ما هو المطلوب لإعادة حضور قضية اللاجئين على أجندة القيادة الفلسطينية؟

الدورة ٢٧ للمجلس المركزي الفلسطيني، رام الله، آذار) .2015 المصدر وكالة معاً الإخبارية) الدورة ٢٧ للمجلس المركزي الفلسطيني، رام الله، آذار) .2015 المصدر وكالة معاً الإخبارية)

 بقلم: هاني المصري*
 
من أجل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التوقف أمام طبيعة المسألة/المشكلة التي نواجهها، وهل هي مجرد إعادة وضع قضية اللاجئين على الأجندة، أم أكبر من ذلك بكثير؟ إنها تتعلق بتعامل خاطئ كليًا معها، وتغيّر النظر إليها من قضية حق يستوجب الكفاح لتحقيقه بجميع الوسائل السياسية والقانونية والأخلاقية والكفاحية على أن يكون التفاوض عندما يحين وقت التفاوض لتطبيق الحق، وبين وضع هذا الحق غير القابل للتفاوض إلى قضية متفاوض عليها. وظهر ذلك جليًا بالموافقة على ما جاء في "مبادرة السلام العربية" التي تحدثت عن حل متفق عليه لقضية اللاجئين، وهذا يعني وضعها تحت رحمة إسرائيل التي لا ترحم، ولكن ما زاد الطين بلة الموافقة الفلسطينية قبل ذلك على "معايير كلينتون" لحل قضية اللاجئين، التي تضمنت التعويض، وعودة جزء منهم إلى الدولة الفلسطينية العتيدة، والتوطين، وتهجيرهم إلى دولة ثالثة، وعودة عدد رمزي إلى فلسطين 48 ضمن "لم الشمل"، أي وفقًا للقانون الإسرائيلي الذي يسمح بعودة بعض اللاجئين الذين لهم أقرباء من الدرجة الأولى كما حصل سابقًا حين حصلت أعداد قليلة على "لم الشمل".

ما سبق جعل الحد الأقصى الذي باتت القيادة الفلسطينية تطمح لتحقيقه هو زيادة العدد للذين يمكن أن يشملهم "لم الشمل"، وتم تداول أعداد الذين يمكن السماح بعودتهم منذ قمة "كامب ديفيد" العام 2000 ومباحثات طابا العام 2001 إلى المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي جرت طوال العام 2008 إبان حكومة إيهود أولمرت القابع حاليًا في السجن، والتي تراوحت من عودة 5000 لاجئ ضمن لم الشمل إلى 150 ألفًا، على أن تتم "عودتهم" في كل الأحوال خلال عشر سنين أو أكثر، بحيث "يعود"كل عام 500 لاجئ أو عدة آلاف في أحسن تقدير. وهذا كان مجرد احتمال ضعيف يمكن الاتفاق علية فيما مضى.

وصرحت تسيبي ليفني ،التي تقف الآن على يسار الليكود الذي كانت تنتمي إليه عندما كانت وزيرة الخارجية في حكومة أولمرت، بأن ما يعرضه أولمرت لن يمر في إسرائيل (طبعًا رغم أنه ينتقص كثيرًا من الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وأعلنت معارضتها لعودة ولو لاجئ واحد.

هذا طبعًا في زمن كانت هناك عملية تسمى "عملية سلام" وهي كانت في الحقيقة عملية بلا سلام، وخاصة في السنوات الأخيرة بعد أن وطّد اليمين الإسرائيلي سيطرته على كل مصادر القوة والحكم، وبات التيار المركزي في إسرائيل، وهو الذي قام بقبر فكرة إقامة دولة فلسطينية عبر مصادرة الأراضي وتهويدها واستيطانها، والإعلان عن خطة لزيادة أعداد المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة خلال سنوات قليلة لتصل إلى مليون مستوطن، إضافة إلى إحيائه خطة إقامة "إسرائيل الكبرى"، وإزالة ما يسمى "الخط الأخضر"، وعمله على ضم الضفة الغربية مرة واحدة أو على مراحل، من خلال العمل على تبادل الأراضي والسكان، وضم الكتل الاستيطانية الكبيرة أو منطقة (ج) برمتها أولًا، وضم بقية الأراضي لاحقًا، فالوقت الآن مناسب لذلك كما دعا منذ أيام نائب وزير الحرب الإسرائيلي.

كما بات يبحث اليمين الإسرائيلي في تطبيق واسع لخيار التهجير، وإعادة إحياء خطة "الوطن البديل"، بحيث تقام الدولة الفلسطينية في الأردن، وإن ما يسمى زورًا الخيار الأردني الآن الذي تحول إلى خيار إسرائيلي ليس له علاقة بالخيار الأردني المطروح سابقًا، فالمقصود به هو أن تتقاسم الأردن السيطرة على السكان مع السلطة الفلسطينية، لأن هذا يمكن أن يحفظ الأمن ويسهّل تهجير الفلسطينيين إلى الأردن في إطار أن هناك دولة فدرالية أو كونفدرالية، بينما السيادة والسيطرة على الأرض تبقى في يد إسرائيل.

ما سبق مهم للتفريق بين الخيار الأردني الذي كان مطروحًا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وبين المطروح حاليًا. في تلك الفترة كان هناك وهم أردني وفلسطيني وعربي بأن إسرائيل يمكن أن تنسحب، وهنا كان التنافس الأردني الفلسطيني على الطرف الذي سيحل محل إسرائيل، وعندما تبيّن للملك حسين أن إسرائيل لن تنسحب لإعطاء الدولة له، وهذا يعني أنها لن تعطيها لأحد؛ قرر فك الارتباط عن الضفة الغربية، وتحملت المسؤولية المنظمة وتخيّلت أنها يمكن أن تحصل على دولة إذا أبدت المرونة وقدمت التنازلات واعتدلت كثيرًا، إلا أنها لم تحصد سوى الخيبة وتعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان. كما تسعى إسرائيل لفصل مستمر لقطاع غزة عن الضفة وتحويله لانفصال دائم.

المقدمة السابقة ضرورة للبرهنة أن ما تحتاجه قضية اللاجئين والقضية الفلسطينية برمتها أكثر من إعادة وضعها على أجندة القيادة الفلسطينية أو العربية والإقليمية والدولية، وإنما بحاجة إلى إعادة الاعتبار لها وللقضية بوصفها قضية تحرر وطني، وليست بناء دولة، أو نزاع على طبيعة السلام، أو على الحدود، أو ما بين التطرّف والاعتدال.

إن إعادة الاعتبار للقضية تتطلب التمسك بوحدة القضية والشعب والأرض وبالرواية والحقوق التاريخية، والخروج نهائيًا من مسار التفاوض الثنائي وما سمي زورًا "عملية سلام"، وبناء خيارات وبدائل جديدة مبنية على التخلص من التزامات أوسلو السياسية والأمنية والاقتصادية، وليس الحديث عن الاستعداد لوقفها إذا استمرت إسرائيل بعدم التمسك بالتزاماتها وكأن إسرائيل بوارد الالتزام.

لقد تخلّت الحكومات الإسرائيلية عن الالتزامات المترتبة عليها في "اتفاق" أوسلو منذ زمن بعيد، وتريد في نفس الوقت استمرار تمسك السلطة الفلسطينية بالتزاماتها من جانب واحد، مقابل استمرارها كسلطة حكم ذاتي محدود يقوم بدور الوكيل للاحتلال، وبالتالي لا معنى ومن الخطأ والخطر معًا استمرار العمل لإحياء العظام وهي رميم.

إن إعادة الاعتبار لقضية اللاجئين تستوجب إعادة بناء وإصلاح وتجديد وتغيير مؤسسات منظمة التحرير، على أساس الخبرات والمستجدات والحقائق والمتغيرات، وبصورة تتمكن فيها من الاستمرار كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، من خلال ضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن بالشراكة. ولا يمكن إعادة بِنَاء المنظمة من دون إحياء قضية اللاجئين بوصفها أساس وجوهر القضية الفلسطينية.

هناك من يقول إن قضية اللاجئين والقضية الفلسطينية قد انتهت، أو هي في المسافة الاخيرة المتبقية على طريق الضياع، وبالتالي علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأرد على ذلك بالقول إن القضية ستبقى حية ما دام هناك شعب متمسك بها ومستعد للكفاح والتضحية من أجلها بكل الأشكال الممكنة، وإنّ الشعب لا يزال مستعدًا للكفاح من أجل قضيته، ودليل ذلك ما يجري من صمود ومقاومة بكل أشكالها في القدس وبقية الضفة وغزة رغم الظروف غير المواتية في ظل ميزان قوى مختل بشكل ساحق لصالح إسرائيل، ومغزى الموجة الانتفاضية (انتفاضة الأفراد والسكاكين والدهس)، ونمو حركة المقاطعة لإسرائيل، ودور لجان حق العودة، وكفاح شعبنا في أراضي 48، وصمود غزة رغم العدوان والدمار والحصار والنهوض الثقافي متعدد الأشكال الذي محوره المحافظة على وإحياء وإغناء الهوية الوطنية، ما يعوض الهبوط السياسي وعجز القيادة والقوى والنخب، ويفتح الطريق ويؤسس للنهوض الوطني والسياسي القادم لا محالة.

إن الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر انتهي بعد 130 عامًا وبعد أن أُعلنت الجزائر فرنسية، وتحررت فيتنام وانتصرت على أقوى دولة في العالم، وقُضي على نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وهزمت الحملة الصليبية بعد 200 عام. والنصر الفلسطيني قادم مهما طال الزمن وغلت التضحيات.
 
 
-----------------
هاني المصري: كاتب صحافي، ومحلل سياسي فلسطيني، مدير عام المركز الفلسطيني لابحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية-مسارات