مضني الشوق إليها – فكان اللقاء*

بقلم عيسى العزة **

ذهبت الى "تل الصافي" في زيارة، من أجل حضور جنازة لأحد أبناء عمومتي، وبتصريح إسرائيلي... ولساعات معدودة ... فكان اللقاء.

تل الصافي قرية من قرى فلسطين المدمرة والمهجرة عام 1948م، تقع الى الغرب من "مسمية الحوراني" والى الجنوب من الرملة والى الشرق من عجور... وتبعد 50 ميلاً عن مدينة بيت لحم الى الغرب، و50 ميلاً عن مدينة يافا عروس البحر الى الشرق، وهي من قرى قضاء الخليل.

الشهر تشرين الأول من عام 2004م ... السيارة تتحرك ببطء وذعر وتثاقل ... تتجه من بيت لحم الى الغرب ... الى حاجز –حوسان- الإسرائيلي ليسمح لنا بعبور الخط "الأخضر !!" لدخول الوطن فلسطين.

على اليمين واليسار من الشارع الرئيسي، وليس على اليمين الإسرائيلي أو اليسار الفلسطيني ... كانت تمر بنا خائفة جائفة جافلة قرى- رأس ابو عمار – بيت عطاب – علار – القبو – بيت نتيف – وغيرها ... كان الصدر مقبوضاً، كان الفكر شارداً.

 على اليمين واليسار غابات من السرو والصنوبر، وأشجار التين والزيتون والعنب والبلوط والخروب، وحقول ممتدة من الشجر المثمر ... تتداخل الفصول ...

وننحدر على كتف الجبل الى سفوح وادي الصنع، الى أحضان بيت نتيف ... الصمت ... وصوت محرك السيارة ... ولون السماء والأرض والشجر والحجر ... ورائحة بكرٌ حالمةُ ... وأنا الحائر العاثر ... كحفنة تراب ... وحبات  دوم ... وثمرات جميز ... وسعف نخل أو نثل ... وعروق زحيف ... أو حزم حطب سويد، ينثرها الغياب ... والشوق والحنين والعذاب فوق سهول فلسطين وجبالها من الشمال الى الجنوب ... ومن البحر الى النهر.

بيت نتيف ... ديرابان ... دير الجمال ... وتتجه السيارة شمالاً وتترك بيت جبرين الى الجنوب والغرب ... ولا نصل الى زكريا ونتجه غرباً ... الى عجور ... ومغلس .... وصرفند ... وعمورية ... والبريج ... والبرية ... ولا نصل الرملة ونتجه جنوباً في طريق فرعي ونعبر عددا من الكيبوتسات ... ونصل الى ... الى ... قريتي ... تل الصافي ... حيث مواطئ عمرو بن العاص في معركة أجنادين من فتوح فلسطين.

من حضر من الأهل والأصدقاء والمشيعون ينتظر ... ويوارى الجثمان التراب ... وانصرف عن المقابر الى مقابر اخرى لا تسكن الا في صدري كلاجئ...

طلبت من أحدهم أن يأخذني الى بيتي المهدم  في قريتي حيث مسقط رأسي ... وطاوعني بعد إلحاح ... وصلت بيتي وبرفقتي أحد أقاربي ... أخ وإبن عم وصديق ... أخذت استعيد معالم البيت من جديد وعرفته من نخلة تنتصب في ساحة الدار "ومطمورة" مدفونة الى جانبها ... وبعض الحجارة المتناثرة هنا وهناك...

جئت الى قريتي أكثر من مرة بعد 1967م ... وأعود اليوم اليها بعد غياب أكثر من خمس سنين ... وأعود اليوم وكأنني أراها للمرة الأولى ... ما أجمل ... وما أروع ... وما أبهى ... وما أقدس ... أعود – والمفردة هنا خارجة عن مفردات حق العودة – وكأن الارض علمت بقدومي ... أو كأنها في عيد أو كرنفال ... الأرض تتنفس ... الأرض تهمس ... الأرض تتزين ... الأرض تسحر ... الأرض تفتن ... الأرض تجرح ... الأرض تقتل ... الأرض تبوح ... الأرض تحتفل  - تستقبل – تشكو – تعاتب تبكي وتنوح.

أردت أن أبحث عن شيء ... أردت أن أركض وأنا على أبواب السبعين ... الأرض تاخذني ... أحاول أن أطير ... أفقد الإتجاه ... أبحث عن حقل ... عن كرم شجرة رمان أو تين أو مشمش... كنت أجلس تحت ظلالها وأنا ابن إثني عشر عاماً ... ضاع الحقل ... وقلع الشجر .. وسقط الثمر ... وبقي الحجر ... ولون السماء ... والنفس المتصاعد من بطن الأرض عند حراثتها ... لا زالت الارض بكراً عذراء ... ولا زالت لغة الأرض لم تلوث ولم تهجن...
 
آه – لو تعلمون وتشمون رائحة الأرض عند الولادة ... آه – لو تستنشقون رائحة الزحيف والمرمية والنعناع والزعتر في سفح تلة أو قمة جبل أو حضن واد ... آه – لو تسمعون ما تقولة الشمس عند الشروق والغروب ... للشجر والحجر والطير ...

يا الله – من ترك هذه الجنان المغلقة؟ من هان؟ ومن دان؟ ومن سمسر؟ ومن باع؟ ومن هو الذي ما زال يعرض ترابك يا فلسطين وعظامكم أيها الأجداد في سوق النخاسة ... وفي المزاد العلني المكشوف والمفضوح؟ حقي أن أكون هنا ... أن أعود الى هنا ... أن أبقى هنا.
 
أشفق علي أخي أبو مازن ... وكان ينتظر ويراقب ويشعر مثلي بالغثيان... وانتشلني من حالة الضياع وأعادني الى بيت العزاء ... لنعود معاً الى المخيم في مدينة بيت لحم عند المساء ... ومدة التصريح الإسرائيلي قاربت على الانتهاء ...

وأنا اليوم هنا في بيت لحم – فأنا هناك في قريتي وأرضي بتل الصافي ...

أنا هنا في بيت لحم وهي مدينة عربية فلسطينية ... وأنا لاجئ عربي فلسطيني ... ولكن ارضي وكرامتي وهويتي هناك في قريتي في فلسطين وعلى ثرى وطني في فلسطين.

*هذه الخاطرة مقتبسة من يدوان الشاعر الذي صدر مؤخرا بعنوان: تعلم كيف تنتصر.
------------------------------------

**عيسى العزة: لاجئ فلسطيني من قرية تل الصافي، شاعر وعضو مجلس وطني، مربٍّ لاجيال تعلمت سرّ النضال والتمسك بالحقوق.