فــي ذكــرى استشهــاد غســان كنفانــي:

فــي ذكــرى استشهــاد غســان كنفانــي:

بقلم: سالــم أبــو هـــواش.

الوعــي مــن صــراع الــذات المتولــد من تجربــة الواقــع: نذالــة العالــم لا زالــت تتجلــى فــي صــور بشعــة يا غســـان!

مرت قبل أيام ذكرى تطاير أشلاء الأديب المفكر والمثقف المنتمي والسياسي المناضل في سماء بيروت، ومثلما ظلت جرائم كثيرة بلا عقاب، كذلك ظلت جريمة اغتيال العبقري الفذ غسان كنفاني، القائد الفلسطيني والمفكر الذي حمل معه جريمة اغتيال طفولته في نكبة عام 1948. ومع صدور هذا العدد من "حق العودة" في ظل تناحر فلسطيني داخلي يستبدل الوطن بالسلطة الذاتية الوهمية التي لا تملك من أمرها رشدا، وفي ظل الجرائم المستمرة والنكبة اليومية المتواصلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، في داخل الوطن وخارجه، من العراق إلى لبنان إلى معبر رفح، لا زال المخصي "أبو الخيزران" يردد: "لماذا لم تقرعوا جدران الخزان"؟ [من رواية رجال في الشمس]، ولكن الصيحات تبتلعها الصحراء، والأحياء ينتظرون دورهم، لأن الموت ليس قضية الميت، بل "قضية الأحياء الباقين المنتظرين دورهم بمرارة ليكونوا درسا صغيرا للعيون الحية" [من قصة موت سرير رقم 12].

لا يزعم كاتب هذه السطور أنه مطلع على لوحات غسان بالزيت ولا على تصاميمه وملصقاته، وخاصة في المرحلة ما بين عامي 1956- 1960 والتي كان فيها غسان كنفاني فنانا تشكيليا؛ لكن غسان كنفاني مثل معجزة بكل معنى الكلمة، فالصبي الصامت المتأمل، كما كان يصفه والده، يجابه النكبة المستمرة بكل ما أوتي من قوة بصيرة، ومن الكدح للحصول على قوت يومه، ودفع رسوم تعليمه، إلى أعظم المبدعين الفلسطينيين الذين عرفهم عصرنا على الإطلاق، ومن مدرس للرسم إلى صحفي بارز، يكتب القصة والرواية والمسرحية وقائد سياسي وفنان تشكيلي ومصمم ملصقات، هل كان يعرف أن حياته ستكون قصيرة إلى هذا الحد، على الأغلب: نعم. لكن يا غسان "كل الرجال تموت، ولكن ليس كل رجل يحيى". موت غسان الفريد مثل تميزه، أصبح قضية الأحياء المنتظرين على الدور ليكونوا درسا صغيرا للعيون الحية، أو لا يذكرهم أحد.

الرجال في الشمس في كل مكان على سطح الكوكب وليس على الحدود العراقية الكويتية فقط، الفلسطيني الذي ضاع وطنه نتيجة لضرورة إنشاء دولة إسرائيل تتويجا لنذالة العالم، تنتابه النزوات وشهوة "السلطة" فيما نذالة العالم تبلغ حدا لتجعل العمى والصمم مطبقين، بحيث لا تصل الصرخات إلى القلوب الرحيمة، ولا تسمع صرخات الأحرار، لا الموت اليومي على معبر رفح، ولا التدمير في مخيمات غزة أو لبنان، ولا المآسي في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين على الحدود السورية-العراقية والسورية الأردنية، عصر مفعم بالنذالة، حتى خيمة "أم سعد" العزة والكرامة باتت واهنة مع نزوات الفلسطيني الذي لا يشعر بالعار ملتصقا به حتى مخ العظم.

أي غسان، كم رددت: أعرف حقك، اصح يا نايم، قم خذ ما لك في هذه الدنيا، إبن جنتك، لا تمت قبل أن تكون ندا. وأن "الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة" [من قصة قرار موجز]. ولكن العجز الروحي والنفسي والعقلي يختلط بالخرافة، ولم يعد هناك فرق كبير بين خيمة وأخرى يا "أم سعد"، وناجي العلي الذي وجدته يرسم على جدران مخيم عين الحلوة لم يعد يرسم عن المتكرشين، ولم يعد حنظلة يشعرنا بالمرارة كل يوم حتى نغير طعم مرارة الواقع اليومي في حلوقنا. وعاد محمود درويش الذي كشفت عنه آنذاك في فلسطين المحتلة عام 1948، ليقول للفلسطيني: من أنت؟ أنت غيرك! وليسأل: إلى ماذا ننتسب؟ وأين اذهب؟ بعد أن كان يغني "وطني ليس حقيبة .. وأنا لست مسافر". والعاشق لا زال على جواده، لكنه عرف المزيد من الأعداء ومن نذالة العالم. و"عبد العاطي" عاد ليطل برأسه ويلعب في الرؤوس والنفوس. والعائد إلى حيفا لم يعد يستطيع الوصول إليها للزيارة، رغم أن الوطن كله تحت سيادة "دوف"، ونذالة العالم لا تزال ترعى العنصرية والعقد النفسية والوسواس الصهيوني، ولا زال الفلسطيني يحمل نكبته المتواصلة في تراجيديا جماعية متقنة الإنتاج، ولكنها لم تعد تثير تعاطفا مع أبطالها. فمنذ رحيلك يتكرر المشهد التراجيدي، وينضاف المزيد من الأبطال المأساويين، وقد أصبحنا حالة إعلامية خاصة، لا يتم ذكرنا إلا عندما نموت جماعيا أو بصورة درامية تحتوي على مشاهدة مثيرة وغير متكررة.

قصة غسان كنفاني، هي قصة المأساة الفلسطينية، وفنه وأدبه وقلمه يجسد الرواية الفلسطينية، يتولد الوعي لديه من الذات المتجاوبة والنشطة في الحياة، ومن الصراع الداخلي في نفس ووجدان أبطال غسان كنفاني يتولد الوعي، وقد سارت الرواية الفلسطينية مع غسان كنفاني في عدة مراحل، من وعي المشكلة وفهم الأزمة إلى العمل على تجاوزها، لم يرى غسان في قيام إسرائيل نزوة عابرة، بل كضرورة تاريخية أملتها كل العوامل الداخلية والخارجية وتتويج لنذالة العالم الاستعماري ضد شعب فلاحي بسيط، من هنا فهم غسان كنفاني الفرق بين الأفعال وردود الأفعال، بين "طق طق الأعراس" وبين السياسة والوعي. ولكن الرواية الفلسطينية الكاملة لم تكتمل بعد، بل ما زالت محاصرة بقوة الرواية الصهيونية المدعومة من "نذالة" العالم، وهي لم تكتمل بعد شأن "العاشق"، الأعمى والأطرش" و"برقوق نيسان". ولا زالت ارض البرتقال الحزين تئن تحت وطأة البساطير  وجنازير الدبابات والجرافات، ولا زال الجو مشبعا بالرائحة العطنة، مرة آتية من الغرب وأخرى من الشرق، بل يصعب تحديد مصادرها، خاصة أنصار "عبد العاطي" حملوا الفؤوس والدبابيس للدفاع عن خرافتهم وشماعة أسرارهم وجرائمهم.

كنا نعلم من كتابات غسان أن الحياة مزيج متقلب من الظلمات والنور، من ظلمات النفس إلى نور العقل، ومن غياهب الخرافة والجهل إلى حقائق الواقع والوعي، ومن الوهن والضعف إلى القوة والعمل، لكن في  "عصرنا" الراهن؛ لم يعد الوعي وعيا، ولا الجهل جهلا، ولا "حتى الخيانة ميتة حقيرة". ولا زالت سياسة التهجير "والترانسفير" الداخلي والخارجي، وصناعة الموت هي بضاعة أهل النذالة في العالم؛ في المخيمات، لم تعد "أم سعد" تهلل لخيمة الفدائيين، بل باتت  توزع الحلوى في كل مناسبة يسقط فيها بطل تراجيدي جديد، وما زال "أبا الخيزران" يهتف في الصحراء، وصوته يرتد إليه من بعيد، وما زالت "صفية" تتوق إلى العودة إلى حيفا.

أي غسان! قلت مرارا وما بين كل السطور أن لكل جريمة عقاب، أضعنا الوطن، والعقاب أن لا نجد شيئا ننتمي إليه، أو أن العقاب يكون بأن نتخيل أننا ننتسب إلى شيء ما، لنكتشف أن الوطن يعاقبنا من جديد بكشف إنتسابنا الزائف، ولندفع الثمن مرة أخرى، في سلسلة غير منتهية من الجريمة والعقاب عليها.

إذا كان هذا شأننا نحن الضعفاء، فهل  يلقى الأقوياء من أهل النذالة في العالم عقابهم، أم أننا يجب أن نعاقب أيضا على عدم قدرتنا على إخضاعهم للعدالة؟ وهل فعلا لكل جريمة عقاب، أم أن "الجرذ القوي يتغذى على الجرذ الضعيف"، وأن الحقيقة هي أنه ليس تمثال الحرية بمشعله وميزان عدالته المزيف، بل قوة السيف والرغيف،  هما اللذان يمثلان قوة أهل النذالة في العالم.

أي غسان! إن كان والدك قد فقد أرضه وثروته رغما عن انفه، لكنه لم يفقد فضائله ولا قيمه؛ ولكن، مع كل أسف، ليس الكل كذلك! وليس الكل غير ذلك أيضا.

_________________
سالم أبو هواش ناشط سياسي وحقوقي في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. شغل أبو هواش سابقا منسب رئيس مجلس إدارة بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين.