التجزئة الجغرافية واثرها على وحدة الشعب الفلسطيني

التجزئة الجغرافية واثرها على وحدة الشعب الفلسطيني
بقلم: جمانة أشقر*
 
 أثرت الاضطرابات السياسية والظروف المعيشية التي خلقها المشروع الصهيوني في فلسطين على تكوين الهوية الفلسطينية، حيث أدت سياسات هذا المشروع الى تشتيت الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني، مما ادى في المحصلة النهائية لتكوّن هوية فلسطينية مُركّبة اكتَسبَت ميّزاتها كونها خليط بين هويات مُتعلّقة بالظروف السياسية التي فرضها الاحتلال ومتقاطعة ما بين الهوية القومية، والحيز الجغرافي والدين.*
ويتناول هذا المقال واقع التجزئة الجغرافية لفلسطين، واثرها على الهوية الفلسطينية الواحدة، وعلى تكون الوعي السياسي لدى الفرد الفلسطيني. ومن اجل مناقشة هذه العوامل، يجدر بنا ان نتناول الاحداث المفصليّة التي شكلت وعي الانسان الفلسطيني لهويته وتلك التي ساهمت في تكوين هويته الوطنية، والقومية، والاجتماعية والثقافية المختلفة.

وتظهر نكبة عام 1948 كأكبر الأحداث المفصلية تأثيرا على هوية وحياة الشعب الفلسطيني، حيث تسببت تلك النكبة، ولا زالت، بتهجير أغلبية السكان الاصليين للارض وخلق توزيع ديموغرافي وجغرافي مُختلف. وقد تبِع النّكبة تحولات تاريخية مستمرة حتى يومنا هذا، فقد تطوّرت الهوية الفلسطينية عبر ثلاث مراحل اساسية خلال الفترات ما بين 1948-1967 و 1967 – 1993  ومرحلة ما بعد اتفاق أوسلو وما تبعها من صراعات داخلية رسمت واقعا جديداً للفلسطينيين في كل مكان.
وقد سيطرت الهوية القومية العربية على الضفة الغربية وقطاع غزة في المرحلة التي تلت النكبة، بينما سادت الهوية الإسرائيلية (على نطاق محدود جدا) أو العربية الإسرائيلية بين الفلسطينيين في مناطق ال48، ثم الهوية القومية العربية.
وفي مرحلة 1967 - 1993، بين احداث النكسة واتفاقية اوسلو، أخذت الهوية الوطنية الفلسطينية تنمو وتتعزز بالتدريج، حتى أصبحت هي الهوية المُسيطرة بين الفلسطينيين في الضفة والقطاع وبينهم في مناطق ال48.


وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، حافظت الهوية الفلسطينية على قوتها في الضفة والقطاع، لكنها فقدت جزءاً من هيمنتها بسبب تعزز وبروز الهويات التقليدية، وخصوصاً الهويتين الدينية والعشائرية. أمّا بين الفلسطينيين في مناطق ال48، فقد تعززت الهويات التقليدية الدينية، المحلية والحمائلية على حساب الهوية الفلسطينية، مع أنها بقيت أقوى بكثير من الهوية الإسرائيلية.**

وتظهر سياسة التدجين في المشروع الصهيوني الاستعماري بشكل واضح، حيث يهدف المشروع الصهيوني الى فرض السيطرة والهيمنة على الشعب الفلسطيني، بالتوازي مع سياسات الترحيل ومصادرة الاراضي. فمنذ احتلال ارض فلسطين تحاول المنظومة الصهيونية تكريس واقع التجزئة، حيث فتّتَتْ وقطّعت اواصل الشعب الفلسطيني جغرافياً ونفسياً وخلقت حالة من التشرذم. وقد ادى ذلك الى خلق بُعد اجتماعي، وثقافي، وقومي انعكس على التعامل مع الاحداث والمحطات التاريخية بشكل مختلف، حيث تبلوَرَ توجّه وتصوّر مختلف لتعريف الفلسطيني لهويته، وتشكّلَ وعي قومي ووطني لدى الفلسطينيين تبعاً لاماكن تواجدهم الجغرافي.

إن حقيقة تكوّن الهوية الفلسطينية عبر الضدية المباشرة مع المشروع الصهيوني وتبلوُر الهوية الفلسطينية من فوهة التحديات المصيرية، والتعرض على مر عقود للاقتلاع وفقدان الأرض والتشتت، خلقت واقع لشعب تجمعه اللغة والارض والهوية الوطنية والقومية الواحدة بالصورة الكبيرة. لكن تفصله حواجز عسكرية واخرى نفسية نتاجاً لسياسات فرّق تسد التي انتهجتها الاذرع الاسرائيلية في كل بقعة في فلسطين التاريخية، مما ادّى لتشرذم الهوية الواحدة وخلق تعريفات مختلفة تبعاً للحيز الجغرافي.

وينعكس هذا الواقع الاستعماري المتمثل بالحواجز والتقسيم الجغرافي الذي فرضه الاحتلال على تعريف الفلسطيني لهويته، فقد تطورت حواجز نفسية ومجموعات مختلفة مشتتة الهوية تقبع لهيمنة الافكار النمطية ولسياسات اقصاء الآخر المختلفة. فبات الصراع القائم هو صراع بين المجموعات المختلفة والتي تشكل اختلافها من اختلاف المنطقة والخصوصية التي تشكلت لكل مجموعة وميزتها عن الاخرى، الأمر الذي ادى الى المزيد من الصراعات والتحولات بتعريف الهوية تبعاً للمكان والزمان وخلق تسميات واشكال جديدة للهوية الفلسطينية الواحدة ابرزها "عرب ال 48، فلسطينيو ال67، الغزازوة اللاجئون، المهجرون" وغيرها من التسميات.
 
 ورُغم استمرار محاولات استهداف الهوية الوطنية الفلسطينية، كان بالمقابل هناك دائماً محاولات تستمر حتى يومنا هذا تعمل على مقاومة هذه التجزئة وتعسعى لفرض واقع جديد يساهم في تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية الجمعية والوعي المتجدّد، وذلك لضرورة التحرر من سياسات التدجين والتفكيك. كما أن هناك اهمية لمأسسة مشاريع تصدّي تنسجم مع المرحلة ومتطلبات التحرر لإعادة بناء الهوية الفلسطينية الواحدة والمساهمة في ثبات الفلسطينيين أمام محاولات استهداف هويتهم الوطنية الفلسطينية.

ان الشعب الفلسطيني أحوج ما يكون للحفاظ على هويته الوطنية، كونها المستهدفة الاولى من العدو الاستيطاني والذي يبنى وجوده ويعززه بناء على ادّعائه الاول "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". ويعمل باستمرار على اقتلاع الشعب من ارضه ومن دوائر انتمائه الاولى والمساس بمكونات الهوية الجامعة له، لذلك يصبح في السياق الفلسطيني التأكيد على الهوية الوطنية ضرورة نضالية لتأكيد وجوده والحفاظ على موروثاته والصمود والنضال في مواجهة الاحتلال.

وعليه، ومن أجل مواجهة سياسات الاحتلال في شرذمة الهوية الوطنية الفلسطينية، يتوجب علينا بناء مشروع وطني شامل متكامل وتطوير ابحاث نقدية لخلق وعي سياسي عابر للحدود يتحدّى خطاب المواطنة، ويتحدى الخلل والإخفاقات في السياسات الفلسطينية.

كما يجب أن يتحول المشروع الوطني الفلسطيني لحقيقة ملموسة وليس فقط فكرة، والانتقال من النظرية الى التطبيق عبر مقاومة محاولات التفكيك المستمرة واحتواء المقومات الاساسية للهوية الوطنية، والسعي نحو المُشترك والجامع لكافة اطياف الشعب الفلسطيني وبلورة رؤية مُشتركة، واضحة ومُمأسسة مُعايشة لحالة التشرذم والتفكك في العلاقة بين الفلسطينيين في الوطن والشتات لإنتاج عنوان جامع للفلسطينيين، ببرنامج وميثاق ومؤسسات تعمل على تكريس وحدة الفلسطينيين كشعب موحد ومُلتحم امام منظومة الاحتلال.

وتعتبر مبادرة "متحركين لأجل فلسطين"، وهي جسم أطلقه مجموعة من الشباب الفلسطيني ايماناً بحقهم في التواصل الجغرافي والمعنوي، نموذجاً مهماً على سُبل مواجهة شرذمة الهوية الفلسطينية وتشتتها. كما أنها مبادرة مهمة تعمل على تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وبناء الهوية الفلسطينية الجمعية الواحدة من خلال إحداث التغيير والتأثير تجاه حق الفلسطينيين المسلوب بالحركة والتنقل.

وترفض المجموعة  الواقع المرير الذي فرضه الاستعمار الصهيوني على ارض فلسطين المتمثل بسحق الهُوية الجمعية الوطنية، وسلخ افراد الشعب عن بعضهم بعضا عن بعضنا البعض. لذلك يعملون منذ عدة سنوات على بناء جسم موحد للفلسطينيين في كل مكان، وفرض خطاب  رافض لكل سياسات التفرقة والتجزئة المتبعة من قبل منظومة الاحتلال الاسرائيلي.

وقد نشأت مجموعة "متحركين" عام 2014 ضمن برنامج " شباب من أجل التغيير" بالشراكة مع جمعية الشباب العرب - بلدنا، مؤسسة الرؤيا الفلسطينية، الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية وهيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية - (الكويكرز) في غزة.

خلاصة القول؛ لا يزال الاحتلال يسعى بكل طاقاته وقوته ويصب مجهوداً مستمراً لطمس هوية الشعب الفلسطيني، وتجزئته وخلق تاريخ جديد على حساب الآخر. لذلك فهنالك ضرورة ملحة لدعم المشاريع المشابهة لجيل الشباب ولكل اطياف الشعب الفلسطيني، بتطوير مشروع تصدّي يجمع مؤسسات المجتمع المدني وجميع الاجسام الفاعلة في المجتمع الفلسطيني لإحياء الموروث الثقافي الفلسطيني، وتعزيز الهوية الفلسطينية والعربية والحفاظ عليها بالذات لدى الاجيال الناشئة التي ستقود المجتمع وتحمل رسالة الجيل الاول والثاني للنكبة .
 
____________________________________________________________________________
* ميعاري، محمود (1992). " تطور الهوية السياسية للفلسطينيين في إسرائيل". "مجلة العلوم الاجتماعية"، "كتاب الإحصاء السنوي لإسرائيل" .مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي .
** أباهر السقا(2013). الهوية الاجتماعية الفلسطينية. تمثلاتها المتشظية وتداخالتها المتعددة. في التجمعات الفلسطينية وتمثيلاتها ومستقبل القضية الفلسطينية: المحور الأول الفلسطينيون والهوية وتمثلاتها. المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية .
 
*جمانة اشقر: مركزة مشاريع في جمعية الشباب العرب بلدنا