قراءة لماهية المرأة الفلسطينية في رسومات ناجي العلي

قراءة لماهية المرأة الفلسطينية في رسومات ناجي العلي

بقلم: ناجي العزة*

"هل تلد المرأة في الخيمة إلا جيشا؟"
مظفرالنواب


توطئة:
تجسد نضال وكفاح المرأة الفلسطينية في رؤيا ناجي العلي ورسوماته للصراع العربي الصهيوني، إذ ركّز الفنان على إبراز دور المرأة تقديراً لماتقدمه من تضحيات. سيوضح هذا المقال صورة المرأة الفلسطينية المقاومة والجريئة ودورها السياسي الاجتماعي والاقتصادي الريادي، والذي يعد أساساً لقاعدة الصمود والانتصار في مراحل عدة. ويحاكي العلي صورة المرأة اللاجئة من وسط الركام ويوضح دورها في بناء الوعي ومترسة العمل الكفاحي الفلسطيني كدور طليعي بالرغم من المجازر والتشريد والدمار.

 "مُنجبة الثورة"، هو الانطباع الاول الذي ضمنه العلي لهذا الرسم وخط به بُعداً أسمى لدور المرأة في قهقرة الشارع وتوطيد الدافع في قلب الاجيال كي لا ينسوا أو يتوانوا عن حقهم في أرضهم. هذه المرأة التي تأتي كشعلة تضيء مسيرة المشردين من بيوتهم بفعل النكبة المستمرة. فالدلالات التي سعى ناجي العلي لإرسائها في مذكرتنا تشيد بنهر من العطاء المتجدد، تقدمه المرأة الفلسطينية من اجل النهوض بهوية مقاومة تحمل حيثيات وصفات لا تقبل بالمهادنة والخضوع والاستسلام وانما تسعى ورغم قلة الامكانيات والقدرات الى تشكيل شريحة واعية ومجتمع عقائدي مقاوم.
شاركت المرأة في كافة أشكال النضال، فقد حلقت عالياً صيحاتها في التظاهرات المنندة والرافضة للاستعمار وقد لعبت دوراً اساسياً في صقل الوعي كما كان لها دور عسكري مهيب. فما بعد عام 1967 برزت فاطمة برناوي أول مناضلة فلسطينية تم اعتقالها بعد خمسة أشهر فقط من اجتياح كامل الأرض الفلسطينية بعد أن زرعت قنبلة في سينما صهيون بالقدس، ولحقتها شادية أبو غزالة أول شهيدة فلسطينية لقيت حتفها أثناء إعداد قنبلة متفجرة في نوفمبر 1968، والكثير من المناضلات التي برزت اسمائهن منذ بداية الثورة الفلسطينية حتى يومنا هذا.

 وقد تطرق ناجي العلي إلى تفاصيل التحول الذي طرأ على واقع المرأة الفلسطينية، فالمجتمع الفلسطيني لا يختلف كثيراً عن باقي المجتمعات العربية الاخرى من حيث الموروث الثقافي والبنية الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الخصوصية إذ لا يمكن مقارنة وضع مجتمع يعيش حالة من الاستقرار (ولو بالمعنى النسبي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، بمجتمع مناضل يسعى بكل أفراده للخلاص من الاحتلال ونيل الحرية، فسلك العديد من السبل في شتى ميادين الحياة وفي شتى ميادين النضال، فصقلته إنسانًا متميزًا بعقله وتفكيره وأساليبه. إن سمو الهدف أملى عليه هذا التميز فانصرف عن العديد من اهتمامات الشعوب، واقتصر توجهه على تحقيق هدف مقدس كي يضمن مستقبلًا آمنًا وحياة كريمة دائمة لأبنائه.

كما عانت المرأة الفلسطينية من اضطهاد مزدوج، قومي بسبب الاحتلال الاسرائيلي وثقافي موروث من التقاليد العربية، الا ان ذلك لم يمنعها من ان تكون نواة فعالة في الحركة النضالية الفلسطينية مما اهلها ان تنتزع مراكز قيادية في المجتمع الفلسطيني. فعملت على تأسيس جمعياتها ومؤسساتها منذ عشرينيات القرن الماضي، ولعبت ايضاً دوراً نضالياً في جميع المراحل النضالية ضد الانتداب البريطاني، وانتقالاً لحقبة الاحتلال الاسرائيلي فاتخذت المرأة الفلسطينية موقعاً جيداً في صفوف المقاومة الفلسطينية.

ورغم وتيرة التضحيات التي قدمتها الاسرة الفلسطينية على المدى البعيد والقريب، نرى ان الصمود سيد الموقف وعربة الامل؛ حيث تصمد البيوت الفلسطينية التي تقبع بين البؤر الاستعمارية العنصرية المتطرفة وتتعرض لشتى انواع الانتهاكات الصارخة بصمود المرأة، وتبقى رغم الالم ثابتة دافقة في العطاء والتحدي.

وعي حد الخرافة وامرأة بحجم وطن، قضية تجري في نهر تملؤه القنوات الفرعية وبالرغم من الانعطافات المتتالية تبقى المرأة الفلسطينية البوصلة الامنة التي رفضت ان تلبس قناع المجتمع الرجعي المتخلف وتشبثت اقدامها في الارض رغم سبعين عاما من مرارة الالم. مضت تترك بصماتها في كل الميادين حتى اسمت شجرة مثمرة لا تنتهي اغصانها عن النمو  فتطعم الناس من صمودها رغم الجوع والعطش. تولدت  المرأة في مخيلة ناجي العلي كمحرك عملاق يصقل الوعي في كل بيت وفي كل رواق ويجدد النوع المقاوم مع كل جيل. تمددت في كل الاوراق محرضة على الظلم والاستبداد ولا تهادن واطلقت عنان صبرها في كل مقبرة ومعتقل، وكانت ترفع شارة النصر في كل مرة تنتشل فيها جثة احد اطفالها الرضع من بين الركام، تدفق بالامل رغم الاسى في كل ذكرى وكل نكبة وهجرة. هذه المرأة التي لا يمكن ان يُغيَبُ دورها في المسيرة العملاقة لثورتنا الفلسطينية تعد ضمن الخطوط الحمراء العريضة في رؤيا ناجي العلي للصراع فأمرأة كهذه بحجم وطن وزناد بندقية وبوصلة نقية.
 

--------------------------------------------------
ناجي العزة، ناشط طلابي ومشارك في مشروع مؤسستي بديل وبلدنا  "تواصل وعودة".