طباعة

حماية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين: 67 عاماًعلى صدور القرار (194)

لاجئون فلسطينيون جالسون تحت الأنقاض في مخيم اليرموك، تشرين الثاني 2014. (تصوير ولاء مسعود، الأنروا) لاجئون فلسطينيون جالسون تحت الأنقاض في مخيم اليرموك، تشرين الثاني 2014. (تصوير ولاء مسعود، الأنروا)


بقلم: ميس ميلين وأمايا ألأرزة*
 
كما جرت العادة، سيخلّد اللاجئون الفلسطينيون ذكرى القرار 194 في الذكرى 67 لصدوره عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم ادراكهم بان الأطراف الدولية المعنية لا تزال تتجاهل هذا القرار مع أن الجمعية العامة تعيد التأكيد عليه في كل سنة. إسرائيل هي العقبة الرئيسية التي تحول دون وضع القرار موضع التنفيذ. ومن المفارقة أن التسليم بالقرار (194) وتنفيذه كان يُعَدّ شرطًا مسبقًا ينبغي لإسرائيل الوفاء به لكي تنضم إلى هيئة الأمم المتحدة،[1] إلا أن إسرائيل لم تتخذ أي خطوة تنم عن الالتزام بالأحكام التي جاء بها القرار على الرغم من موافقتها على تنفيذه. وعلاوةً على ذلك، لا تعترف إسرائيل الآن بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وهي تنظر إلى هذه القضية باعتبارها مسألة ينبغي حلها على المستوى السياسي.[2] في الحقيقة، تكمن أهمية هذا القرار ليس فقط في الإعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في المساواة والتعويض، وإنما في تحديد الآليات اللازمة لتوفير الحماية والسعي نحو التوصل إلى حلول دائمة لهم.

 
إطار الحماية بعد 67 عامًا من صدور القرار (194)
 
أفضى القرار (194) إلى تشكيل لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين في شهر كانون الأول/ديسمبر 1948 بغية مساعدة الحكومات والسلطات على تحقيق تسوية نهائية للنزاع و"تسهيل عودة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات" عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر.[3]
 
وبعد تشكيل هذه اللجنة بسنة، أي في شهر كانون الأول/ديسمبر 1949، شُكلت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) بموجب قرار الأمم المتحدة 302(4) من أجل استكمال عمل اللجنة من خلال تقديم المساعدات في صورة "برامج الإغاثة والتشغيل المباشرة" للاجئين الفلسطينيين.[4] وقد جرى إنشاء وكالة الأونروا لكي تتمم عمل لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين من خلال تنفيذ برامج الإغاثة والتشغيل في خمس مناطق مختلفة، هي الأردن ولبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس.
 
وفي العام 1951، وبعد أن نصت الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين على إنشاء المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، اتُخذ قرار بأن ولاية المفوضية "لا تنطبق على الأشخاص الذين يتمتعون حاليًا بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين."[5] وقد أفضى هذا النص إلى إقصاء اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا مشمولين في حماية لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين ووكالة الأونروا في حينه واستبعادهم من ولاية المفوضية. ومع ذلك، فقد جرى إيراد شرط إدراج "للاجئين الفلسطينيين" ضمن متن المادة 1(د) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين. وتفوض هذه المادة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتولي المسؤولية عن حماية الأفراد الذين "توقف" تقديم الحماية أو المساعدة لهم "لأي سبب" ودون أن يكون مصير هؤلاء الأشخاص قد سُوي نهائيًا طبقًا لما يتصل بالأمر من القرارات التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد فسرت المفوضية هذا الحكم على أنه يسري على الأشخاص الموجودين "خارج منطقة عمليات الأونروا"، وبالتالي "لم يعودوا يتمتعون بالحماية أو المساعدة التي تؤمنها الوكالة".[6]
 
وفي هذا السياق، أسهمت المادة 1(د) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين في مأسسة نظامين مستقلين - بمعنى اعتماد نظام خاص باللاجئين الفلسطينيين واعتماد نظام آخر للاجئين بعمومهم. وفي الوقت نفسه، تنص هذه المادة على استمرار توفير الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين،[7] من خلال شرط الإدراج الذي اشتملت عليه، وذلك من خلال إدراجهم ضمن نطاق الاتفاقية التي تشكل شبكة أمان تكفل توفير القدر الكافي من الحماية لهم في جميع الأوقات وفي ظل الظروف المتغيرة.
 
ومع ذلك، أثبتت التطورات والمستجدات المختلفة التي طرأت على مدى السنوات أن هذا الإطار يفتقر إلى الكفاءة، كما أفرز غياب الاستعداد لدى تلك الأجهزة في إحداث التغييرات المطلوبة جوانب لا يمكن إغفالها من الخلل والقصور الذي يمس الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين.
 
فجوات الحماية التي يشهدها اللاجئون والمهجرون الفلسطينيون:
 
1. جمود لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين وتعطلها عن ممارسة عملها
سرعان ما وصل عمل لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين في توفير الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين والمساعي التي بذلتها في سبيل تيسير التوصل إلى حلول دائمة لقضيتهم إلى طريق مسدود بسبب الشقاق الذي ساد بين الإجماع الدولي، الذي تعهد بضمان إعادة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، وبين إسرائيل التي رفضت في بادئ الأمر عرض عودة عدد محدود من اللاجئين إلى ديارهم، ومن ثم رفضت تقديم أي عرض لعودتهم على الإطلاق.[8] وبذلك، وصلت اللجنة بحلول مطلع العقد الخامس من القرن الماضي إلى استنتاج مفاده أنها لم تعد تملك القدرة على الوفاء بولايتها وإنفاذها.[9] وباتت اللجنة لا تضطلع بأي دور له معناه في توفير الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين.
 
وتقدم وكالة الأونروا قدرًا محدودًا من الحماية للاجئين الفلسطينيين دون أن تمتلك الولاية الصريحة التي تخولها تقديمها لهم. وتعرّف الوكالة نفسها باعتبارها "الجهة الرئيسية التي تقدم الخدمات العامة".[10] كما توفر الوكالة قدرًا محدودًا من الحماية من خلال أعمال المراقبة ورفع التقارير والتدخلات التي تنفذها في بعض الأحيان بالتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.[11] ومع ذلك، لا يشمل الدور المحدود الذي تضطلع به وكالة الأونروا في تأمين الحماية اللازمة للاجئين الفلسطينيين نطاق الحماية الدولية بجميع حذافيرها.
 
ونتيجة للدور القاصر الذي تؤديه وكالة الأونروا في الحماية واستبعاد اللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون في مناطق عملياتها من ولاية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبعد 67 عامًا من صدور قرار الأمم المتحدة رقم (194)، فليس هناك من وكالة من وكالات الأمم المتحدة تحمل ولاية صريحة تقرر لها تأمين الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين المقيمين في مناطق عمليات الأونروا أو البحث عن حل دائم لقضيتهم. وحتى هذا اليوم، تعتبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الهيئة الوحيدة التي تملك الولاية التي تكلفها بمهمة توفير الحماية الكاملة، بما تشمله من تنفيذ الحلول الدائمة، التي توفرها للاجئين بصفة عامة.[12]
 
وفي الوقت الذي تُرك فيه اللاجئون الفلسطينيون دون حماية، فلم تسترد لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين الدور المنوط بها، ولم تنقل ولايتها إلى أي وكالة أخرى من وكالات الأمم المتحدة. وبذلك، ترك الأمر لوكالة الأونروا لكي تسعى إلى سد فجوة الحماية التي خلفها توقف اللجنة المذكورة عن مزاولة عملها على أرض الواقع. وقد جرى توسيع نطاق ولاية الأونروا إلى حد ما، بحيث بات يشمل تدبيرًا ينطوي على إنفاذ نشاطات الحماية، بالإضافة إلى استيعاب مجموعة أكبر من اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين من تلك المجموعة التي كلفت في بادئ الأمر برعايتها والوقوف على شؤونها. ومع ذلك، تسبب افتقار وكالة الأونروا إلى ولاية صريحة تملي عليها تقديم الحماية – بما في ذلك نطاقها الجغرافي المحدود، والأهم من ذلك السلطة التي تيسر لها السعي الحثيث نحو التوصل إلى حلول دائمة وتأمينها – في وجود اللاجئين الفلسطينيين داخل مناطق عملياتها وخارجها في الوقت نفسه، مما لا يدع مجالًا للشك في أن هؤلاء اللاجئين باتوا محرومين من النطاق المتكامل من الحماية التي يستحقونها. وبناءً على ذلك، يحظى معظم اللاجئين الفلسطينيين، في هذه الآونة، بقدر أقل من الحماية من تلك التي يتمتع بها نظراؤهم في مناطق أخرى من العالم.[13] ويتناقض هذا الوضع مع الأهداف التي ينطوي عليها النظام الخاص الذي أعد وصمم من أجل اللاجئين الفلسطينيين في العام 1948، وهو يسهم فيما بات يعرف بـ"فجوة الحماية" التي تتسم بجملة من العوامل التي نستعرضها أدناه.
 
وتتجلى الآثار المباشرة التي تفرزها الفجوة التي تشوب الحماية في النتائج التي خلص إليها المسح الذي أجراه مركز بديل في شهر نيسان/أبريل 2015. وقد شمل هذا المسح 3,000 لاجئ فلسطيني يقيمون في 24 مخيمًا يخضع لإدارة وكالة الأونروا.[14] وأفاد جميع اللاجئين المستطلعة آراؤهم تقريبًا بأنهم يعانون من فجوة أو أكثر على صعيد الحماية الواجبة لهم على المستوى الفردي، وعلى مستوى جميع اللاجئين الفلسطينيين في المناطق التي يقطنون فيها كذلك. ففي هذا السياق، أشار ما نسبته 89% من هؤلاء اللاجئين إلى أن عدم كفايةالمساعدات الإنسانية أوغيابها يشكل النقص الرئيسي الذي يعانون منه على صعيد الحماية الواجبة لهم. وحل غياب المساواة في فرص العمل (81%) في المرتبة الثانية؛ ثم التمييز السياسي (78%) في المرتبة الثالثة. وتتقاطع جوانب القصور الثلاثة الأعلى التي تعتري الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين مع الأولويات التي يرونها في معالجة هذه الجوانب. وتفضي هذه النتائج بنا إلى استنتاج مفاده أن الجوانب المذكورة أعلاه هي جوانب القصور والنقص الرئيسية الثلاثة التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون على صعيد الحماية الواجبة لهم في هذه الآونة. وفي هذا المضمار، يؤكدالواقع الذي يشهد تكرار هذه النتائج في نطاق من الأسئلة على الصفة المستعجلة التي تكتسيها هذه الجوانب وعلى مدى حدتها وخطورتها، وعلى الضرورة الملحة التي تقتضي من المنظمات الإنسانية وأجهزة الدول المعنية العمل على سدها ومعالجتها. وفضلًا عن ذلك، تعتبر أشكال التمييز الأخرى (التمييز القانوني والتمييز القائم على أساس الجنسية أو النوع الاجتماعي)، أو غياب السلامة الشخصية أو المنع من دخول دول أخرى بعض أوجه النقص البارزة التي تشوب الحماية حسبما جاء على لسان اللاجئين الذين شملهم المسح.
 
كما أشار معظم اللاجئين الفلسطينيين، في معرض إجابتهم عن الدور الذي تضطلع بها أجهزة بعينها في معالجة جوانب النقص التي تعتري الحماية الواجبة لهم، إلى أن وكالة الأونروا تضطلع بدور فعال في التعامل مع نقص المساعدات الإنسانية أو غيابها، والتدخل لدى البلد المضيف لتأمين الحصول على الخدمات العامة وحل المشاكل التي تواكب لم شمل الأسر التي انفصل أفرادها عن بعضهم بعضًا. ومع ذلك، لا يعد هذا الدور كافيًا بالنظر إلى وجود الفجوات التي تشوب الحماية اللازمة للاجئين في جميع مناطق عمليات الوكالة. ففيما يتصل بلجنة التوفيق الخاصة بفلسطين، لم يكن ما يزيد على 40% من اللاجئين الذين استطلعت آراؤهم في المسح يعلمون شيئًا عنها، ولم تزد نسبة من أفادوا بأنها تضطلع بالمسؤولية عن حماية اللاجئين الفلسطينيين عن 30%.
 
وتدل هذه النتائج على الضرورة الملحة التي تقتضي معالجة فجوات الحماية الواسعة التي يعاني اللاجئون الفلسطينيون منها. ومن جانب آخر، تبين نتائج المسح مدى الحاجة إلى توضيح وتعديل الولايات الموكلة إلى مختلف الأجهزة التي تتولى المسؤولية عن تأمين الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين وتقديم المساعدات لهم. كما تشير هذه النتائج إلى أن وكالة الأونروا تؤمّن بعض عناصر الحماية للاجئين في عملها. وفي هذا المقام، ينظر ما نسبته 80% من اللاجئين المستطلعة آراؤهم إلى الوكالة باعتبارها تتولى المسؤولية عن حمايتهم. وفي المقابل، لا تعد لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين غير فعالة فحسب، بل لا يعرف عدد ليس بالقليل من اللاجئين الفلسطينيين شيئًا عنها، وهو ما يشير مرة أخرى إلى خمولها وانقطاعها عن ممارسة الدور المنوط بها. وفضلًا عن ذلك، يعتقد 49% من اللاجئين الذين شملهم المسح بأن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تتحمل المسؤولية عن حمايتهم بموجب ما تمليه المعايير الدولية، مع العلم بأن المسح شمل فقط اللاجئين الذين يقيمون داخل مناطق عمليات وكالة الأونروا.
 
2. الإحجام عن تنفيذ المادة 1(د)
غالبًا ما يواجه اللاجئون الفلسطينيون انقطاعًا في تأمين الحماية وتقديم المساعدات التي يحتاجون إليها إذا وجدوا أنفسهم خارج مناطق عمليات وكالة الأونروا، أو في الحالات التي ينتهي بهم المطاف خارجها. وفي الواقع، يفسر عدد كبير من الدول الأطراف في الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 و/أو البروتوكول الخاص بوضع اللاجئين لسنة 1967 المنبثق عنها المادة 1(د) بطرق مختلفة، حتى أن بعض الدول لا تطبق هذه المادة على اللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون خارج المناطق التي تنفذ وكالة الأونروا عملياتها فيها.[15] ونتيجة لذلك، يجد عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين أنهم لا يحظون بالحماية التي تكفلها الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين بصورة تلقائية عندما يتواجدون خارج مناطق عمليات الأونروا.[16]
 
ولا تعتبر أي دولة من الدول العربية والمناطق التي تعمل وكالة الأونروا فيها (الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة) أطرافًا في الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 و/أو البروتوكول الخاص بوضع اللاجئين لسنة 1967 المنبثق عنها، أو الاتفاقية بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية لسنة 1954 والاتفاقية بشأن خفض حالات انعدام الجنسية لسنة 1961. ولم يوقع سوى عدد ضئيل من تلك الدول العربية التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين والتي لا تقع ضمن مناطق عمليات الأونروا على هذه الاتفاقيات.[17] وقدأصدرت جامعة الدول العربية البروتوكول بشأن معاملة الفلسطينيين (بروتوكول الدار البيضاء) في العام 1965. وبموجب هذا البروتوكول، يملك الفلسطينيون الحق في العمل على قدم المساواة مع المواطنين من رعايا الدولة المضيفة، والحق في نفس المعاملة التي يحظى بها رعايا الدول الأطراف في البروتوكول فيما يتصل بالتأشيرات وطلبات الإقامة، من جملة حقوق أخرى.[18] ومع ذلك، فقد ألغي هذا البروتوكول بصورة فعلية في العام 1991. ولم يعد يتوفر اليوم سوى إطار منقوص لا يكفل توفير الأمان والحماية للاجئين الفلسطينيين في هذه الدول.[19]
 
وتكتسب هذه القضية قدرًا أكبر من الأهمية مع اتساع رقعة انعدام الاستقرار التي تشهدها الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين. فقد بات الفلسطينيون يواجهون مخاطر جديدة لم يعهدوها من قبل في الدول المضيفة التي يقيمون فيها، مما جعلهم عاجزين عن البقاء في أماكن لجوئهم أو العودة إلى ديارهم ومسقط رأسهم الذي جردتهم إسرائيل منه. وتتمخض النزاعات المسلحة وانعدام الاستقرار والسياسات التمييزية في تهجير اللاجئين الفلسطينيين مرات عديدة. ولم يكن لهذا التهجير أن يتم لو كانت إسرائيل تبدي الاحترام للفلسطينيين على المستوى الدولي - بمعنى الاعتراف بحقهم في العودة إلى ديارهم.
 
وقد تجلت الفجوات التي تشوب الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين وتكشفت ملامحها خلال الأزمة الراهنة التي تعصف بسوريا. فحتى بداية شهر شباط/فبراير 2015، تعرض ما لا يقل عن 64% من اللاجئين الفلسطينيين إما للتهجير داخل سوريا نفسها أو إلى خارج حدودها نتيجة لأعمال العنف التي تدور رحاها في البلاد. وفي الوقت الذي يواجه فيه اللاجئون الفلسطينيون مخاطر جمة في سوريا، أقدم الأردن ولبنان على إغلاق حدودهما في وجههم، بينما تركوها مفتوحة أمام السوريين. وعلى خلاف أقرانهم من اللاجئين السوريين، لم ينل اللاجئون الفلسطينيون الذين نزحوا من سوريا إلى مصر ولبنان والأردن الاعتراف بهم بصفتهم لاجئين، ولم يحظوا بالقدرة ذاتها على الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الأخرى. وقد ترك إنكار حق العودة، الذي يقترن مع السياسات غير القانونية أو التمييزية على الأقل في البلدان المضيفة، الفلسطينيين في وضع عائم، وجعلهم عاجزين في بعض الحالات عن العثور على ملاذ مؤقت يؤويهم.[20]
 
3. غياب وكالة مُكلفة بحماية المهجرين الفلسطينيين
شملت لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين ووكالة الأونروا الفلسطينيين الذين تعرضوا للتهجير داخل إسرائيل إبان النكبة التي حلت بفلسطين ضمن العمليات التي نفذتاها في تأمين الحماية وتقديم المساعدات لهم في بادئ الأمر. وفي العام 1952، أشارت إسرائيل إلى أنها ستتولى المسؤولية تجاه الفلسطينيين المهجرين في إقليمها. وبناءً على ذلك، حولت الأونروا ملفات هؤلاء المهجرين إلى الحكومة الإسرائيلية وتوقفت عن تقديم الخدمات لهم. وعلى الرغم من عدم التوصل إلى حل دائم للمحنة التي ألمت بهم، لم يعد المهجرون الفلسطينيون المقيمون في إسرائيل يشكلون محورًا من محاور الاهتمام الدولي والسياسات الدولية، ولم يعودوا يعتبرون ذوي صلة بالمساعدات الإنسانية الدولية أو المساعي التي تعنى بتوفير الحماية لأمثالهم من المهجرين.
 
وفضلًا عما تقدم، فعلى الرغم من الالتزامات الواجبة على إسرائيل بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، فهي ما تنفك تنفذ منذ العام 1967 السياسات التي تفرز - في واقع الحال - أوضاعًا تفضي إلى التهجير القسري للفلسطينيين الذين يعيشون في الأرض الفلسطينية المحتلة.[21] ومن الواضح أن إسرائيل لا تؤمن للفلسطينيين الحماية التي يقررها القانون الدولي. ونتيجة لذلك، يعتبر نحو 718,823 فلسطينيًا في عداد المهجرين على جانبي الخط الاخضر.[22]
 
سد الفجوات التي تشوب الحماية
لقد أمست الآليات التي صُممت في بادئ الأمر لتوفير الحماية الخاصة للاجئين الفلسطينيين تفتقر إلى الفعالية، ولا سيما لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، لطائفة من الأسباب، أهمها غياب الإرادة السياسية. ولم يكن النجاح من نصيب هذه اللجنة التي كُلفت، من جملة أمور، بالبحث عن حلول دائمة تتكفل بوضع حد للمحنة التي أصابت هؤلاء اللاجئين ووضع هذه الحلول موضع التنفيذ. وعلى الرغم من أن وكالة الأونروا عملت على تعزيز نشاطات الحماية التي تنفذها، فما يزال اللاجئون الفلسطينيون يفتقرون إلى الحماية، سواء منهم من يقطن في المناطق التي تنفذ الوكالة عملياتها فيها (لبنان وسوريا والأردن والأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967) أو من يقيم خارج هذه المناطق. ولا تضطلع أي مؤسسة دولية بالبحث عن حلول دائمة وشاملة، بما فيها جبر الضرر الواقع على اللاجئين الفلسطينيين. وعلاوةً على ذلك، لا تملك وكالة الأونروا السلطة التي تخولها الدفاع عن حق هؤلاء اللاجئين في العودة إلى ديارهم.
 
وعقب 67 عامًا من صدور قرار الأمم المتحدة (194)، فقد باتت الضرورة تقتضي الارتقاء بولاية الحماية التي تملكها وكالة الأونروا والمصادقة عليها بصورة قانونية بغية التأكد من تكليفها بتأمين الحماية القانونية لجميع اللاجئين الفلسطينيين، أو إعادة تفعيل لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين لكي تتمكن مرة أخرى من تيسير التوصل إلى حلول عادلة ودائمة للاجئين الفلسطينيين.
 
وفي ضوء الجمود الذي يلف اللجنة المذكورة، تقتضي الضرورة كذلك التأكيد على الالتزام الذي يقع على عاتق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بسد فجوة الحماية الناجمة عن الولاية القاصرة التي تملكها وكالة الأونروا في هذا الخصوص. فمن الواضح أن المفوضية لم تنفذ الصلاحيات التي تخولها المادة 1(د) لها، وذلك بالنظر إلى أنها لا تقدم خدماتها إلا لما مجموعه 97,235 لاجئًا من أصول فلسطينية،[23] على الرغم من أن عددًا أكبر بكثير من اللاجئين الفلسطينيين لم يعودوا يتمتعون بالحماية الفعالة التي تقدمها أي أجهزة أخرى.
 
وتعتبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الهيئة الدولية التي تتولى المسؤولية عن تقديم المساعدات والحماية للاجئين الفلسطينيين المقيمين خارج مناطق عمليات الأونروا. ويجد عدد ليس بالقليل من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم محرومين من الحقوق التي تكفلها الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 عندما يسعون إلى تقديم طلبات اللجوء. وباتت الحماية التي ينبغي للسلطات والمحاكم الوطنية تأمينها للاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم في العامين 1948 و1967، على وجه الخصوص، لا تتسم بالفعالية أو الكفاءة نتيجة للإحجام عن تطبيق المادة 1(د) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951، أو بسبب إساءة تفسيرها.
 
وفضلًا عن ذلك، يتعين على الدول الأطراف في الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 أن تتحمل المسؤولية وأن تدرج المادة 1(د) منها ضمن تشريعاتها الوطنية وأن تضمن تفسيرها وتطبيقها على الوجه الصحيح على قضايا اللجوء التي يرفعها الفلسطينيون. وعلى هذا المنوال، ينبغي للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية أن توظف الآليات التي تعتمدها الجامعة في حماية اللاجئين.
 
كما ينبغي السماح للمجتمع الدولي، من خلال وكالة الأونروا وأجهزة الأمم المتحدة، بأن يقدم المساعدة والحماية للفلسطينيين الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية إلى أن يأتي الوقت الذي تباشر فيه إسرائيل مسؤولياتها في حماية حقوقهم. فمع أن إسرائيل ادعت أنها ستتولى المسؤولية عن الفلسطينيين المهجرين ضمن حدود إقليمها،فلم يطرأ أي تعديل على الولاية المنوطة بالأونروا بحيث يستبعد المهجرين الفلسطينيينالذي يقيمون في الإقليم الذي احتلته إسرائيل في العام 1948. ومع ذلك، تستطيع الوكالة - من الناحية القانونية - أن تستأنف ولايتها على هؤلاء المهجرين لغايات تقديم المساعدات الإنسانية لهم.
.
 
فجوة الحماية الأخيرة
ما تزال المعضلة الرئيسية التي تواجه اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين بعد 67 عامًا من صدور قرار الأمم المتحدة (194) تنحصر في انعدام استعداد إسرائيل لتأمين الحماية للفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل وفي الأرض الفلسطينية المحتلة. فما تفتأ إسرائيل تعوق تنفيذ الحلول العادلة والدائمة التي ترمي إلى تسوية أوضاع اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين برفضها الالتزام بالقانون الدولي وتنفيذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بشأنهم.
 
وبما أن كافة اللاجئين الفلسطينيين هجروا مما اصبح يعرف بـ "إسرائيل"، فإقليمها نفسه هو مسقط رأسهم. ولهذا، تعد إسرائيل ملزَمة بموجب أحكام القانون الدولي وقواعده بالسماح لهؤلاء اللاجئين بالعودة إلى ديارهم. فمن شأن حق العودة أن يضع حدًا لدائرة التهجير القسري الذي ما يزال الفلسطينيون يعانون منه ويكابدونه منذ 67 عامًا. ومع ذلك، يستحق اللاجئون الفلسطينيون الحماية الكاملة إلى حين إعمال مبدأ جبر الاضرار التي ألمت بهم، بما يشمله من تأمين عودتهم إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم وتعويضهم. وعلى المجتمع الدولي أن يتخذ الخطوات الضرورية لمعالجة هذه المسائل قبل أن يطرأ المزيد من التدهور على وضع اللاجئين الفلسطينيين واستفحال غياب الحماية الواجبة لهم.
 

-----------------------------------------------------------
أمايا الأرزة: باحثة قانونية في مركز بديل.
ميس ميلين: طالب دكتوراه، متطوع في وحدة الأبحاث في مركز بديل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الجمعية العامة للأمم المتحدة، "القرار 273(3) - قبول إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة، 11 أيار/مايو 1949،
http://daccess-dds-ny.un.org/doc/RESOLUTION/GEN/NR0/044/44/IMG/NR004444.pdf?OpenElement

[2]Ruth Lapidoth, Do Palestinian Refugees Have a Right to Return to Israel?, 15 Jan 2001, http://www.mfa.gov.il/mfa/foreignpolicy/peace/guide/pages/do%20palestinian%20refugees%20have%20a%20right%20to%20return%20to.aspx

[3]UN General Assembly, “Resolution 194(III) – Palestine: Progress Report of the United Nations Mediator”, 11. December 1948. http://www.un.org/en/ga/search/view_doc.asp?symbol=A/RES/194(III)&Lang=E&Area=RESOLUTION

[4]الجمعية العامة للأمم المتحدة، "القرار 302(4) - مساعدة اللاجئين الفلسطينيين"، 8 كانون الأول/ديسمبر 1949
http://www.unrwa.org/ar/who-we-are/advisory-commission/general-assembly-ares302-iv

[5] الجمعية العامة للأمم المتحدة، "النظام الأساسي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، 8 كانون الأول/ديسمبر 1950،
https://www1.umn.edu/humanrts/arab/b084.html

[6]UNHCR, “Revised Note on the Applicability of Article 1D of the 1951 Convention relating to the Status of Refugees to Palestinian Refugees”. October 2009. http://www.refworld.org/docid/4add77d42.html

[7]UNHCR, “Note on UNHCR’s Interpretation of Article 1D of the 1951 Convention relating to the Status of Refugees and Article 12(1) (a) of the EU Qualification Directive in the context of Palestinian refugees seeking international protection” page 2. May 2013. May 2013. http://www.refworld.org/docid/518cb8c84.html

[8]Akram, Susan M. and Terry Rempel, Recommendations for Durable Solutions for Palestinian Refugees: A Challenge to the Oslo Framework in “The Palestine Yearbook of International Law Online” Vol. 11 Issue 1. 2001. Page 20

[9]UNCCP, “Progress Report of the United Nations Conciliation Commission for Palestine” Para. 79 and 87, http://israelipalestinian.procon.org/sourcefiles/ispaldoc1951.pdf; See also Parvathaneni, Harish, UNRWA’s Role in Protecting Palestine Refugees in Terry Rempel (Edt.) “Rights in Principle – Rights in Practice: Revisiting the Role of International Law in Crafting Durable Solutions for Palestinian Refugees”. Page 15. 2009. http://www.badil.org/phocadownloadpap/Badil_docs/publications/ex-forum-layout-final-S.pdf

[10]UNRWA, “Programme Budget 2014-2015,” August 2013, para.5.3, http://www.unrwa.org/sites/
default/files/2014-2015_programme_budget_blue_book.pdf.

[11] بعد أن طُرد الفلسطينيون من الكويت في العام 1991، أكد المفوض العام لوكالة الأونروا في حينه خلال اجتماع عقده مع الجهات المانحة على أن الوكالة تتحمل المسؤولية تجاه الفلسطينيين الذين "تضطهدهم حكومة الكويت وتطاردهم وتطردهم من أراضيها بسبب الافتراض القائل بأنهم قدموا الدعم والمساندة للاحتلال العراقي". وعلى الرغم من أن ولاية الوكالة تقتصر على المناطق الخمس التي تزاول عملياتها فيها، فقد وضح المفوض العام أنه يفضل اعتماد توجه عملاني: "إنني أعتبر أن المسؤولية الملقاة على عاتق الأونروا تتسع لتشمل جميع الفلسطينيين في منطقة الشرق الأوسط [بما فيها الكويت]. وإذا قُدِّر للغموض أن يراوح مكانه في هذا الخصوص، فسوف يتسبب هذا الأمر في تأخير تأمين الحماية الخاصة وتنفيذ النشاطات الإنسانية التي ترعاها الأمم المتحدة." ونتيجة لذلك، أرسلت وكالة الأونروا بعثة خاصة إلى الكويت في الفترة الواقعة بين شهريّ تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر 1992 من أجل تقييم وضع من تبقى من الفلسطينيين في الكويت (وثيقة الأمم المتحدة رقم A/48/13, 7). وعملت هذه البعثة على أساس من التنسيق الوثيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ومع ذلك، كانت الآثار التي أفرزتها البعثة المذكورة محدودة. انظر:
Takkenberg, “The Status of Palestinian Refugees in International Law”, April 1998, p. 300–301.

[12] مركز بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، "مسح اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين 2013-2015، الإصدار الثامن"، 2015، الفصل الثالث.

[13]Brenda Goddard, “UNHCR and the International Protection of Palestinian Refugees,” Refugee Survey Quarterly 28, no. 2–3 (2009): 475–510, doi:10.1093/rsq/hdp045.

[14] لم يكن في وسع مركز بديل أن يدرج اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا في هذا المسح بسبب الأزمة الراهنة التي تعصف بالقطر السوري، إلا من خلال مجموعتين بؤريتين. مركز بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، "مسح اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين 2013-2015، الإصدار الثامن"، 2015، ص. 3.

[15] مركز بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، "سد فجوات الحماية الدولية: الدليل الخاص بحماية اللاجئين الفلسطينيين في الدول الموقعة الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 (الطبعة الثانية)"، ص. 316. وهذا الدليل منشور على الموقع الإلكتروني:
http://www.badil.org/phocadownload/Badil_docs/publications/handbook-ar.pdf

[16] المصدر السابق.

[17] مركز بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، "مسح اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين 2013-2015، الإصدار الثامن"، 2015، ص. 63.

[18] المصدر السابق.

[19]المصدر السابق.

[20] منظمة مراقبة حقوق الإنسان (Human Rights Watch)، "الأردن: يجب أن يضغط أوباما على الملك عبدالله لوقف إعادة طالبي اللجوء". 21 آذار/مارس 2013.
https://www.hrw.org/ar/news/2013/03/21/249119
 

[21] انظر سلسلة أوراق العمل التي نشرها مركز بديل حول التهجير القسري للسكان، وهي منشورة على الموقع الإلكتروني للمركز:
at badil.org/publication/research/working-papers.html

[22] مركز بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، "مسح اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين 2013-2015، الإصدار الثامن"، 2015، ص. 33.

[23]UNHCR, 2015 UNHCR Subregional operations profile - Middle East, December 2014, http://www.unhcr.org/pages/49e486826.html