ماذا تبقى من حق العودة في الخطاب الرسمي؟

ملصق إعلامي صادرة عن منظم التحرير الفلسطينية. (المصدر: palestineposterproject) ملصق إعلامي صادرة عن منظم التحرير الفلسطينية. (المصدر: palestineposterproject)

بقلم: وسام الرفيدي

 
إن المتتبع لتنويعة الخطابات في الساحة الفلسطينية يلحظ، ليس فقط تنوعاته تبعاً لمختلف التنظيمات والرؤى والبرامج، بل وأيضاً خطابين مركزيين: واحد شعبي تصوغه الجماهير وفق تجربتها وحسها الوطني وحقوقها التاريخية في فلسطين، وآخر رسمي تصوغه القيادة وفق رؤيتها وحساباتها السياسية والاتفاقات التي كبلت نفسها بها مع العدو الصهيوني.

للجماهير خطابها وممارستها فيما يتعلق بحق العودة تعبر عنه بفعاليات ورموز ومؤسسات تنتشر بين أوساط شعبنا في مواقع ومخيمات الوطن والشتات، تؤكد تمسكها به كتعبير عن تمسكها بجوهر المسألة الوطنية باعتبارها مسألة وطنية تتعلق بالأرض وتحريرها من الاستعمار الصهيوني الاستيطاني، وتتعلق بعودة شعبنا من الشتات لوطنه.

وللقيادة الرسمية ايضاً خطابها وممارستها فيما يتعلق بحق العودة. إن ظاهرة التدحرج القيادي على مستوى الممارسة والخطاب لا تنفصل عن ظاهرة التدحرج في الفكر السياسي الرسمي منذ العام 1974 على أقل تقدير. فمنذ (برنامج النقاط العشر) كبديل لشعار تحرير فلسطين، فعلياً لا برنامجياً، مروراً بشعار (الدولة المستقلة) كشعار قُدم على أنه مرحليا فيما فعلياً جاء على أنقاض الشعار الاستراتيجي، ومن ثم وصولاً لإملاءات الصهاينة وفق اتفاقيات اوسلو وشعار "دولتان لشعبين" في اعتراف صريح بمشروعية الكيان الصهيونية وإدارة الظهر للحقوق التاريخية لشعبنا، منذ ذلك الحين، والتدحرج لا يطال فقط الشعار/ البرنامج الرئيس لشعبنا، بل ومختلف القضايا اللاحقة به والمرتبطة به ومنها:

 اشكال النضال؛ حيث تم قبر الكفاح المسلح واعتباره إرهابا وعنفاً حسب رسالة عرفات لرابين عام 93، واليوم يجري ملاحقة مَنْ يجروء على ممارسته من قبل أجهزة السلطة الامنية وفق التزامات التنسيق الأمني وحسب اتفاقيات أوسلو.

 اختصار القضية الوطنية من قضية تحرر وطني من الاستعمار الصهيوني، لقضية خلافات بين جارين حول الحدود ومساحات الأراضي والمياه ، اي انها خلافات تحل بالمفاوضات.

تفريغ منظمة التحرير من مضمونها الوطني/ الكياني عبر شطب الميثاق الفلسطيني وإلحاقها بالسلطة، وعلى الأدق، بفريق ضيق في السلطة، وتحويل مؤسساتها لأجهزة بيروقراطية، شكلية، دون أية مضامين اللهم جاهزيتها للتوقيع على ما يريد فريق السلطة الأوسلوي، ناهيك عن حل و/ أو تحويل أجهزتها العسكرية لأجهزة أمنية تنفذ ما التزمت به القيادة في اوسلو، وهي التزامات حددت دورها بدور وظيفي قوامه ضرب المقاومة وحماية امن الاحتلال.

وأخيراً، لحق شعار/ مطلب حق العودة ما لحق بكل ما سبق من قضايا مفصلية في الفكر السياسي الفلسطيني، فمن حق العودة كحق مقدس والمطالبة بعودة اللاجئين عبر تنفيذ القرار الأممي 194، إلى شعارات تقبل القسمة على عشرة رفعتها وتبنتها القيادة السياسية الرسمية، من نوع (حل عادل لقضية اللاجئين) لا وبل ( حل متفق عليه لقضية اللاجئين).

لا حل عادلاً لقضية اللاجئين إلا بعودة اللاجئين لأراضيهم وتعويضهم عما لحق بهم جراء تهجيرهم! هذا ما تعلن الجماهير في كل يوم وكل مناسبة، ليس فقط تمسكاً بحق العودة بل وأيضاً رداً على ما يمكن اعتباره دون تردد تنازل تاريخي عن حق العودة من قبل القيادة الرسمية، علماً أن الصهاينة لم يتجاوبوا حتى مع هذا! وما اعتبرته أوساط المُطبّعين مع الصهاينة والقيادة الفلسطينية كاختراق فلسطيني عندما تم إعلان وثيقة بيلين- أبو مازن، تحول، وحتى حسب منطق التفاوض، الى تنازل مجاني رد عليه الصهاينة ( بالتطقيع)، فكان بالحقيقة اختراقاً فعلياً للموقف الوطني وللحق التاريخي بالعودة!

وشعبنا لا يسعى لحل متفق عليه لقضية اللاجئين، فهذا يعني ببساطة إخضاع هذا الحق المعترف به أمميا، للتفاوض شأنه شأن حقنا في فلسطين، وفي مياهنا وارضنا وسماؤنا وثرواتنا الطبيعية. وللحقيقة فإن مجمل اتفاق اوسلو يمكن وصفه بجملة واحدة: تحويل الحقوق الوطنية والتاريخية لقضايا خلافية يجري التفاوض بشأنها، وبالتالي تتطلب (حلولاً خلاّقة) ستكون حلولاً تدميرية في ظل قيادة لا تملك من صلابة موقفها شروى نقير، ولا يعنيها اي استثمار لعوامل قوة، حتى وفق منطق التفاوض، بل سلمت اوراقها منذ البداية عندما اعلنت الموقف الغريب جداً على اي سياسي، غريب لدرجة الحماقة، عندما قالت أن لا خيار سوى المفاوضات!

وسواء جرى الحديث عن ( حل عادل لقضية اللاجئين) او ( حل متفق عليه) ففي الحالتين يجري قبر القرار الأممي 194 ومعه حق شعبنا التاريخي بالعودة لوطنه حتى لو ألحق الشعار الثاني بالكلاشيه ( وفق القرار 194) – لاحظوا: ليس تنفيذ 194!- فتلك جملة لاحقة ترد للاستهلاك المحلي لا قيمة لها لان الحل الذي تدعو القيادة ( للاتفاق عليه) لا يمكن ان يكون تنفيذ القرار 194!

وفي العلاقة بين الخطاب المعلن والممارسة إشكاليات ينبغي الوقوف عندها. فمن جهة لا زالت منظمة التحرير في خطابها الرسمي تعلن تمسكها بحق العودة وتنفيذ القرار 194، وبذات الوقت كان أمين سر لجنتها التنفيذية السابق (عبد ربه) يعمل كعرّاب لوثيقة ابو مازن- بيلين، ويستمر بذلك عبر مؤسسة التطبيع المركزية: تحالف السلام الفلسطيني- الإسرائيلي! وكان هذا الإشكال دلالة على المدى الذي وصل إليه فريق أوسلو متمتعاً بغطاء رسمي من هيكل فارغ من محتواه اسمه اللجنة التنفيذية!

ومع ذلك، تستمر المنظمة كل عام بتنظيم فعاليات لإحياء ذكرى النكبة والتأكيد على حق العودة، فيما يستمر رئيسها ابو مازن في كل مناسبة يعلن تمسكه لا بتنفيذ القرار 194 دون مواربة، بل بمطلب الحل العادل والمتفق عليه! ليتأكد يوماً بعد يوم ان الفريق المتنفذ في اللجنة التنفيذية ومنظمة التحرير لا زال كعادته يعلن: قولوا ما تريدون وأفعل ما أريد، ولا زالت المعارضة تقول ما تريد، وأحياناً حتى لا تقول، وما زال ذات الفريق يفعل ما يريد.

لخطاب المنظمة كما ظهر، تعبيراته الكلامية وممارسته، وكذلك للجماهير. الجماهير تسمي مؤسساتها وهياكلها الاجتماعية الناشطة وسطها بأسماء القرى المهجرة والمدمرة. ابناء اللاجئين يؤكدون أصولهم من قراهم الأصلية عند سؤال الواحد منهم: من اين انتَ؟. اللاجئون ومعهم شعبنا ينظمون فعالياتهم وشعاراتهم واضحة: حق العودة لا يسقط بالتقادم! وحق العودة حق مقدس! وتنفيذ القرار 194! أبناء المخيمات لا زالوا يرفعون عالياً رموز روايتهم التاريخية: الكوشان والمفتاح ومقتنيات الحياة اليومية قبل العام 48!

فبين الخطاب الرسمي وممارسته، وبين خطاب الجماهير وممارستها، بون شاسع هو الفارق بين الموقف الوطني الملتزم حتى النخاع بالحقوق وبين الموقف التنازلي الذي لا يلقى من الاحتلال سوى الإذلال ناهيك عن عدم التجاوب.
-------------------------------------------
وسام الرفيدي: محاضر في قسم علم الاجتماع في جامعة بيت لحم