إلــى غســان...

بقلم:ساميــة قزمــوز بكـــري

ســلامٌ مــن بيتـــك الواقــف أمــام البحــر

بيتك غسان يستوقفني، لا أدري ما الذي ينتابني كلما مررت به. أمثل دون حراك وكأنني أراه لأول مرة. ما الذي يفعله بي بيتك؟ ما الذي تفعله بي حجارته بصوتها الصامت؟ لماذا تظل فاغرة فاها في تساؤل ينز ذكرى؟
أجلس الآن على صخرة أمام بيتك... الحيطان مشققة كشرخ في القلب... تكاد تسقط الحيطان... كم أخشى عليها... أريد أن ألملم كل حجر فيها... أسمع أصواتاً تنبعث أنيناً من جزيئات حجارة عطشى... هي سكنى ماضٍ قريب... الشرفات المطلة على شاطئ مدينتي الساكنة، تحدث عن توق أهله للشمس... عن جلسات سمر.. عن أيام عمر... عنك عن الأب والأم والأخوة... شيء ما في ضلوعها يستنفرني أن أدخله.. أن أحسه.
 

 
يترامى إلى سمعي صوت النورس... وقد تجمع أسراباً أمام ناظري على صخور "النيل" (ما يطلقه أهل عكا على المنطقة العميقة من بحرهم)... أبيض كسجاد غيم نقي... أبيض بلون الراية التي حملها أضطراراً وجهاء مدينتي بمسيرة سلمية إلى مركز الشرطة.. للتسليم... منعاُ للمجهول المرعب الذي تهامس به الجميع خاصة الآباء والأمهات، بعد أن سقط آخر مناضل على سورها العتيق.

أما أهل مدينتي الطيبون فيحدثون بأن آخر المناضلين ظل يقاوم وحده دفاعاً عن المدينة اليتيمة ومن على برج المراقبة (فوق مركز الشرطة) كاشفاً الجنود القادمين باتجاه تل الفخار لاحتلال البلد.. ووحده مغطياً انسحاب المناضلين (الذين فرغت أسلحتهم من الذخيرة) عن طريق البحر.. وانه – كما يصفون- قاوم مقاومة الأبطال.. وأنهم شاهدوا جثمانه الطاهر بأم أعينهم يتهادى كريشة طائر- وقد رمى به أحد الجنود من عل- حتى عانق الأرض بهدوء وسلام.. أمي تقول بأن الملائكة حملته (يا يما) لأنه شهيد حبيب الله.. والبعض الآخر يدعي أن ضابطهم منع الجندي الذي هم بإلقائه من فعلته، بل وخلع قبعته العسكرية إحتراماً.. فقد الحق بجنوده خسائر فادحه بالأرواح والمعدات حتى ظن أن هناك كتيبة كاملة تقاوم على البرج... ووافق الجميع في البلد أن البحر يومها صلى عليه- على أحمد شكري- صلاة الجنازة ورددت المدينة الثاكل همهمات البحر.

أعود إلى البياض الذي غيبني للحظات... والى بيتك الرابض بصمت.. أتذكر طيور النورس البيضاء منزرعة بالمئات على الصخور... أتذكر هذا المنظر الإلهي يا غسان...!!! لا بد أنه انطبع في ذاكرتك الطفلة... فالنوارس تصطف عادة أمام شرفتكم الغربية... قرب "جورة البطلان" لم يستطيعوا محو اسمها. وان فعلوا هل يمكن محو الذاكرة!! .. نعم غيروا الكثير ويغيرون... ينتزعونها منك وهي بين يديك.. وأنت حي ترزق وعينيك "تطلع".. انتزعوها مرتين.. باعوا الخانين (خان العمدان وخان الشوادرة) والميناء..و.. و.. أما "وقف" الجزار فقد باعته لجنة مؤمنة مسؤولة عنا!!

غربوك في بلدك يا غسان..

ويبقى البحر.. ما زال كما تركته... عميقاً.. بزرقته الداكنة.. وقبة السماء تمس أفقه الدهش... وسوره العتيق ما زال واقفاً لها طعم خاص.. لم أجدها في أي مكان آخر.. كهذا البحر الغامض لم أجد...

بلى... تغير بعض منه... فقد سيطر أحدهم على جزء من البحر هل تصدق.. "شط العرب" وسيجه.. أصبحنا "نحن أهل البحر" غرباء عنه... بعدما ملكناه أطفالا.. برماله وأصدافه.. والباخرة الغارقة نتسلق عليها... وذهب شمسه يلفح بشرتنا السمراء.. ناسين أنفسنا والوقت في ملاحقة السلاطعين والأسماك الصغيرة الملونة، بصفائح المياه المملوءة بفتات الخبز المسروق من الدار، والمغطاة بشاشة بيضاء مثقوبة، والتي رغم ثقلها لم تحد من حركتنا وشيطنتنا..

مؤكد انك كنت صياداً صغيراً كأطفال مدينتي..

حدثتني أمي عن هذا الشط، وقصته مع نساء المدينة قائلة: بأربعة أيوب (وهو يوم إربعاء معين من أيام السنة تغسل به النساء وجوههن تيمناً بستنا مريم بنت عمران).. كانت أمي الله يرحمها تقول: "يا الله يا بنات قوموا قبل ما تطلع الشمس.. اليوم أربعة أيوب..قوموا.. يا الله أي..)

وتذكر لي أمي أن الرجال الجالسين في المقاهي لاحتساء قهوة الفجر مع (البحرية) كانوا يتسائلون بصوت جهوري تسمعه الصبايا العائدات من شط العرب بعد تناول (الترويقة) هناك: شو يابا .. شو في اليوم.. طير غريب في الحي؟" وتضيف: خالاتك كانوا ييجوا من حيفا خصوصي عشان اربعة أيوب.. وكانوا حلوات.."

يرد: ليوه... ليوه شباك (جملة بحرية عكا).. قال أربعة أيوب يا عيني... بيغسلوا وجهن أحسن ما الوجه يذوب.. ويضحك الرجال جميعاً، فيزداد تمايل الصبايا "بالملاءة " الشفافة السوداء التي تحجب جمال وجوهن.

واملا رئتي بهواء البحر وأنا أنقل ما بين قبة سيدي عز الدين المنسية وبيتك... وتشدني عتبات ثلاث لأحد المداخل.. فالباب الذي توصل أليه هذه العتبات الرخامية موصد بالأسمنت... كذلك الشبابيك.. أي "لا دخول" "انتهى المكان".. "ماتت حياة أناس هنا" يضج رأسي بعاصفة من المعاني.. توقظني منها قطعة من الزجاج الملون علقت بإحدى النوافذ في الطابق العلوي.. تلهث عن ذوق رفيع وحضارة.. وبلمح البصر ينقلب إطار النافذة الخشبي المحفور الى بيت آخر.. كان في مدينتي.. نفس الخشب المحفور.. نفس الإطار...!!

أذكر ذلك اليوم.. قبل سنوات بضع.. كنت عائدة من مكان عملي في الشارع المحاذي لشاطئ الغربة" واذا بي لا أجد البيت الحجري الكبير.. صعقت.. شعرت باختناق... لقد هدموه .. محوه وقفت أمام الجرافات تائهة مهدودة.. كانت قد أنهت عملها القاسي ولم يبق من بيت الشيخ أسعد الشقيري سوى بعض قطع محطمة من أعمدة الرخام الجميلة.. كان العمال ينظفون المكان... وكأنه ما كان.. حزن مرير عصرني.. أكاد أستشعره الآن.. كأنه حدث البارحة.. لقد أقتلعوا مرتعاً لطفولتي... شرفة هذا البيت.. ذلك البيت.. أمام البحر كانت مجلسنا.. لطالما رمقنا المغيب ونحن نقضم بذر البطيخ والمحمص، والساعات تمر دون أن ندري، نلعب "الغميضة" متخذين من أشجاره اليافعة مخابئ لنا.. نطل عبر ثقوب الأبواب المقفلة أعواماً فتعترينا رعشة الغياب.. الأثاث جميل مغطى بالغبار.. لماذا؟ أين صاحبه؟! نتسائل ببراءة الأطفال.. القبر الكبير داخل غرفة أذهلنا وشجرة زنزلخت قربه شقت السقف وخرجت منه قبر رخامي محفور على شاهد قصيدة ضم رفات أجداد العائلة... أين هاتيك الشجرات!! شجرة الاكدنيا التي طالما سطونا على ثمرها اللذيذ.. شجرات البرتقال... والورود الفواحه بشذا لن أنساه.. البركة الرخامية وسط البستان جرفوها هي أيضاً.. لقد جرفوا كل شيء حتى القبر الكبير.. أذكر أنهم جمعوا عظام الموتى ووضعوها في صندوق سلموه لقاضي البلد ليسلمها بدوره إلى الأهل في نابلس ومنها.. الى .. لا ادري أين.. ووريت ثانية.. تشريد ما بعد  الموت.

حدث هذا على سمع وبصر البحر.. بحر هذه المدينة رأى الكثير الكثير... بالأمس شاهد أهلها يمرون على سطح أمواجه مودعين.. وأمامه صرخت المرأة اللهيف "الهاجة" من حيفا مع من هجوا بالزحّافات، معلنة ثكلها بلمسها فجأة وسادة بدل رضيعها في حضنها.. ما زال البحر يردد رجه توسلاتها..

أما البيوت الحجرية فما زالت واقفة مكانها، باقية يا غسان... تضخ بصمت حياة ماضية، أب ما زال يسمي البيوت بأسماء أصحابها:

دار أسمى الطوبي.. ودار خليفة.. ودار توفيق حقي.. ودار قميش.. ودار.. يسمي ولا ينسى أبداً في كل مرة أن يذكر دار "شبل" التي هم صاحبها بالانتقال إليها بعد أن أنهى عمارها ووقعت النكبة.. فلم يدخلها.. ثم ينهي حديثه لي دائماً بهذه الجملة "عكا يابا كانت... كانت ملانة.. ناسها راحوا كلهم.. فضيت البلد.. وأنظر في عينيه.. هاتان العينان رأتا ما كان.. فهو.. فهو يعيش زمنين: زمن الذكريات المعاشة وهذا الزمن.. وأنا كذلك.. ولكن الذكريات لدي هي الصور المحكية وشتان ما بين الاثنين.

بعثت سعيداً وصفية إلى حيفا للبحث عن خلدون.. (ومنهم من يرفض دخول المدينة، كصديقتي التي لا تريد أن ترى بيتها أبداً).

عدت لمدينتك يا غسان، أحس بروحك هنا ترفرف فوق النورس شفافة.. فقد قلت يوما "النخلات في مدخل المدينة، تنفض عن سعفها الكسولة المسترخية نوم ليلة الأمس".. يوم كنت طفلاً ما بعثت النخلات أنيناً مع إطلاله كل فجر..

سلامٌ من بيتك آل ما زال واقفاً أمام البحر...

 ________________

سامية قزموز بكري هي فنانة وكاتبة فلسطينية تقيم في مدينة عكا. للفنانة العديد من المسرحيات والأعمال الدرامية ومن أشهرها مونودراما "الزاروب"، والتي كانت فاتحة أعمال مسرح تل الفخار الذي أسسته الفنانة سامية قزموز- بكري في مدينة عكا في العام 1992. تم تكريمها من قبل وزارة الثقافة التونسية خلال دورة مهرجان قرطاج المسرحي لعام 2003.