أزمة بدو النقب: ما بين الديموغرافيا والترانسفير

قرية أم الحيران شاهد على محنة فلسطينيي النقب، 7 آيار 2015. (المصدر: Aljazeera.net ) قرية أم الحيران شاهد على محنة فلسطينيي النقب، 7 آيار 2015. (المصدر: Aljazeera.net )

بقلم: مي هماش*

تسعى الحركة الصهيونية ومنذ بروزها في فلسطين إلى تهجير وإقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه من خلال وسائل عديدة تمثلت في الهجوم العسكري، الحرمان من الحقوق المدنية والإنسانية، والتنكيل المستمر على وجودهم بإقصائهم وعزلهم عن الحياة الكريمة التي تليق بحياة الإنسان. وبناء على ذلك، تناولت في هذا المقال قضية ترحيل بدو النقب والتي عرفت لاحقا بمخطط برافر من خلال ثلاثة محاور تتمثل في: أولا تحدي وصمود بدو النقب كرمز للبقاء، ثانياً، التركيز على العامل الديموغرافي وضرورته كميزان قوة في وجه العدو الصهيوني، ثالثا، وسائل الترحيل والتوطين القسري وخطورته على الواقع الفلسطيني. 

نظرة تاريخية:
بدو النقب هم مجموعة من القبائل العربية (قبائل الترابين والتياها والعزازمة والجبارات وقبائل أخرى) التي تعيش في منطقة النقب جنوب فلسطين، وقد كانت منطقة النقب مقسمة جغرافياً بين هذه القبائل. تعد منطقة النقب جزءا أساسيا من مكونات الأرض الفلسطينية حسب التقسيمات والحدود الانتدابية، كما أن البدو الذين يسكنون فيها يشكلون جزءا أساسيا من التركيبة السكانية الفلسطينية بتقسيماتها التقليدية: البدو، الفلاحين، والحضريين. وقد شكّل صمود البدو وإصرارهم على تمسكهم بالهوية الفلسطينية واللغة العربية تحد كبير للحركة الصهيونية الساعية إلى تهويد الأرض والسيطرة عليها.

إن محاولة التخلص من سكان النقب تأتي لتحقيق هدف الصهيونية بالسيطرة على: "أكبر مساحة من الارض باقل عدد من الفلسطينيين" - المقولة التي تؤكد اهمية الترانسفير العربي والفلسطيني الى خارج حدود الأرض الفلسطينية والترانسفير اليهودي من كافة دول العالم الى "اسرائيل". إن ما ومما يساعد الحركة الصهيونية على تطبيق هدفها هو عدم قدرة الفصائل الفلسطينية على المساعدة في تأمين مقومات الحياة لسكان النقب، وعجز الحكومة الفلسطينية عن الوفاء بتأمين حياة كريمة، وتراجع مفهوم المسؤولية الاجتماعية الذي كان سائداً سابقا وكان له دورا مميزا في بناء مجتمع سليم قوي ومتماسك متضامن يحمل هوية واحدة.

وتزامن مع تهجير سُكّان النقب إستهداف الحركة الصهيونية للهوية الوطنية والثقافية للفلسطينيين في النقب، وذلك من خلال العمل على تغيير نمط حياتهم وتحويل تركيبتهم الُسكانية من بدو ورعاة أغنام الى عمال مياومة وموسميين في مؤسسات الكيان الصهيوني. تلك السياسة طالب فيما طالت الأدوات الزراعية والأواني الفخارية، التي تعد جزءا أساسيا من التراث والهوية الفلسطينية، ودثرتها أو قولبتها ضمن سياسة التهويد عبر تبنيها على أنها جزء من "التراث اليهودي". وعليه، نستنتج أن عملية الترانسفير لا تستهدف فقط المكان والأرض الفلسطينية، بل أنها تهاجم وتحاول تشويه الهوية الثقافية والوطنية للفلسطينيين.

وبهذا نرى أن الترانسفير جزء أصيل من الأيديولوجية الصهيونية التي تهدف إلى التطهير العرقي للأرض، ومصادرة التاريخ الفلسطيني والقضاء على الذاكرة الجماعية من خلال تفتيت الديموغرافيا وتجاهل حق العودة للاجئين الفلسطينيين واستبداله بالتوطين القسري والدمج بالدول التي يقيم بها الفلسطينيون. وقد تبنت إسرائيل نموذج جديد من أجل حصر الفلسطينيين في بقعة معينة وبشكل سكني معين لا يسمح لهم بالتمدد الأفقي وذلك من خلال "التركيز السكني" أي التوسع العمودي. وهنا برزت فكرة مخطط برافر في منطقة النقب بتصفية كافة البدو عبر حصرهم في تجمع سكني على 1% من منطقة النقب مغيرة بذلك نمط حياتهم ومعيشتهم.  يُركز المخطط على على نهب ما تبقى في حوزة أهل النقب من أراضٍ من خلال مصادرة نحو 800 ألف دونم (أي نصف الأراضي التي تبقت لهم بعد المصادرات التي تمت عام النكبة) وتهجير ما بين 40- 75 ألفاً من 34 قرية.

إن جوهر فكرة الصهيونية بالفعل هو كما عبر عنه رحبعام زئيفي يتمثل في ترحيل الأمة اليهودية من الشتات إلى "إسرائيل"، وترحيل العرب عن الأراضي الفلسطينية، ومجيء اليهود إلى هنا ليستمتعوا بثمار الازدهار الذي جلبه اليهود إلى هذه الأرض. وبهذا تولي الصهيونية اهتماما عالياً بالميزان الديموغرافي للاستيلاء على الأراضي، حيث تقوم بالتخطيط والتنفيذ الفعلي للمجازر العلنية للقضاء على أكبر فئة من الفلسطينيين بحجة أمنها مُغلفة نفسها بحادثة مسادا وشعار اللاسامية. فأصبحت الصهيونية تؤكد على اللاءات الأربعة التي تضمن وجودهم وإنكار ونفي الآخر الفلسطيني وهي: "لا للوجود الفلسطيني في القدس، لا لدولة فلسطينية، ولا للانسحاب من الأرض الفلسطينية، ولا لحق اللاجئين في العودة". وهذا ما عبر عنه نتنياهو سنة 1996 في حكومة الليكود لجعل  العالم يشعر بالخوف الذي يعاني منه الإسرائيليون من مجاورتهم للعرب والفلسطينيين والخوف من أن يُلقوا في البحر! فالتمدد الديموغرافي يسير لصالح الفلسطينيين تبعا لمؤشرات الصحة الإنجابية ومعدل المواليد، وهذا مؤشر مقلق ومخيف بالنسبة للاسرائيلين، خصوصا في ظل التوقع بان عدد الفلسطنييين على جانبي الخط الاخضر سيتساوى مع عدد الاسرائيلية في عام 2021. ان الخوف من الثقل الديموغرافي الفلسطيني لا يزال يدفع الصيهوينة للتفكير والعمل بعدوانية كبيرة. وليس بالبعيدة كثيرا جريمة حرق عائلة علي دوابشة  حيث صرحت وزيرة المواصلات الإسرائيلية: "بأن الأطفال الفلسطينيين هم ثعابين صغيرة يجدر بنا قتلهم قبل أن يكبروا".

فكل هذه الشعارات من أجل أن يضعوا مبررا منطقيا أمام العالم عن السياسات اللانسانية التي يستخدمونها بحق الفلسطينيين، ولاستمرار عملية الترحيل والتهجير والتوطين القسري، وبالرغم من أن الفلسطيني يجد دائما مخرجا من الأزمة التي يضعها له المحتل ويخلق من اللاحياة حياة ويعمد لبناء حياته بطريقته وأسلوبه، إلا أن المخطط الصهيوني لن يدعه وشأنه أبدا فوجوده ووجود أولاده وأحفاده خطر يتناقض مع أهم عناصر الصهيونية من جانب الغلبة بالمتغير الديموغرافي.

وخلاصة لما تقدمت به سابقا نجد أن منطقة النقب والبدو الذين يقطنوه هم رمز للجوء الفلسطيني كافة، ومظهر مهم للحفاظ على حق العودة والثبات بالحفاظ على الأرض، ونمط نضال للدفاع عن الهوية ونمط الحياة التقليدي العربي الفلسطيني الأصيل. ان تمسكهم بهذا يؤكد على حقيقة الأرض العربية الفلسطينية بقيمها وأسلوبها ونمط حياتها، ومواجهتهم لكافة أساليب التهويد ومواجهتهم للقوانين المجحفة بحقهم مثل " برافر وغيره" ما هو إلا القليل ليحافظ الفلسطيني على وجوده وإنسانيته. ان صمودهم يزيد من أهمية العامل الديموغرافي  ليس فقط بمعنى في الحفاظ على ميزان من موازين القوى متقارب النتيجة، بل لان التزايد السكاني الفلسطيني يزيد من ترابط ابناء القضية وارتباطهم بالمدن والقرى والسواحل والأغوار المهجرة.

----------------------------------------
مي هماش: مشاركة في مشروع مؤسستي بدل وبللدنا " تواصل وعودة".