الحق في الحماية والمسؤولية الدولية

لاجئون فلسطينيون في لبنان بتوجهون نحو الحدود الفلسطينية، 15 آيار 2013 (تصوير: كوستانزا/ بديل) لاجئون فلسطينيون في لبنان بتوجهون نحو الحدود الفلسطينية، 15 آيار 2013 (تصوير: كوستانزا/ بديل)

بقلم: نضال العزة*
 
درج ربط قرار الجميعة العامة للامم المتحدة رقم 194 لعام 1948 بحقوق اللاجئين الفلسطينيين وبالذات الحق في العودة، واستعادة الممتلكات والتعويض؛ حتى صار استخدامهما متلازما أو مترادفا. فيأتي التأكيد على الحقوق من خلال الإشارة إلى القرار- الذي لم ينفذ، ويأتي التأكيد على القرار باعتباره كاشفا – لا منشئا – لحقوق المهجرين الفلسطينيين ومعبرا عن الإرادة الدولية الغائبة فعليا. ليس في هذا التداول أي خطأ أو انتقاص من الحقوق المذكورة، ولكن للحقيقة، فيه انتقاص من القرار 194 نفسه؛ لان هذا التداول لا يعكس سوى الفقرة 11 من القرار ويهمل ما احتوته الفقرات الأخرى. الفقرات الأربعة عشر الأخرى، ليست مجرد ديباجة. فما تتضمنه من حقوق والتزامات، وآليات للوفاء بها، لا زالت تشكل الأساس والمدخل الواجب الإتباع من اجل التوصل إلى حل نهائي عادل قائم على حفظ الحقوق بما فيها تطبيق الفقرة 11.

 في الوقت الراهن، وبعد مضي أكثر من 67 عاما على النكبة، وفي ظل تزايد المطالبة بالحماية الدولية، يصبح استدعاء الفقرات الأخرى من القرار 194 أكثر إلحاحا بالنسبة لنا نحن كشعب وكلاجئين فلسطينيين.
 
عند النظر الى محتوى واحكام القرار لا بد من وضعها في السياق الذي جاء به. فالقرار لم يأت ليعالج موضوع المهجرين وحسب، كما يُعتقد عموما، بل جاء ليعالج حالة اكبر نشأت بفعل النكبة، طالت آثارها الوضع القانوني لفلسطين، وكل الشعب الفلسطيني سواء من هُجّر او لم يُهجر. وبالتالي فان القرار حاول ان يوازن ما بين ما تم التخطيط له في قرار التقسيم (181)، والذي لم يتم تنفيذه، والحالة الواقعية الناشئة – النكبة الفلسطينية. فبالإضافة إلى الفقرات الإجرائية - التنفيذية والتعليمات التنظيمية، وبالإضافة إلى الفقرة 11 المتعلقة بحقوق اللاجئين في العودة واستعادة الممتلكات والتعويض وإعادة التأهيل، تضمن القرار 194 الحقوق، والحريات، والالتزامات التالية:
 

  1. إنشاء لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين وتكليفها بتوفير الحماية الدولية بمفهومها الشامل واتخاذ كافة التدابير من اجل إيجاد تسوية نهائية على أساس القرارات ذات الصلة؛
  2. حماية الأماكن المقدسة في كل أرجاء فلسطين التاريخية،
  3.  ضمان حرية وصول الفلسطينيين إلى كافة الاماكن المقدسة بموجب ترتيبات خاضعة للإشراف الفعلي المباشر للأمم المتحدة؛
  4. نزع السلاح بتدابير يتخذها مجلس الأمن الدولي لفرض سيطرة الأمم المتحدة على القدس وإدارتها الى حين التوصل الى حل نهائي؛
  5. ضمان أقصى حد من حرية الوصول إلى مدينة القدس للجميع برا وبالسكك الحديدية وجوا، على أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة في مواجهة عرقلة ذلك؛
  6. اتخاذ التدابير اللازمة لتنمية المنطقة اقتصاديا.
 بالنظر إلى مضمون القرار، والملاحق التفصيلية الصادرة عن لجنة الهدنة، واللجنة الفنية، ولجنة المسح الاقتصادي، وفيما بعد اللجنة السياسية، يتضح أن هذه اللجنة كانت مكلفة بتوفير مهمات الحماية الدولية بمفهومها الشامل للشعب الفلسطيني، وببذل عنياة خاصة لحماية اللاجئين. ويلاحظ في صيغة القرار ان لجنة التوفيق الدولية كانت مسندة بصلاحية التوجه للجمعية العامة ولمجلس الأمن طلبا لاتخاذ التدابير اللازمة لذلك بما يمكنها من تنتفيذ ولايتها.
 
الحماية الدولية كمفهوم قانوني تعني اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان تمتع الفرد/الشعب بالحقوق التي تصون له إنسانيته وكرامته. والحماية الدولية تصبح واجبة على المجتمع الدولي كهيئات ودول في حال عجزت الدولة المسؤولة او كانت غير راغبة في توفير الحماية لمن يخضعون لولايتها. وتصبح الحماية التزاما دوليا عندما تكون الدولة المكلفة اصلا بتوفير الحماية هي نفسها من ينتهك القانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان. ولعل هذا ابرز ما قرره القرار 194، اي جعل الحماية الدولية حق للشعب الفلسطيني ومسؤولية دولية.
 
 والحماية بهذا المعنى تقوم على أركان ثلاثة: الحماية الفيزيائية، والحماية المادية او المساعدة الإنسانية، والحماية القانونية. الحماية الفيزيائية أو الجسدية تعني ضمان امن وأمان الإنسان/الشعب بما يمنع المساس بحايته وجسده/كينونته ووممتلكاته. والمساعدة الإنسانية (الإغاثة) تعني ضمان توفير الحقوق الإنسانية الأساسية، واقلها الحقوق المعيشية (المأكل والمشرب، والمأوى، والملبس)، والرعاية الصحية، والتعليم. أما الحماية القانونية فتشمل صون الحقوق المعترف بها لمحتاج الحماية بموجب القوانين والأعراف الدولية، وهذا يشمل - فيما يشمل - الحق في الجنسية/المواطنة، حرية الحركة والتنقل، حقوق الملكية، الحق في المساواة، والتقاضي، والحق في جبر الضرر (العودة، استعادة الممتلكات، والتعويض في حال اللاجئين) وغيرها.
 
بهذا المعنى، تعتبر الحماية الدولية ترتيبا مؤقتا يلزم القيام به عند غياب الحماية الواجب على الدولة/الحكومة المسؤولة توفيرها للمواطنين/الشعب، وذلك في حال عجزها عن توفيرها، أو لعدم رغبتها في ذلك او لقيامها هي نفسها بارتكاب الانتهاكات يفهم من هذا أن الحماية الدولية ليست بديلا عن الحقوق الأصيلة، مثل العودة وتقرير المصير وغيرها من الحقوق، إنما هي لازمة لحفظ الكرامة الإنسانية إلى أن يتمكن الشعب واللاجئون من ممارسة ونيل حقوقهم والتي منها استظلالهم بحماية دولتهم.  
 
مطلب توفير الحماية الدولية ليس قفزا على الواقع:
 
قد يقال أن استدعاء القرار على هذا النحو لا يشكل أكثر من إسقاط لما كان على ما يجري الان، وهو إسقاط غير مبرر لا منطقيا ولا واقعا. وقد يقال أيضا ان هذا الاستدعاء لا يعدو كونه إغراق في الأحلام، أو جلد للذات على نحو مرضي. وهنا لا بد من توضيح أمرين: الأول إن هذا الاستدعاء لا يأتي من باب الدعوة إلى العودة الى الوراء من خلال تبني الحيثيات التفصيلية الواردة في القرار. والأمر الثاني المبني على والمسند بالأمر الأول، هو أن هذا الاستدعاء اصبح ضروريا للتأكيد على أن اكثر ما يحتاجه الشعب الفلسطيني الان، برغم المفاوضات وكل التغيرات الواقعية وفي موازين القوى، هو الحماية الدولية بمعناها الشامل المبين أعلاه. فإذا جعلت الحماية الشاملة منطلقا للتفكير في بناء إستراتيجية وطنية، للتعامل مع هيئات ووكالات الأمم المتحدة، وآلياتها، مع الدول المعنية، فان اللجوء إلى الشرعية الدولية واستخدام آلياتها يصبح ذا معنى وجدوى. أما الاستمرار في التباهي بتمسكنا بالشرعية الدولية من باب إثبات حسن النوايا وحسن التصرف والتقرب من الآخرين، أو من باب الانتفاع بمدائح وعطايا المانحين، فإننا سنظل نحوم في دائرة المفاوضات، نقدم حقوقنا وشعبنا حبا أو كراهية لطالحون منتهكيها.   
 
 ----------------------------------------------------------------
نضال العزة: مدير بديل المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين