيين مشتتين جغرافياً ومنعهم من العودة الى منازلهم؛ بهدف تدمير العلاقات الاجتماعية مع الفلسطينيين وتحديداً اولئك اللذين فرّوا الى الدول العربية. ومع مرور الوقت، ضعفت العلاقات الاجتماعية بين الفلسطينيين بفعل العزل الجغرافي الذي فرضته اسرائيل عبر السنين، مما سهل عملية الانقسام السياسي الفلسطيني الحالي.

ومن ناحية اخرى، تٌعتبر "المصطلحات" عاملاً رئيسياً في السياسة الاستعمارية الكلاسيكية القائمة على مبدأ "فرق تسد"، والتي بدورها أدت الى تقسيمات سياسية جاءت كنتيجة للتجزئة الجغرافية التي عانى ولا زال يعاني منها الفلسطينيون. واكثر ما يثير القلق في هذا الأمر هو أن نستخدم كفلسطينيين المصطلحات واللغة التي خلقتها اسرائيل والتي تستخدمها في خطابها. فعلى سبيل المثال، تُصنف اسرائيل "الدروز" كقومية مختلفة عن القومية العربية، وقد تبنّت المؤسسات الفلسطينية في الداخل المحتل هذه التصنيفات في عملها، حيث أنها تتعامل بشكل مختلف مع "القرى الدرزية” و "البلديات الدرزية"، وذلك لأن اسرائيل تطبق في هذه المجتمعات اطرا قانونية وميزانيات واقسام وزارية مختلفة عن تلك المطبقةى في القرى والبلدات الفلسطينية الاخرى، وبهذا تكون اسرائيل قد دفعت بالفلسطينيين لتبني نهج وخطاب مماثل.

بالإضافة الى ذلك، وضعت اسرائيل تصنيفاً ادارياً منفصلاً للبدو الفلسطينيين في النقب بهدف فصلهم عن باقي الفلسطينيين. ومع الاسف، اصبح الفلسطينيون انفسهم يستخدمون مصطلح "البدو" للإشارة الى "فئة منفصلة" عن النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وذلك بالرغم من أن التهجير الذي يتعرض له "البدو" الفلسطينيون في النقب جزء لا يتجزأ من التهجير الذي تقوم به اسرائيل على جانبي الخط الأخضر.

تطوير رؤية فلسطينية:
من أجل تطوير رؤية فلسطينية شاملة، يتوجب على المؤسسات والأحزاب الفلسطينية أن تسعى الى تخطي الحدود التي تُرسمها السياسات التشريعية السائدة. ذلك يتطلب التعامل مع حقيقة أن النكبة مستمرة كأساس لتطوير وتبني نهج نضالي يتجاوز الحدود المرسومة ويشمل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده في فلسطين الانتدابية وخارجها. يعتبر هذا الفهم أمراً فائق الاهمية في اطار سعي الشعب الفلسطيني الى تحقيق الحرية، والتحرر، ونيل الحقوق الانسانية.   

وفي السياق ذاته، يجب علينا كفلسطينيين أن نكون أكثر حذراً وانتباهاً للغة والمصطلحات التي نستخدمها في توصيفنا وقراءتنا للواقع، فعلى المؤسسات الفلسطينية (الرسمية والأهلية) الساعية الى النضال ومواجهة التهجير القسري ان تقوم ببناء لغة موحدة في مواجهة المشروع الاستعماري الهادف الى الغاء وجود الفلسطينيين. وعليه، علينا وفي اطار السعي لمواجهة الرواية الاسرائيلية ان نتحكم في لغة الخطاب الخاص بنا.

لذلك، فان تحقيق العودة، الذي يشكل المفتاح الاساسي لانفاذ حق الفلسطينيين في تقرير المصير، يقتضي ان يمتلك الافراد حرية تقرير حالتهم السياسية وحرية السعي نحو تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية. كما تشير محكمة العدل الدولية الى حق تقرير المصير كحق يمتلكه الشعب وليس الحكومة وحدها، مما يجعل من حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم متأصلا في القانون الدولي.

 في النهاية، علينا التركيز على عاملي الوقت والمكان في اطار تطوير رؤية فلسطينية شاملة بخطاب فلسطيني جامع. فعامل الوقت يؤكد على أن الوضع القائم اليوم ليس عشوائياً او لحظيا، وانما استكمالا لما حدث في نكبة عام 1948 أو قبلها. بينما يركز العامل المكاني على أن الشعب الفلسطيني في كافة أماكن توجده على جانبي الخط الاخضر معرض لخطر التهجير القسري، فما يحدث في جنين وبيت لحم والقدس، لا يختلف جوهرياً عما يحدث في حيفا ويافا واقرث والنقب، وان هذا وذاك ما هما الا استمرار للنكبة الفلسطينية.