تنفيذ القرار 194 إستحقاق سياسي وأخلاقي بحضور القانون الدولي والعدالة الإنسانية

بقلم: د. صائب عريقات*

تمرّ اليوم الذكرى السابعة والستون على إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة للقرار 194، وعلى اعتراف الأمم المتحدة المشروط بقيام إسرائيل مقابل تنفيذها للقرار 194. هذا القرار الذي شكل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها قضية فلسطين، واعتمدت عليه مشروعية حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم التي شُرّدوا منها عام 1948، والذي واجهته إسرائيل آنذاك بقيامها بواحدة من أكبر عمليات التطهير العرقي في التاريخ المعاصر، اقتلعت خلالها عصاباتها الصهيونية ما يقرب من 800.000 من السكان الفلسطينيين الأصليين من أرضهم بقوة السلاح، وشردتهم إلى أصقاع الأرض، ودمرت أكثر من 400 قرية ومدينة وحولتها إلى مستعمرات يهودية لإحلال المهاجرين والمستعمرين اليهود محلهم، رافق ذلك تصفية السكان الأصليين من اللاجئين جسدياً باقتراف العشرات من المذابح والمجازر ضدهم وضد ممن يحاولون العودة تسللاً إلى بيوتهم لجلب بعض ممتلكاتهم أو انقاذ أقربائهم، وذلك لجعل قضية العودة أمراً مستحيلاً.

لم تكتف اسرائيل بهذا الحد، بل واصلت عمليات التهجير الممنهجة مسبّبة نكبات متلاحقة، وصولاً لاحتلالها باقي الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وجزءاً من الأراضي العربية في سيناء المصرية والجولان السوري في عام 1967، مما أسفر عن تهجير أكثر من430.000 فلسطيني قسراً.

في هذه الذكرى الأليمة للوعي الجمعي العالمي وللإرادة الإنسانية التي تسمو لحماية حقوق الإنسان وتحقيق العدل، لا بد لنا أن نُذكّر كيف تنكرت حكومات الاحتلال المتعاقبة للقرار 194 وحاربته بكل الوسائل والأدوات الاحتلالية وكيف ترجمت ذلك عبر محاولاتها تدمير الكيان الثقافي والمادي للسكان الأصليين باعتباره أحد دعائم قيام إسرائيل، كما عبر عن ذلك "يوسف ويتز" رئيس لجنة الترانسفير ورئيس عمليات مصادرة الأراضي مطلع عام 1940 حين أكد "أن الحل الوحيد هو ترحيل العرب من هنا إلى الدول المجاورة، ويجب عدم إبقاء أي قرية أو قبيلة". وترسيخاً لتلك الركائز، قامت إسرائيل بسن قوانين مناهضة تعمل على خدمة مشروعها الاستعماري، من ضمنها قانون "العودة" الخاص باليهود والذي اعتبر بموجبه أي يهودي يرغب في الهجرة إلى إسرائيل مواطناً إسرائلياً يمنح الجنسية الإسرائيلية، وحرمت في المقابل السكان الأصليين من العودة إلى ديارهم، وصادرت ممتلكات اللاجئين الفلسطينين ونقلت ملكيتها إلى "إسرائيل" وخصصتها لمنفعة رعاياها من اليهود دون غيرهم. وأصدرت قانون "أملاك الغائبين" الذي استوطن بموجبه أكثر من ثلث المهاجرين اليهود في أملاك ومنازل السكان الأصليين، والذي لا زالت تسنخدمه حتى اليوم لتحقيق أهدافها في تهجير ما بقي من فلسطينيين في القدس ومحيطها وباقي أرض فلسطين المحتلة.

وحافظت إسرائيل على ذلك النسق عبر السنين، وتوجت باكورة قوانينها المشوهة بسن واحد من أخطر هذه القوانين عرّفته بـ "قانون القومية اليهودية" في عام 2014، وهو تشريع عنصري وتمييزي ضد المواطنين الفلسطينيين في الداخل، يلغي قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة إلى ديارهم التي شرّدوا منها عام 48، وينفي مسؤولية الاحتلال بالاعتراف بمأساة اللاجئين ورواية النكبة، ويمحو الحقوق والوجود الفلسطيني واستمراريته على أرض فلسطين التاريخية. 

وفي مؤامرة سياسية مكشوفة لتكريس "يهودية الدولة" وإخراج قضية اللاجئين من أي حل سياسي مستقبلي، أقر "الكنيست" بموافقة حكومة الاحتلال قانوناً يلزم أي حكومة إسرائيلية بضرورة استنفاد موضوع " حقوق اللاجئين اليهود في البلدان العربية" قبل التوقيع على أي اتفاق سلام، بعد أن حاولت قبل سنوات تفريغ القرار 194 واستبداله بقرار أممي آخر بالتحالف مع الكونغرس الأمريكي الذي سعى لتشريع مقترح يقضي بتخفيض عدد اللاجئين الفلسطينيين وتغيير حالة الملايين منهم ونزع صفة (اللاجئ) عن أبنائهم وأحفادهم. وقد قامت إسرائيل في عام 2012 بمحاولة استصدار قرار أممي يقضي بتعويض يهود الدول العربية  وأسمتهم بـ" اللاجئين اليهود" لمواجهة حق اللاجئين الفلسطينيين وتصفية قضيتهم وحقهم في العودة قبل سبعة وستين عاماً.

إلا أنه خلال السبعة والستين عاماً تلك باءت مؤامرات إسرائيل بالفشل، إذ لم ينفك أبناء شعبنا في الوطن ومخيمات اللجوء والمنافي عن مواجهة الاحتلال ومشاريعه التصفوية بكل الطرق الممكنة، والدفاع عن حقهم في العودة والوجود وتقرير المصير، والذي عبّرت عنه القيادة الفلسطينية بقرارات واستراتيجيات ساندت هذا النضال، وتلاءمت مع كل مرحلة من مراحل كفاحه المشروع ضد الاحتلال.

وفي الـ 22 عاماً الأخيرة، كرست منظمة التحرير جهودها السياسية من أجل تثبيت حل سياسي عادل ودائم للقضية الفلسطينية قائم على رؤية حل الدولتين الذي تبنّته وتبنّاه وأجمع عليه المجتمع الدولي، وقامت بجميع واجباتها السياسية ونفذت التزاماتها كافة، وقدمت الفرصة تلو الأخرى لإنقاذ فرص السلام التي دمرتها إسرائيل بسبب اخفاقاتها الجسيمة في تحمل مسؤولياتها كشريك للسلام، وتنصلها من الاستحقاقات السياسية المترتبة عليها بما في ذلك الاتفاقات الموقعة، ومواصلة تنكرها لحقوق شعبنا المشروعة وللقانون الدولي.

وبدلاً من الاستجابة لمتطلبات السلام، قامت إسرائيل خلال تلك السنوات بترسيخ احتلالها بفرض المزيد من الوقائع على الأرض بما في ذلك تكثيف عمليات التطهير العرقي من تهويد القدس ومحيطها وعزلها عن باقي أرض فلسطين، ومصادرة هويات المقدسيين، وتكثيف الاستيطان، وهدم المنازل، والتهجير القسري، والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وإرهاب المستوطنين وترويع السكان الآمنين، ومنع الحركة، واعتقال المئات، واجتياح الضفة الغربية وقتل الآلاف، وتدمير البنى التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية وإضعاف مؤسساتها، وإعدام أبنائنا وبناتنا إعدامات ميدانية، وفرض حصار غير قانوني على قطاع غزة الذي شنت عليه ثلاثة حروب من طرف واحد، ودمرت اقتصاده ومنعت إدخال مواد الاعمار إليه مما ترك آثاراً مادية واجتماعية ونفسية على أبناء شعبنا، ودفع العديد منهم الى خوض غمار البحر طلباً للجوء أخر عبر رحلات الموت العابرة للمتوسط ليصبحوا لاجئين جدد يجسدون خلاصة الرواية الفلسطينية.  

لقد كان من اليقين بأن إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، ليست ناضجة لصنع سلام حقيقي يفضي إلى مصالحة تاريخية، بحيث أفشلت عن سابق إصرار وترصد كل الجهود والمبادرات لإحياء العملية السياسية ومثلها عملية المفاوضات التي استخدمتها كغاية للحفاظ على الوضع القائم، وراوغت وتنكرت للالتزامات والاتفاقات التي وقعتها، فقامت منظمة التحرير بوقف عملية المفاوضات في نيسان العام الماضي 2014، على ضوء الاملاءات والشروط التي فرضتها إسرائيل على هذه العملية واختيارها لاستمرار احتلالها واشتراطها الاعتراف بما يسمى "يهودية الدولة"، ورفضها الالتزام بتعهداتها ومن ضمنها الافراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى ما قبل أوسلو، وإمعانها باستغلال هذه العملية لصالح توسيع الاستيطان الذي تضخم خلال المفاوضات الأخيرة عام 2013 إلى 123%، وازداد عدد مستوطنيها خلال الـ 22 عاماً إلى أكثر من 600.000 مستوطن. وقد ربطنا ذلك بسلسلة من الخطوات التي تعيد الاعتبار إلى سيادة القانون والشرعية الدولية، وتثبيت مواقفنا السياسية جميعها على أساس أحكام القانون الدولي.
وبفعل التراكم النضالي الطويل لشعبنا وقيادته اعترفت 137 دولة في العالم بفلسطين، وأعلنت فلسطين باعتبارها دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012،  وتابعت فلسطين تحركها إلى مصدر التشريع الدولي لحماية حقوق أبناء شعبنا ولمحاسبة الاحتلال على خروقاته وجرائمه المنظمة، وذلك بالانضمام إلى الهيئات والمعاهدات الدولية وخاصة ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية في عام 2014، ليرفرف العلم الفلسطيني رمز السيادة الفلسطينية لأول مرة في التاريخ على مبنى الأمم المتحدة في العام 2015 إلى جانب أعلام الدول في إشارة إلى اعتراف العالم بحق فلسطين وشعبها بالاستقلال وفي تقرير مصيرهم وترسيخ السيادة الفلسطينية على أرضهم، وندفع اليوم الأمم المتحدة بكل حسم لتأمين الحماية الدولية العاجلة لشعبنا لحماية شعبنا ووجوده على أرضه.

جاء كل ذلك في الوقت الذي أخذت فيه المقاطعة الدولية تأتي أوكلها ضد الاحتلال ومستوطناته غير الشرعية وكل ما ينبثق عنه، حيث عكست هذه المقاطعة الرفض الدولي الصريح للاستيطان غير القانوني، وهزت المنظومة السياسية الإسرائيلية لدرجة أن "الكابينت" الاسرائيلي صادق على قرار إقامة وزارة جديدة برئاسة وزير داخلية الاحتلال باسم" وزارة مواجهة مقاطعة إسرائيل"، وكرست حكومة نتنياهو 100 مليون دولار للتصدي لحملات المقاطعة.

إن التساؤل الذي يطرح نفسه ماذا لو كرست قوة الاحتلال جهودها وطاقاتها السياسية وعلاقاتها مع حلفائها من أجل الدفع بعملية سياسية ذات مغزى للوصول إلى سلام عادل دائم وشامل يخدم مستقبل المنطقة برمتها بدلاً من تكريس الاحتلال وإطالة أمده، وبدلاً من الترويج "للحل الاقتصادي والأمني" عوضاً عن الحل السياسي، واطلاق حيلة التسهيلات التي تهدف إلى استمرار الوضع الراهن وتحسين شروط وجود الاحتلال وسيطرته على المناطق المسماة "ج"،  وانتشار استيطانه ومصادرته لمواردنا وحقوقنا وأرضنا.

إن موقفنا واضح من العودة الى طاولة المفاوضات، فمفتاح استئناف المفاوضات يترتب عليه تنفيذ الالتزامات المستحقة على إسرائيل والاتفاقيات المبرمة وفق مرجعيات السلام، ووقف نشاطاته الاستيطانية بشكل كامل والإفراج عن أسرى الدفعة الرابعة لما قبل أوسلو، وقبول مبدأ الدولتين على حدود 1967، بالتزامن مع مرجعية عملية السلام الواضحة ووجود إطار دولي للإشراف على العملية التفاوضية ونتائجها، إذ أن هذه الأسس لا تُعتبر شروطاً فلسطينية كما تدّعي دولة الاحتلال في دعايتها وخطابها الاعلامي والسياسي وإنما التزامات ترتبت عليها نتيجة الاتفاقات الموقعة ولم تلتزم بها. فعلى العكس من الأغراض الإسرائيلية المكشوفة في استخدام المفاوضات كهدف لمساعدتها على التصدي للمقاطعة الدولية التي باتت تحاصرها أكثر يوماً بعد يوم، فإن القيادة الفلسطينية تتعامل مع قضية المفاوضات المستندة إلى المرجعيات الواضحة وذات المضمون باعتبارها وسيلة لإنجاز حقوق شعبنا وانصافه، وايجاد حل عادل وشامل يؤدي إلى إنهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الى ديارهم التي شردوا منها عام 1948.

إن القضية الأبرز في هذا السياق لا تكمن في إيجاد الحلول الانتقالية والجزئية التي نرفضها جملة وتفصيلاً بل في كيفية إنهاء الاحتلال بكل الطرق والآليات الممكنة، ومحاسبته جنائياً على انتهاكاته، ومواصلة الحملة الدولية لمقاطعة الاستيطان، وتجسيد قيام دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة.

للنكبة المتجددة شواهد حية وحقيقية على هذه المأساة السياسية والإنسانية، فهذا القرار الأممي الذي يعترف بالطرد الجماعي الإثني لشعبنا يذكر العالم الحر بالنكبة وتداعياتها المستمرة حتى اليوم وبمحنة اللاجئين التي لم تنته، من مخيم اليرموك في سورية إلى القدس وقطاع غزة وجميع مدننا في الضفة الغربية في فلسطين التي تشهد نكبات متلاحقة بفعل التصعيد الإسرائيلي المدروس والمنظم للقضاء على الوجود الفلسطيني، ويذكّر بوكالة الأنروا -الشاهد الدولي المادي على قضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم-  ودورها الذي يشهد تراجعاً كبيراً منذ سنوات، ويذكر بعشرات القرارات الأممية المكدسة لصالح قضية فلسطين واللاجئين، انه باختصار يذكر العالم باستحقاق قيام دولة فلسطين منذ 67 عاماً.

إن تنفيذ القرار 194 هو مسؤولية دولية بامتياز، فهذ القرار غير مرتبط بتسوية سلمية نهائية أو قرار سياسي،   لكن المجتمع الدولي وأسرة حقوق الإنسان أخفقا في تلبية استحقاقاته والوقوف أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية حتى اللحظة، إنها نكبة القيم ومبادئ حقوق الانسان في القرن الواحد والعشرين.

حق العودة حق سياسي وقانوني وانساني لجميع أبناء شعبنا، ولا يزال يمثل الهدف الأساسي لهم منذ العام 1948،  وهو حق لا يسقط بالتقادم وظل ثابتاً على الرغم من المعاناة والتغيرات الاجتماعية والسياسية الكبيرة، ولا يمكن لأي جهة أن تمس به أو تسقطه، فقد كان حاضراً في جميع الاتفاقات وسيبقى كذلك، وسنطلب من مجلس الأمن تحديد مبادئ الحل القائم على مبدأ الدولتين على حدود 1967 ودولة فلسطينية عاصمتها القدس، وحل قضايا اللاجئين طبقاً للقرار 194 ولقرارات الشرعية الدولية ووضع سقف زمني لتحقيق ذلك. فالمطلوب ليس انتاج قرارات جديدة، وإنما اتخاذ خطوات عملية كفيلة بترجمتها وايجاد آليات لتنفيذها، والخروج عن دور الشاهد على التاريخ ولعب دور حقيقي في صنعه، وفضح عقلية الترانسفير المتأصلة في سياسات دولة الاحتلال وإلزامها بالاعتراف بمسؤولياتها القانونية والسياسية عن الظلم الذي أوقعته بشعب آخر، وإيقاظها من أوهامها بإمكانية اقتلاع شعبنا الفلسطيني من أرضه المتجذر فيها مرة أخرى.

نعم، لقد رحل معظم جيل النكبة عن الدنيا وهم يحملون مفاتيح بيوتهم التي هجروا منها منتظرين تنفيذ قرار الأمم المتحدة، لكن أبناءهم وأحفادهم وهم يدفعون ثمن اللجوء المتكرر في المنافي ومخيمات اللجوء وثمن التواطؤ على حقوقهم وتخاذل المجتمع الدولي إلا أنهم محصنون بحقهم غير القابل للتصرف في الوجود التاريخي على أرضهم، وإيمانهم بالعودة الى أراضيهم التي شرد منها أجدادهم وآباؤهم عام 1948 باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة القانون الدولي وتحقيق العدالة الإنسانية التي طال انتظارها.
 
---------------------------------------
*د.صائب عريقات: أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.