من الفصل العنصري إلى إنجاز العدالة للاجئين الفلسطينيين

بقلم: جيف هاندميكر*
 
مقدمة
 
ما يزال اللاجئون الفلسطينيون يخوضون الكفاح في وجه نظام الفصل العنصري والإقصاء الاجتماعي الذي تنفذه إسرائيل بحقهم، ويناضلون في سبيل نيل الاعتراف بحقوقهم القانونية. ويرتبط الكفاح الذي يخوضه اللاجئون الفلسطينيون لتحصيل الاعتراف القانوني بهم وتأمين الحماية الواجبة لهم، بالإضافة إلى كفالة عودتهم إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم، بالكفاح الجماعي الأعم الذي يخوضه الفلسطينيون بعمومهم ضد نظام الفصل العنصري الذي تطبقه إسرائيل عليهم. فقد عمل هذا النظام، بما ينطوي عليه من أبعاد قانونية واجتماعية واقتصادية وسياسية، على مأسسة التمييز الذي تمارسه إسرائيل بحق المقيمين غير اليهود في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها شرقي القدس، والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان منذ العام 1967، وبحق المقيمين غير اليهود في إسرائيل منذ العام 1948.[1]


ويتجلى السياق التاريخي التي ترد فيه قضية اللاجئين الفلسطينيين،بصورة مبدئية، في المساعي المنهجية التي بذلها الصهيونيون الذين أسسوا إسرائيل في العام 1948، والتي سعوا من خلالها إلى إعمال ’التطهير العرقي‘ في الأرض الفلسطينية بغية إرساء أغلبية يهودية والإبقاء عليها فيها.[2]
  
فمنذ أن هُجّر الفلسطينيون من ديارهم للمرة الأولى في العام 1948، لم يكفل النظام القانوني الإسرائيلي الاعتراف الكامل إلا للجنسية اليهودية، مستثنيًا بذلك غير اليهود من طائفة متنوعة من الخدمات والحقوق والامتيازات.[3] وبذلك، فلا وجود للجنسية الإسرائيلية على الإطلاق.[4]
 
وتتسم حركات الكفاح الفردية والجماعية التي يخوضها الفلسطينيون في مواجهة منظومة الفصل العنصري الإسرائيلية بالتداخل والتشابك، كما تتعارض في حالات كثيرة مع المساعي التي ترمي إلى تأمين الاعتراف السياسي بفلسطين. وقد أحرزت مشاركة أبناء الشعب الفلسطيني، بصفتهم أصحاب المصلحة المدنيين الرئيسيين، في الكفاح الذي طال أمده في سبيل إنجاز تقرير المصير، خطوة إلى الأمام بفضل اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين "دولة غير عضو بصفة مراقب"، بيد أن هذا الاعتراف لم يتكفل بإيجاد حل للمحنة التي يعاني اللاجئون الفلسطينيون منها.
 
لقد جرى إقصاء عدد لا يستهان به من اللاجئين الفلسطينيين من النظام القانوني الدولي المعني بحماية اللاجئين، ومن الولاية الموكلة إلى المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بحكم القصور الذي يشوب تعريف الشخص اللاجئ.[5] ففي بادئ الأمر، مُنح اللاجئون الفلسطينيون الحماية القانونية من خلال وكالة مستقلة من وكالات الأمم المتحدة، وهي لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين. وقد واكب الفشل هذه اللجنة بعد سنتين من مباشرة عملها. وبذلك، تُرك الأمر لوكالة أخرى تتبع الأمم المتحدة - وهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) - لتقديم المساعدات الإنسانية. ولا تملك هذه الوكالة الولاية التي تخولها تأمين الحماية القانونية الواجبة لهؤلاء اللاجئين، مما أفرز ’فجوة قانونية تعتري هذه الحماية‘.[6]
 
وقد فُرضت قيود عسيرة على المساعي التي عُنيت بتأمين الحماية القانونية للاجئين الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة وفي البلدان المجاورة بسبب ما تقوم به إسرائيل من حرمان غير اليهود من الجنسية. وعلى هذا الأساس نفسه، لم تفضِ الجهود التي بُذلت في سبيل مواجهة السياسات التي ما تزال إسرائيل تنفذها في تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم وسلبها منهم، واحتلالها الحربي والعسكري الذي ما يزال مستمرًا منذ عقود، إلى تحقيق أي نتائج ملموسة. فعلى الرغم من البيانات التي يتواتر صدورها عن هيئة الأمم المتحدة وغيرها بإدانة سلوك إسرائيل وشجبه، تُعتبر التنازلات المحدودة التي قدمتها إسرائيل تجميلية في معظمها. كما تضطلع المحكمة العليا الإسرائيلية بدور محوري وأساسي في ترسيخ نظام الفصل العنصري الذي تنفذه إسرائيل وإرساء دعائمه. وقد أفلحت المحكمة في إنجاز هذه المهمة من خلال تقديم تفسير ملتوٍ وموارب في جانب كبير منه للقانون الدولي، وذلك على نحو يشبه فرضية ’الاستثناء‘ التي تتمسك المحاكم بها في الولايات المتحدة.[7]
 
وعلى المستوى السياسي الرسمي، لم يسبق أن أتيحت الفرصة أمام اللاجئين الفلسطينيين بصفتهم مجموعة متميزة للمشاركة في المساعي المتتالية التي رمت إلى تحقيق تسوية من خلال المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين التي كان الفشل من نصيبها. وفي الواقع، تعمدت هذه المساعي التي عُنيت ’بتحقيق السلام‘ إقصاء هؤلاء اللاجئين عن المشاركة فيها، مما تسبب في تقويض آفاق ما يسمى بحل الدولتين. وفي المقابل، ما يزال اللاجئون الفلسطينيون يشاركون، على المستوى السياسي والاجتماعي غير الرسمي، بصورة فاعلة في مقاومة تدابير الفصل العنصري التي تمارسها إسرائيل ويصرون على حقهم في العودة إلى أراضيهم وديارهم، بصفتهم يتمتعون بالحماية التي يكفلها القانون الدولي. وتشكل هذه الحماية مبدأ من مبادئ الحركة العالمية التي حققت نجاحًا منقطع النظير في مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.[8]
 
ومع ذلك، ما يزال وجود الالتزامات التي يمليها القانون الدولي - ولا سيما حقوق الإنسان -ومشاركة اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم أصحاب المصلحة المدنيين الرئيسيين ينطوي على إمكانيات كبيرة، من ناحية الكفاح الذي يخوضونه في سبيل تحصيل الاعتراف القانوني بهم وتأمين الحماية القانونية اللازمة لهم، وفي سبيل توسيع الآفاق المتاحة للتوصل إلى سلام عادل عبر المفاوضات.
 
2- إعادة التعاطي مع القانون الدولي
تعتمد إجراءات القانون الدولي، سواء من ناحية ما يشمله من قواعد شارعة أم من ناحية الوظيفة التي يؤديها، اعتمادًا كاملًا على مدى استعداد الدول ومدى الصلاحيات التي تملكها في إنفاذه وإعماله على المستويين الفردي والجماعي. فما تفتأ المصالح السياسية، وتلك المصالح التي تخص الدول التي تحظى بالنفوذ والتأثير بصفة عامة، تؤطر إجراءات القانون الدولي من ناحية الوظيفة التي يضطلع بها. ولا يثير دهشة المرء أن هذه المصالح لا تتقاطع في جميع الأحوال مع مصالح الدول التي لا تبلغ ذات القدر من النفوذ والتأثير، ناهيك عن الأشخاص الذين يقطنون في هذه الدول. ومع ذلك، فمن وجهة نظر مدنية، باتت الوعود النموذجية التي تتضمنها وثائق القانون الدولي ملزِمة للمدافعين على العدالة الاجتماعية، مما أفضى إلى تجنيد هذه الوثائق والاحتكام إليها على المستويين الوطني والدولي.
 
وفي سياق الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين، تنطوي ثلاث من وثائق القانون القانوني التي يمكن استخدامها وتوظيفها بخصوصهم على فائدة خاصة. وهذه الوثائق هي الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية في العام 2004 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، والتفسيرات الواردة في القانون الدولي بشأن اللاجئين (وإعادة تفسيره)، وفرضية الحماية المؤقتة.
 
2-1 فتوى محكمة العدل الدولية، 2004
أحالت الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ساورها القلق من الآثار الناشئة عن الجدار الذي تشيده إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، المسألة إلى محكمة العدل الدولية، وطلبت إليها بيان رأيها بشأن الصفة القانونية لتشييد هذا الجدار (من انعدامها). وبذلك، فقد أعادت الجمعية العامة، من خلال طلب هذه الفتوى، ربط الدول والأجهزة التابعة للأمم المتحدة بالقانون الدولي. ومما يتجلى في التسبيب الذي تسوقه فتوى المحكمة الصراع القائم بين إسرائيل والفلسطينيين، الذي وصفه علي أبو نعمة وآخرون بـ’الطريق المسدود‘،[9] الذي لا يمكن تجاوزه دون الاحتكام إلى القانون الدولي والالتزام بما جاء فيه.
 
وأكدت الاستنتاجات الرئيسية التي خلصت إليها فتوى المحكمة الصادرة في العام 2004 على وجود جملة من الالتزامات الملزِمة التي يمليها القانون الدولي. فبادئ ذي بدء، أكدت المحكمة على وجود الشعب الفلسطيني الذي يملك الحق في تقرير مصيره، وهذه مسألة تحتل أهمية قصوى بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين يطالبون بحقهم الجماعي في العودة إلى أرض وطنهم. ثانيًا، أعلنت محكمة العدل الدولية أن طائفة من السياسات والإجراءات التي تنفذها إسرائيل تخالف أحكام القانون الدولي وقواعده. وعلى وجه الخصوص، أعلنت المحكمة إن إسرائيل تنتهك القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بما يشمله ذلك ما تقوم به من ضم غير قانوني للأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات غير القانونية وتشييد شبكات البنية التحتية التي تعود بالفائدة على المستعمرين اليهود-الإسرائيليين وحدهم. وفضلًا عن ذلك، خلصت المحكمة إلى أن إسرائيل تنفذ ’نظامًا يرتبط‘ بجدار الضم والفصل العنصري، بحيث ينطوي على تواجد عسكري مكثف لجنودها على عدة مئات من الحواجز العسكرية، بالإضافة إلى إقامة المباني المؤقتة والدائمة أو شبه الدائمة، بما فيها السواتر الترابية التي تفرض قيودًا جمة على حركة الفلسطينيين، ولا سيما اللاجئين، الذين يقيمون في المخيمات المكتظة بالسكان. ثالثًا، أكدت محكمة العدل الدولية على أن المسؤولية لا تقع على كاهل إسرائيل وحدها، بل على كاهل ’جميع الدول‘ التي تقع تحت التزامات تفرض عليها ضمان احترام القانون الدولي. وبعبارة أخرى، يوجد مبدأ يقضي بقيام المسؤولية الجماعية عن ضمان الامتناع عن الاعتراف بالوضع الناشئ عن الانتهاكات التي توقعها إسرائيل على القانون الدولي أو تقديم الدعم أو العون لهذا الوضع، وعن إخضاعها للمساءلة عن هذه الانتهاكات.[10]
 
وقد جاءت الردود التي وردت على هذه الفتوى متفاوتة ومتباينة. فمن جانب، عمدت منظمات حقوق الإنسان والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة وغيره من الأطراف التي تبدي الاهتمام بالتوصل إلى حل عادل للمأزق الراهن والصراع الذي ما تزال رحاه دائرة بسببه إلى إيراد إشارات مسهبة إلى هذه الفتوى والاستشهاد بها على نطاق واسع. ومن جانب آخر، أبدت الدول والمؤسسات الرئيسية التابعة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الدولي، تقاعسًا مشهودًا في اتخاذ الإجراءات المطلوبة بشأن الفتوى المذكورة. وفيما خلا حفنة من القضايا التي لجأت فيها المحكمة العليا الإسرائيلية إلى إجبار الحكومة على تعديل مسار الجدار، مع ما اقترن به ذلك من تكبد تكلفة إضافية باهظة،[11] فإن هذا الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية لم يفرز أي أثر على سلوك إسرائيل تقريبًا.[12]
 
وفي العام 2006، شرعت إسرائيل في تنفيذ سلسلة من الإجراءات العسكرية التي ألحقت دمارًا وخرابًا واسعين بقطاع غزة بعد أن أزالت مستعمراتها وسحبت حواجزها العسكرية منه. ومع ذلك، فما تزال إسرائيل تحتل القطاع من خلال سيطرتها على حدوده. وفي العملية المعروفة باسم ’عملية أمطار الصيف‘، صرح الجيش الإسرائيلي بأن الهدف الذي سعى إلى تحقيقه يكمن في استعادة جندي إسرائيلي (أسرته مجموعة عسكرية تابعة لحركة "حماس" في عملية عسكرية مشروعة من الناحية القانونية) ووضع حد للصواريخ التي كانت تطلَق من قطاع غزة باتجاه إسرائيل.[13] ولكن فشلت هذه العملية في أي من هذين الهدفين عقب أسابيع من القصف المكثف الذي استهدف أعيانًا مدنية والبنية التحتية المدنية وسبّب أزمة إنسانية شاملة.[14]
 
وواصلت إسرائيل عدوانها، الذي لا يتسم بالتكافؤ وتنتفي صفة المشروعية عنه، في حملات عسكرية شنتها على قطاع غزة عقب عملية ’أمطار الصيف‘ المذكورة، ولا سيما في العامين 2008-2009 و2014. وقد تجاهلت إسرائيل، في خضم هذه الحملات العسكرية، الدعوات التي وجهها مجلس الأمن الدولي إليها بوقف إطلاق النار. كما اتُّهم الجيش الإسرائيلي باقتراف جرائم حرب دفعت السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف إلى رفع طلب إلى المحكمة الجنائية الدولية للنظر فيها. وما تزال المدعية العامة للمحكمة تجري دراسة أولية حول الوضع في فلسطين حتى وقت كتابة هذه المقالة.
 
وبالنظر إلى أن معظم الدول لم تبدِ الاستعداد لاتخاذ الإجراءات المطلوبة من خلال أنظمة المحاكم التي تعتمدها، تمثل المحكمة الجنائية الدولية في العديد من جوانبها الأمل الأخير الذي يتشبث به الفلسطينيون، الذين لم يغب عن ناظريهم أن إسرائيل دأبت على الإفلات من الإدانة، ناهيك عن العقوبة، التي ينبغي أن تفرضها الدول الأخرى عليها. ولم يتسبب هذا الوضع في تقويض إحدى الدعائم الجوهرية التي ينبني القانون الدولي الإنساني عليها (حماية المدنيين)، بل يسّر إفلات إسرائيل من العقوبة على الدوام على أرض الواقع.[15]
 
وقد أفرز ما تقوم به إسرائيل من تجاهل للقانون الدولي، وما اقترن به من تخلُّف الدول الأخرى عن إخضاعها للمساءلة والمحاسبة عن العمليات العسكرية غير المتكافئة التي شنتها على قطاع غزة، آثارًا كارثية على اللاجئين الفلسطينيين، الذين يشكلون أغلبية سكان القطاع (67%) على وجه الخصوص.[16] ومما زاد الطين بلة أن تشييد جدار الضم والفصل العنصري أفرز فئات جديدة من اللاجئين، حيث أدى إلى تهجير المزيد من الفلسطينيين الذين عانى بعضهم من التهجير القسري في العام 1948 أو العام 1967 أو في فترات أخرى من النزاع الذي طال أمده.[17]
 
وعلى الرغم من هذا التجاهل الجسيم للقانون الدولي، يتمثل الحل - حسبما يرتئيه دوغارد(Dugard) وغيره - في إعادة التعاطي مع قواعد القانون الدولي وتطبيقه وفق المقاصد التي يرمي إليها. وتؤكد محكمة العدل الدولية على هذا الأمر. كما برز هذا التسبيب القانوني فيما بعد باعتباره أساسًا محوريًا ارتكزت عليه الحملة المدنية التي تسعى إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.[18]
 
2-2 قانون اللاجئين
 
كما ذكرنا أعلاه، يستبعد النظام العالمي لحماية اللاجئين العدد الأكبر من الفلسطينيين من نطاقه. وفي هذا السياق، لا تولي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سوى قدر ضئيل من الانتباه للمحنة التي ألمّت باللاجئين الفلسطينيين، اللهم إلا التطرق بصورة مقتضبة إلى ذكرهم في تقريرها السنوي. ومع ذلك، باتت المخاوف المتصلة بالحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين تحظى بقدر أكبر من الاهتمام منذ العام 2002 بعدما وضحت المفوضية موقفها بشأن المادة 1(د) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951، وبعدما أصدرت وكالة الأونروا والمفوضية بيانًا مشتركًا بشأن المسؤوليات المنوطة بكل واحدة منهما في هذا الشأن. وفي كل عام في الفترة الواقعة بين العامين 2005 و2007، يرد ذكر اللاجئين الفلسطينيين في التصريحات الصادرة عن المنظمات غير الحكومية، التي تشارك في الاجتماع السنوي للجنة التنفيذية التابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. فعلى سبيل المثال، أوردت هذه المنظمات غير الحكومية التصريح التالي في بيانها المشترك حول الحماية الدولية:
 
ما يزال اللاجئون والمهجرون الفلسطينيون يشكلون أكبر حالات اللاجئين والمهجرين عددًا وأطولها أجلًا، والتي لم تجد لها حلًا بعد، في العالم اليوم. وتحث المنظمات غير الحكومية المجتمع الدولي على مضاعفة المساعي التي ترمي إلى إيجاد الحلول الدائمة والطوعية للمحنة التي تعصف بهم.[19]
 
وقد طرأ تقدم آخر، في غضون السنوات الأخيرة، على صعيد اعتراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، كما شهد المستوى الإقليمي تقدمًا في هذا الشأن كذلك. فقد مثلت التوجيهات التي صدرت عن المجلس الأوروبي في العام 2011 تحولًا حاسمًا في السياسة الرسمية التي تعتمدها أوروبا تجاه طلبات اللجوء التي يقدمها الفلسطينيون. فعلى وجه الخصوص، أسهمت الأحكام القضائية التي أصدرتها محكمة العدل الأوروبية في قضيتيّ البلبول والكوت في تعزيز الانسجام في التفسيرات القضائية على المستوى الوطني أيضًا.[20] وعززت المذكرة الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في العام 2013، التي اشتملت على إعادة تفسير وضع اللاجئين الفلسطينيين، هذه التطورات.[21] وتشير هذه المستجدات السياساتية مجتمعة إلى النية الرسمية التي باتت تتوفر لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والاتحاد الأوروبي بالتخلي عن الوضع السابق الذي لا يعد مقبولًا على الإطلاق بشأن الفلسطينيين، الذين يُنظر إليهم في أفضل أحوالهم على أنهم عديمي الجنسية وانتهى بهم المطاف في حالات ليست بالقليلة في ’المنطقة الحرام‘ التي يشملها قدر لا يكاد يلحظ من الحماية. وبذلك، لا يمكن إبعاد هؤلاء اللاجئين في ذات الوقت الذي لا ينعمون فيه بجميع المزايا المرتبطة بالإقامة القانونية التي تترافق مع الوضع الرسمي الذي يؤول اللاجئون إليه.[22]
 
وقد باتت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ووكالة الأونروا تصدران التقارير الدورية حول وضع الحماية اللازمة للاجئين الفلسطينيين. ومما لا شك فيه أن هذه الجهود الجماعية التي تبذلها المفوضية ووكالة الأونروا وغيرهما من وكالات الأمم المتحدة، مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمات غير الحكومية، أسهمت في تعزيز وضع اللاجئين الفلسطينيين وارتقت به إلى مصاف قضايا الحماية على المستوى الدولي.
 
2-3 الحماية المؤقتة
 
ترتبط إحدى المستجدات الأخرى التي أثارها المحامون الدوليون في مختلف الاجتماعات والمنتديات، بما فيها الاجتماعات التي عقدتها المنظمات غير الحكومية قبيل التئام اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في جنيف في العام 2006، بالعمل على إعداد مقترح شامل لتأمين الحماية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين. ويستند هذا المقترح، الذي أعدته البروفسورة سوزان أكرم بالاشتراك مع تيري ريمبيل (Terry Rempel)، إلى مقارنة شاملة لممارسات الدول وإلى قراءة وافية ومتمعنة للالتزامات الواقعة على الدول تجاه اللاجئين الفلسطينيين، والتي ينص عليها عدد لا يحصى من الوثائق الملزمة.[23]
 
ويفترض مقترح الحماية المؤقتة بأنه يمكن توسيع نطاق ما يُعرف بالشكل ’التكميلي‘ للوضع المحمي الذي يحظى به اللاجئون الفلسطينيون، الذين كان لهم أن يستفيدوا من جميع أوجه الحماية التي تكفلها الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 لو لم ترد فقرة واحدة تقيد استفادتهم منها، وهي الفقرة (د) الواردة في متن المادة الأولى من الاتفاقية. وحسبما نستطرد أدناه، ما تفتأ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تؤكد منذ صدور الاتفاقية المذكورة على أن هذه المادة لا يُقصد بها ترك اللاجئين الفلسطينيين دون أي شكل من أشكال الحماية. وعلى هدي من هذه الروح، فمن شأن الاعتراف المتأتي من خلال وضع الحماية المؤقتة أن يقرر التزامات فردية وجماعية على الدول وأن يثير الحوافز والدوافع التي ترمي إلى حماية الحقوق الأساسية الواجبة للاجئين الفلسطينيين وإيجاد حل دائم للمحنة التي ألمت بهم.[24]
 
2-4 تجنيد القانون الدولي من خلال حملات المناصرة المدنية الإستراتيجية
غالبًا ما تقوم حملات المناصرة المدنية على القانون الدولي في أساسها. وسواء استُنفدت الخيارات القانونية أم لا، فما يزال هناك مجال واسع لإطلاق حملات المناصرة المدنية في إطار السعي نحو تعزيز مساءلة الدول ومحاسبتها عن أفعالها. وحسب التفسير الذي يسوقه آدري نيوهوف (AdriNieuwhof)، وهو محامٍ متخصص في مجال حقوق الإنسان، يمكن إخضاع الأنظمة التسلطية، كدولة إسرائيل، للمساءلة عن أعمالها من خلال مجموعة تتألف من أربع إستراتيجيات ترتبط الواحدة منها بالأخرى. وتتألف ثلاث من هذه الإستراتيجيات من (1) تعميم قائم على الحجج المدروسة للتبريرات القانونية والأخلاقية التي تسوغ الدعوة إلى مساءلة الدول، (2) وممارسة الضغط السياسي، (3) وفرض العزلة الاقتصادية عن طريق حملات مقاطعة الدول المعنية وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. وأخيرًا، يفترض نيوهوف بأن الضرورة تحتم تأمين الدعم والمساندة للهيكليات المدنية التي يجري حشدها وتعبئتها في البلد المعني الذي ترتكب الانتهاكات فيه.[25]
 
وحسبما أثبته مركز بديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين وتحالف حق العودة إلى فلسطين وغيرهما من المنظمات المعنية، يستدعي بناء الخطاب المتعلق بحقوق اللاجئين والذي يعبّر عن التبريرات القانونية والأخلاقية ويفصح عنها اعتماد توجه إستراتيجي يأخذ في الاعتبار الإمكانيات والتحديات التي تنطوي عليها المسارات القانونية المتبعة في المطالبة بهذه الحقوق، إلى جانب مصالح مختلف الأطراف المعنية، والتي تتداخل مع بعضها بعضًا في حالات كثيرة. ويجمع مثل هذا التوجه ما بين اللاجئين في تجمعاتهم والقيادة السياسية والمجتمع الإسرائيلي، ودولًا بعينها والأمم المتحدة في نهاية المطاف، مع المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المدنية الأخرى في جميع أنحاء العالم.
 
كما أثبت تحالف عالمي من النشطاء، بمن فيهم مركز بديل ومؤسسة الحق في رام الله والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة، أن الاعتراف بحقوق الفلسطينيين من خلال اعتماد توجه قائم على الحقوق يمكن أن يعود بالفائدة المرجوة. فمركز بديل يعمل على أساس من الشراكة مع قطاعات معينة من المجتمع الإسرائيلي من خلال إقامة علاقات إستراتيجية مع مؤسسات من قبيل مؤسسة ذاكرات (زوخروت) الإسرائيلية، وهي شبكة تتخذ من تل أبيب مقرًا لها وتضم مدافعين عن حقوق الإنسان. وتدعو هذه المؤسسة إلى رفض ’فقدان الذاكرة الجماعية‘ لدى الإسرائيليين.[26] وفي الوقت نفسه، حظيت مؤسسة الحق بسمعة وصيت على المستوى الدولي بفضل التقارير التي تقدم الحجج المدروسة في توثيق الانتهاكات الممنهجة التي توقعها إسرائيل على القانون الدولي.[27] كما يعمل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية التي تمس القانون الدولي. وعلى غرار مركز بديل ومؤسسة الحق، رفع المركز العديد من المطالبات إلى الأمم المتحدة وفي دول مختلفة على امتداد العالم.[28]
 
وقد باتت هذه المؤسسات الثلاث تتبوأ، بفضل دعوتها إلى إنفاذ القانون الدولي باعتباره بديلًا عن العنف، موقعًا يحظى بالاحترام بصفتها مرجعيات في حقوق الفلسطينيين، بمن فيهم اللاجئين، حيث ترسخت هذه المنزلة بمنحها الصفة الاستشارية لدى الأمم المتحدة.
 
ولعل الأبرز في جميع الحركات الفلسطينية الحملة العالمية التي يقودها الفلسطينيون في سبيل مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها إلى أن تمتثل للقانون الدولي وتتقيد به. وتضرب هذه الحملة، التي انطلقت في العام 2005، جذورها في فرضيات القانون الدولي، وهي:
 
يجب أن تستمر هذه الإجراءات العقابية السلمية حتى تفي إسرائيل بالتزاماتها في الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني - غير القابل للتصرف - في تقرير المصير، وحتى تنصاع بالكامل للقانون الدولي عن طريق:

  1. إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية وتفكيك الجدار.

  2. الاعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لمواطنيها العرب الفلسطينيين.

  3. احترام وحماية ودعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم وتعويضهم كما هو منصوص عليه في قرار الأمم المتحدة رقم 194.[29]

 
3- بعض النتائج والاقتراحات
لقد كان الفشل الذريع حليف الكثير من المساعي التي بذلت من أجل تجاوز الطريق المسدود الذي وصلت إليه إسرائيل والفلسطينيون والتوصل إلى السلام على أساس ’اكتشاف أرضية مشتركة‘، كما ترتبت التداعيات الدامية على هذا الفشل. ولم تفشل هذه المساعي بسبب ما دأبت عليه أطراف عملية السلام من تجاهل لأوجه انعدام المساواة في المجالات القانونية والاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل بسبب إصرارها على الإخلال بمبادئ القانون الدولي. فعلى سبيل المثال، يرى التوجه الذي صيغ في أوسلو في بادئ الأمر ثم أعادت اللجنة المعروفة باللجنة الرباعية الدولية صياغته - تحت رعاية الولايات المتحدة - أن ثلاثة قضايا رئيسية تشكل ’عقبات‘ كأداء أمام أي تسوية سلمية، وهي وضع القدس، ومصير المستعمرات ومحنة اللاجئين الفلسطينيين. وعلى هذا الأساس، عمدت اللجنة الرباعية إلى تأجيل هذه القضايا المحورية بدلًا من وضعها في صلب العملية التفاوضية على نحو يتواءم مع القانون الدولي. وبذلك، تتعامل اللجنة الرباعية مع تلك القضايا باعتبارها من جملة ما يعرف بقضايا ’الوضع النهائي‘ وعلى أساس الأمل المثير للسخرية والساذج بإمكانية التوصل إلى تسوية سلمية انتقالية في مرحلة ما. وفي الواقع، فلم يقدَّر النجاح لهذا التوجه مهما كانت دوافعه.
 
وبالنظر إلى الوضع الذي يفتقر إلى الاستقرار في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة ومنطقة الشرق الأوسط بعمومها، يبدو أن الحكمة تقتضي العودة إلى المؤسسة الوحيدة التي تجاهلتها اللجنة الرباعية على مدى ردح طويل من الزمن، وهي مؤسسة الأمم المتحدة التي أُسست للحيلولة دون اندلاع الحروب وحل النزاعات على أساس القانون الدولي، وذلك على الرغم من جوانب النقص التي تعتريها.
 
وحسب الافتراض الذي يسوقه البروفسور دوغارد، فقد أثبتت هيئة الأمم المتحدة - في حال أتيحت لها الفرصة - قدرة حقيقية على إسناد الحلول التي تكفل الخروج من المأزق الراهن إلى القانون الدولي وحقوق الإنسان. فهذا القانون، الذي لا تعوقه الحالات الجسيمة من انعدام المساواة، يصر على وجوب مشاركة المتضررين من الانتهاكات بصورة مباشرة في إيجاد حل للطريق المسدود بين إسرائيل والفلسطينيين.
 
إن التوجه الذي تضرب جذوره في القانون الدولي يقدم بديلًا مرغوبًا للدبلوماسية الجامدة ولدائرة العنف التي لا يبدو ألا نهاية لها. فهذا القانون يعلن أن حقوق الإنسان ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسلام. وبعبارة أخرى، يعد احترام القانون الدولي (وحقوق الإنسان) شرطًا مسبقًا لبلوغ نتيجة سلمية. وفضلًا عن ذلك، يتكفل هذا التوجه بتوسيع إمكانيات الحلول البديلة للإمكانيات التي لم تعد قائمة لحل الدولتين.
 
وبناءً على ذلك، فقد يكون من المفيد دراسة المقترحات التالية:
 
يتمثل المقترح الأول في أن القانون الدولي (والقانون الدولي لحقوق الإنسان بالتالي) يشكل الأساس الذي يحظى بأكبر قدر من المصداقية لاستعادة الحماية القانونية التي ينعم بها الجميع على قدم المساواة. وحسب هذا المقترح، ينبغي أن يستند الوضع القانوني لكلا الإسرائيليين والفلسطينيين إلى مبدأ المساواة المعيارية. بيد أن المعايير بالكاد كافية. ولكي يحقق هذا المقترح المساواة الفعلية، تقتضي الضرورة اعتماد آليات عملية بغية المطالبة بإنفاذ هذا الوضع وإيجاد حل للحقوق التي تتعارض مع بعضها بعضًا والتي ستنشأ لا محالة.[30] ولذلك، يفترض أن تعزيز احترام حقوق الإنسان لن يفضي إلى تعزيز فرص السلام إلا إذا بذلت الجهود الاستباقية التي تحشد الطاقات في اتجاه تحقيق هذا الهدف. وفي هذا المقام، تشكل حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها مثالًا واعدًا في هذا الجانب.
 
وينطوي المقترح الثاني على الاعتراف بحق العودة باعتباره شرطًا مسبقًا لا غنى عنه لإنجاز أي تسوية سلمية. ومن المؤكد أن إنجاز هذا الحق يتطلب من إسرائيل أن تقدم تسويات معتبرة. وهذه التسويات عبارة عن الآثار المشؤومة التي ترتبت على ما تقوم به السلطات الإسرائيلية من فرض ’الوقائع على الأرض‘، ولا سيما البناء غير القانوني للمستعمرات على مدى عقود متطاولة في الأرض الفلسطينية المحتلة. وحسب الإعلان الصادر عن مؤسسة ذاكرات (زوخروت) الإسرائيلية، فمن شأن الاعتراف بهذا الحق أن ’يتيح حيزًا يستطيع المرء أن يتحدث فيه وأن يكتب عن النكبة‘ باللغتين العربية والعبرية، بمعنى إعادة تحديد إطار للنقاش.[31] ومرة أخرى، لا يعد معيار واحد يعتبر كافيًا في حد ذاته، بل ينبغي اعتماد آليات وظيفية للتعامل مع الحقوق المتناقضة للإسرائيليين والفلسطينيين من أجل تجسيد إعادة الممتلكات إلى أصحابها وتعويضهم وجبر الضرر الذي لحق بهم، من قبيل المحاكم المختصة بإعادة الأراضي إلى أصحابها.
 
وينصب ثالث هذه المقترحات على إتاحة الفرصة أمام اللاجئين للاضطلاع بدور في المشاركة في المفاوضات السياسية. ويكمن السبب وراء ذلك في وجوب النظر إلى اللاجئين ليس باعتبارهم جزءًا من المشكلة، بل باعتبارهم جزءًا من الحل. وحسب الافتراض الذي تسوقه فاليري هانت (Valerie Hunt)، ’يضطلع المنظور الأخلاقي للاستحقاق بدور معتبر في الطريقة التي نفهم بها توزيع الحقوق على مختلف الجماعات في المجتمع‘.[32] كما يسمح هذا المنظور للمرء بأن ’يحدد أوجهًا إيجابية من الالتقاء والترابط‘ بين هويته القومية والهوية القومية للآخر.[33] وفي هذا المقام، تضطلع وكالة الأونروا بدور محوري، ليس من خلال توفير الوسائل التي لا يستغني عنها اللاجئون في بقائهم وإنجاز التنمية من خلال برامج التعليم والرعاية الصحية وغيرها من البرامج الاجتماعية في بعض الحالات.
 
ويرى المقترح الرابع والأخير أنه بالنظر إلى نموذج الحكم الذي حالفه الفشل، وما يزال قائمًا، لحل الدولتين، تستحق نماذج الحكم البديلة لحل المأزق الذي امتد عبر عقود، بما يشمل إقامة دولة ديموقراطية علمانية، الدراسة الجدية.[34] فقد تسبب التغيير الجذري الذي مس الوقائع على الأرض، ولا سيما بسبب البرنامج الذي تحث إسرائيل الخطى في تنفيذه على صعيد تشييد المستعمرات غير القانونية منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو في العام 1994 في إقامة تجمعات واسعة تشمل مبانٍ دائمة وتحويل حل الدولتين إلى حل مستحيل من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وحسب الافتراض الذي يسوقه أبو نعمة وآخرون، فقد عملت إسرائيل في الواقع على إقامة دولة واحدة تنقسم إلى كانتونات مختلفة وتقع كلها تحت السيطرة الفعلية للحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي.[35] فجميع الحدود في متناول قبضة الجيش وحرس الحدود الإسرائيلي. وعلاوةً على ذلك، تشهد إسرائيل اعترافًا متزايدًا بمعاملة المواطنين الفلسطينيين المقيمين فيها باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، بما يشمل المعاملة المزرية للبدو داخل إسرائيل وفي جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة. ومن المؤكد أن ’حل الدولتين‘ لن يسهم في حل قضية اللاجئين، التي تشكل دون أي شك أكثر العقبات المستفحلة في سبيل التوصل إلى سلام عادل للمأزق الذي دام 60 عامًا بين إسرائيل والفلسطينيين.
 
يبدو أن الآفاق المتاحة لحل المأزق بين إسرائيل والفلسطينيين باتت أبعد من أي وقت مضى عقب الدمار الذي حل بقطاع غزة خلال العدوان العسكري القاسي والعنيف الذي شنته إسرائيل عليه، ومواصلة فرض الإغلاق على الضفة الغربية والعمل الدؤوب على توسيع المستعمرات غير القانونية. ولن يكتب النجاح لأي حل يستهدف الخروج من هذا المأزق مع غياب توجه متساوٍ يكفله القانون الدولي، وهو حل رفضت الأمم المتحدة والدول الأخرى - حتى الآن - تطبيقه بأي درجة من الانسجام، أو تطبيق النتائج التي تتمخض عنه على إسرائيل.
 
وإلى أن يتغير هذا الوضع، تشتمل الحملة العالمية التي يقودها المدنيون في مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها البديل غير العنيف لدائرة العنف الذي يبث الرعب في النفوس في إسرائيل- فلسطين.[36] كما تقدم هذه الحملة، التي تقوم على القانون الدولي في أساسها، آفاقًا جيدة تضمن العدالة والسلام لجميع الضحايا الذي مسهم المأزق القائم بين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وللتطلعات الوطنية الفلسطينية كذلك. كما تقدم الحملة المذكورة، على وجه الخصوص، بصيص أمل للاجئين الفلسطينيين، الذين يشكلون أكبر مجموعة من المهجرين في العالم.
 
 
 
----------------------------------------
جيف هاندميكر: محاضرً رئيسي في القانون وحقوق الإنسان ودراسات التنمية في المعهد الدولي للدراسات الاجتماعية بجامعة إيراسموس في روتردام (Erasmus University Rotterdam)، لاهاي. وهو كذلك كبير الزملاء الباحثين الفخريين في كلية القانون بجامعة ويتووترساند (University of the Witwatersrand).

 


[1] J. Dugard and J. Reynolds. ‘Apartheid, International Law, and the Occupied Palestinian Territory’ 24 European Journal of International Law (2013), 867-913; J. Carter, Palestine, Peace not Apartheid (Simon and Schuster, 2006); U. Davis, Apartheid Israel: Possibilities for the Struggle Within (London: Zed Books, 2003).

[2] I. Pappe, The Ethnic Cleansing of Palestine (London: One World, 2006).

[3] م. زيدان، ’مواطَنة بلا جنسية‘: حالة الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل‘، ورقة مؤتمر قدمها م. مصري بالنيابة عنه، في اللقاء الذي عقدته جمعية القانون والمجتمع في العام 2008، مونتريال، كندا، 29 أيار/مايو-1 حزيران/يونيو 2008.

[4] J. Schehla, ‘The Invisible People Come to Light: Israel's "Internally Displaced" and the "Unrecognized Villages"’, 31(1) Journal of Palestine Studies, 20-31 (2001) and J. Schechla, ‘The Material Consequences of Institutionalized Discrimination: Citizens and “Nationals” in Israeli Law’, Conference paper presented at the Law and Society Association Meeting 2008, Montreal, Canada, 29 May – 1 June 2008.

[5] انظر:
G. Boling The 1948 Palestinian Refugees and the Individual Right of Return: An international law analysis, (Bethlehem: Badil, 2007) and S. Akram and T. Rempel, ‘Temporary Protection as an Instrument for Implementing the Right of Return for Palestinian Refugees’, 22(1) Boston University International Law Journal (2004).

[6] انظر:
L. Takkenberg, The Status of Palestinian Refugees in International Law, (Oxford: Clarendon Press, 1998).

[7] S. Akram and M. Lynk ‘The wall and the law: a tale of two judgements’, 24(1) Netherlands Quarterly of Human Rights, 61-106 (2006); S. Akram, ‘Do constitutions make a difference as regards the protection of fundamental human rights? Comparing the United States and Israel’ in The Dynamics of Constitutionalism in an Age of Globalisation, Frishman, M. and Muller, S. (eds.) (The Hague: Hague Academic Press / Springer, 2010), 89-109.

[8] O. Barghouti BDS: boycott, divestment, sanctions: the global struggle for Palestinian rights (2011, Chicago, Ill, Haymarket Books).

[9] A. Abunimah, One Country: A bold proposal to end the Israeli Palestinian Impasse, (New York: Metropolitan Books, 2006); V. Kattan, From Coexistence to Conquest: International Law and the Origins of the Arab-Israeli Conflict, 1891-1949 (London: Pluto, 2009).

[10] انظر أيضًا:
S. Akram and J. Quigley, A Reading of the International Court of Justice Advisory Opinion on the Legality of Israel's Wall in the Occupied Palestinian Territories, (Washington D. C.: The Palestine Center, 2004), Last checked on 29.3.10 at: http://www.palestinecenter.org/cpap/pubs/update_on_wall_072004.pdf

[11] سرت بعض الإشاعات التي تناقلتها المواقع الإلكترونية التابعة للأحزاب اليمينية، والتي أفادت بأن الجيش الإسرائيلي لم يعد يملك الأموال التي تلزمه لإنهاء تشييد الجدار. ومن هذه المواقع موقع "القدس الموحدة" (www.onejerusalem.org) (زرناه آخر مرة في يوم 29 آذار/مارس 2010).

[12] انظر (Akram and Lynk)، الحاشية 7 أعلاه.

[13]حسبما ورد في التقارير الصادرة عن مركز جافي للدراسات الاستراتيجية (Jaffee Centre for Strategic Studies) في تل أبيب خلال العام 2006، لم تسبب الهجمات التي استهدفت إسرائيل بصواريخ القسام، التي كانت مصنوعة يدويًا وذات مدى محدود، سوى إصابات "طفيفة نسبيًا‘ بين صفوف المدنيين منذ بداية إطلاقها في العام 2001. انظر:
BBC News, ‘Gaza's rocket threat to Israel’, 15 November 2006 http://news.bbc.co.uk/2/hi/middle_east/3702088.stm Last checked on 29.3.10.

[14]ما يزال قطاع غزة يقبع، حتى وقت تأليف هذه المقالة، تحت قيود عسكرية صارمة تفرضها إسرائيل عليه. وقد أفضت هذه القيود إلى ما باتت طائفة من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تسميه كارثة إنسانية.

[15] J. Handmaker, ‘In Search of a Human Face in the Middle East: Addressing Israeli Impunity for War Crimes.’ In M. Matthee, B. Toebes& M..M..T..A. Brus (Eds.), Armed Conflict and International Law: In Search of the Human Face (pp. 155-168) (2013, The Hague: T.M.C. Asser Press/Springer).

[16] دولة فلسطين، "بيان صحفي: عشية اليوم العالمي للاجئين"، (2013، رام الله: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني).

[17] K. McAllister and I. Jaradat-Gassner, Displaced by the wall: Forced displacement as a result of the West Bank wall and its associated regime, (Bethlehem and Geneva: Badil and Norwegian Refugee Council Internal Displacement Monitoring Centre, 2006). Last checked on 29.3.10 at: www.internal-displacement.org

[18] تمثل هذه الحركة العالمية التي لا تعتمد العنف في توجهها مجموعة واسعة من المصالح، كما سجلت الحركة، التي وجدت الإلهام في التبريرات والتكتيكات التي شهدتها جنوب أفريقيا في الحركة التي خاضتها في مواجهة نظام الفصل العنصري، بعض النجاحات المهمة. انظر الموقع الإلكتروني للحركة:
http://bdsmovement.net/

[19] UNHCR, NGO Statement, Agenda Item 5a (International Protection), 58th Executive Committee of the High Commissioner’s Programme, 1-5 October 2007

[20] M. Perin ‘European and International Law and Palestinian Refugees: Bolbol, El Kott and the Application of Article 1D of the Geneva Convention’ 3(1) UCL Journal of Law and Jurisprudence, 87-114 (2014), Last checked on 5 October 2015 at: http://discovery.ucl.ac.uk/1470694/.

[21] UNHCR, Note on UNHCR’s Interpretation of Article 1D of the 1951 Convention relating to the Status of Refugees and Article 12(1)(a) of the EU Qualification Directive in the context of Palestinian refugees seeking international protection (Geneva: UN High Commissioner for Refugees, 2013).

[22] J. Handmaker and A. Nieuwhof ‘No man's land: Government mistreatment of Palestinian asylum seekers. In K. Musalo, J. Moore & R. Boswell (Eds.), Refugee Law and Policy: A Comparative and International Approach (Third Edition), pp. 41-43, (Durham: Carolina Academic Press, 2006).

[23] انظر (S. Akram and T. Rempel)، الحاشية 5 أعلاه. وانظر أيضًا:
T. Rempel (editor) Revisiting the Role of International Law in Crafting Durable Solutions for Palestinian (Bethlehem: BADIL, 2009).

[24] وقد تشتمل هذه الحلول الدائمة على أي حل من الحلول التالية: العودة، واستعادة الممتلكات، والتعويض، أو إعادة التوطين أو الاندماج في البلدان المضيفة.

[25] ج. هاندميكر، ’المجتمع المدني والقانون الدولي: حماية حقوق الإنسان وتعزيزها في ضوء فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في شهر تموز/يوليو 2004‘، في الاجتماع الدولي للأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية. تنفيذ فتوى محكمة العدل الدولية حول الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة - دور الحكومات والمنظمات الحكومية والمجتمع المدني، مكتب الأمم المتحدة في جنيف، 8 و9 آذار/مارس 2005، 75-82 (نيويورك، الأمم المتحدة، 2005).

[26] أ. شمس، ’مؤتمر في تل أبيب يعد خطة لعودة الفلسطينيين‘، وكالة معًا الإخبارية، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2013. وانظر أيضًا الموقع الإلكتروني لمؤسسة ذكرات (زوخروت) الإسرائيلية http://www.zochrot.org. وقد زرنا هذا الموقع آخر مرة في يوم 5 تشرين الأول/أكتوبر 2015.

[27] انظر الموقع الإلكتروني للمؤسسة http://www.alhaq.org. وقد زرنا هذا الموقع آخر مرة في يوم 5 تشرين الأول/أكتوبر 2015.

[28] انظر الموقع الإلكتروني للمركز http://www.pchrgaza.org. وقد زرنا هذا الموقع آخر مرة في يوم 5 تشرين الأول/أكتوبر 2015.

[29] هذه الدعوة منشورة على الموقع الإلكتروني للحملة http://www.bdsmovement.net/call. وقد زرنا هذا الموقع آخر مرة في يوم 5 تشرين الأول/أكتوبر 2015.

[30] M. Kagan, ‘Do Israeli Rights Conflict With the Palestinian Right of Return? Identifying the Possible Legal Arguments’, Working Paper 10, Badil, August 2005.

[31] N. Musih, ‘Learning the Nakba as a condition for peace and reconciliation’, Position Paper (Zochrot: Tel Aviv, no date). Last checked on 21.1.09 at: http://www.zochrot.org/index.php?id=642

[32] V. Hunt, ‘The Questionable Place of Rights in U.S. Immigration Policy After September 11: Past Policy and Present Public Attitudes’, presented at the 2005 Law and Society Association Annual Meeting, Las Vegas, USA, at 27.

[33] المصدر السابق، ص. 16.

[34] للاطلاع على المزيد من التفاصيل حول هذه المسألة، انظر الموقع الإلكتروني ل http://www.yorku.ca/ipconf. وقد زرنا هذا الموقع آخر مرة في يوم 18 شباط/فبراير 2011.

[35] انظر الحاشية 9 أعلاه.

[36] انظر الموقع الإلكتروني للمركز http://www.bdsmovement.net. وقد زرنا هذا الموقع آخر مرة في يوم 18 شباط/فبراير 2011.