ثورة القدس تجسيد لقرار 194: حق العودة وحق الوصول الى المقدسات

في ذكرى النكبة، بيت لحم، آيار 2015 (تصوير: مركز بديل( في ذكرى النكبة، بيت لحم، آيار 2015 (تصوير: مركز بديل(

 بقلم: عبد الحميد ابو النصر*
 
لم يكن قرار هبة 2015 أو ما عرفت "بإنتفاضة القدس" مفاجئاً على الصعيد الشعبي، حيث جاءت هذه الهبة نتيجة تراكم القمع لسنوات طويلة أوغلت خلالها إسرائيل في العدوان من خلال نكبتين وانتفاضتين وثلاثة حروب وما بينها من استمرار للتهجير القسري الذي ترتكبه إسرائيل بحق السكان الفلسطينيين من أجل بناء مستعمرات يهودية إسرائيلية. كما واسترسلت إسرائيل في إنتهاك القرار 194 بكافة بنوده بدءاً من حرمان اللاجئين والمهجرين من ممارسة حقهم بالعودة وصولاً إلى انتهاك حرمة الأماكن الدينية وحرمان الفلسطينيين من الوصول إليها.

إندلعت شرارة الهبة من مدينة القدس التي ترزح تحت نير السياسات الإستعمارية الإسرائيلية والتي بكافة أشكالها وعلى اختلافها تهدف إلى إفراغ القدس من الفلسطينيين. فقد شكّلت وفرضت هذه السياسات بمختلف أشكالها واقعاً صعباً على المقدسيين بهدف تضييق الخناق عليهم وإجبارهم على مغادرة المدينة. شددت إسرائيل إجراءاتها القمعية بحق المقدسيين الذين يواجهون هذه السياسات مثل سياسة هدم البيوت التي لم تقتصر على هدم المنشآت بحجة عدم إمتلاك تصاريح بناء، وإنما إمتدت لتشمل منازل وبيوت الشهداء لمعاقبة عائلاتهم. كما فرضت على المقدسيين قيوداً على حرية حركتهم؛ الأمر الذي خلق واقعاً صعباً على حياة المقدسيين اليومية، بالإضافة إلى سياسة سحب الهويات من المقدسيين التي تهدف إلى تحويل المقدسيين إلى لاجئين جدد وإفراغ المدينة من سكانها.   

شكلت السياسات السابقة بالإضافة إلى محاولات تقسيم الحرم القدسي على غرار الحرم الإبراهيمي تراكماً وضغوطاً على المقدسيين مما أدى إلى إنفجار الهبة. في ظل تراكم هذه الظروف اللاإنسانية، وفي ظل اصرار اسرائيل على ضرب القرارات الدولية بعرض الحائط، جاءت الهبة لتعيد القرار 194 الى الواجهة ولكن بوجهه الاخر. هذا القرار الذي حمل في طياته بنودا لا تقل اهمية عن البند الحادي عشر المتمثل في التأكيد على حق العودة والتعويض كحق ثابت لا حياد عنه، وذلك فيما جاء في البند السابع والثامن والتاسع من القرار اللذين يقضيان بالسماح بحرية وصول المصلين الى الحرم، والعودة بوضع القدس الى سابق عهدها ووضعها تحت وصاية الامم المتحدة. لقد أوصى القرار ان يكون مقر لجنة المتابعة الدولية في القدس، وهذا ما تجاهلته اسرائيل طوال سنوات الاحتلال، حتى في المحافل الدولية كان يذكر القرار وكأنه يخص اللاجئين الفلسطينيين فقط ويتجاهل حق المواطنين بالوصول الى القدس.

كانت تصريحات نتانياهو بأن لا عودة للمفاوضات الا بشطب حق العودة والإعتراف بيهودية إسرائيل سببا آخر عجل في الهبة، التي جاءت لتعيد الهيبة لقرار 194 وفرضه على المشهد العربي والدولي وما يحمله في طياته من مجموع حقوق الشعب الفلسطيني. أكدت الهبة أن هذا القرار جزء من الالتزامات غير المنفصلة والمتكاملة وأن عدم تنفيذ العودة جراء عدم تنفيذ القرار لم يعنِ بالمطلق نسيان حق الوصول للمقدسات وحريات العبادة. وعليه، تجيئ هذه الهبة مكملة للنضال الوطني الشمولي الممتد منذ سنوات طوال في الوطن والشتات، والذي يرنو من بين اشياء اخرى نحو تنفيذ القرار بحق عودة اللاجئين المتعطشين لإنهاء معاناتهم المتوارثة وتقرير مصيرهم.  
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القيادة الفلسطينية في ابراز القرار 194 وكافة بنوده في المحافل الدولية من خلال فرض وقائع سياسية وقانونية لا يمكن تجاوزها. لم يعد مقبولا تجزئة وفصل بنود هذا القرار عن سندها القانوني الاصل. إن التعامل مع هذا القرار يقتضي من القيادة الفلسطينية اعادة الاعتبار له من خلال طرحه في المحافل الدولية باعتباره مادة واضحة الصياغة لا تنفصل بنودها وفق الشرائع الدولية. وبكلمات اخرى، يجب ابراز ان القرار يتضمن هدفين متكاملين هما: حق العودة واستعادة الممتلكات والتعويض، وحق وصول المواطنين الى القدس والحفاظ على وضعها الفلسطيني.

 وانطلاقا من هذا المفهوم فإن على القيادة دعم الهبة الجماهيرية؛ لا لتشمل فقط القدس والارض الفلسطينية المحتلة، بل ينسحب ذلك على الشتات الذي يطمح للالتحام. من خلال ذلك، يتجسد التكامل في مشهدين: مشهد اقتحام السياج الحدودي على غرار ما حدث سابقا بين فلسطين التاريخية ودول الجوار من قبل المهجرين الذين وصلوا الى يافا وحيفا، ومشهد اقتحام جدار واسيجة الفصل العنصري بين غزة والضفة الغربية والحواجز المفروضة على القدس. ومن هنا نكون امام صورة كاملة لمشهدين يتمثلان في السعي لتطبيق قرار واحد وثابت وهو 194، هذا القرار الذي لا يزال يؤرق دولة الاحتلال باعتباره القرار الاهم والهاجس بمكوناته التي تضرب عصب الرؤية الاحتلالية وتعطي الحق لشعب فلسطين بتجسيده من خلال شرعية دولية لا لبس فيها رغمعدم قيام الامم بتنفيذه على الارض.

------------------------------------------------------------- 

عبد الحميد ابو النصر: رئيس مجلس بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية، كاتب ومؤرخ فلسطيني.