تحت علم الأمم المتحدة .... سقط الطفل عبد الرحمن عبيد الله

بوستر للشهيد الطفل عبد الرحمن عبيد الله ألصق في المكان الذي استشهد فيه، تشرين الأول 2015 (تصورير: محمد العزة( بوستر للشهيد الطفل عبد الرحمن عبيد الله ألصق في المكان الذي استشهد فيه، تشرين الأول 2015 (تصورير: محمد العزة(

بقلم: عيسى قراقع*
 
 أكمل امتحان الجغرافيا في مدرسة ذكور مخيم عايدة الاساسية، ركض الى الشارع وهو لا يدري أن الجغرافيا الجديدة قد نصبت له فخاً على أطراف المخيم. بوابة حديدية أغلقت مدخل المخيم، برج حراسة عسكري اسرائيلي يصطاد الاولاد في صمت الظهيرة.

يوم 5/10/2015، ينطلق الطفل عبد الرحمن عبيد الله مع سائر الاولاد الى اللعب في هذه المساحة الضيقة، المكتظة الغاضبة المستنفرة الصارخة الداكنة التي تسمى مخيم، وخلفه يتربع دير الراهبات، يدق أجراسه معلناً أن ما يُسمى بمستعمرة (جيلو) تقبض على أنفاس الصلاة وأشجار الزيتون وآبار المياه.

يركض عبد الرحمن، لا شمال ولا جنوب، هي الازقة تستوعبه وتضمه الى صدرها، تصير أنفاس اللاجئين فضاء، وحكاياتهم حافزاً لإكمال الرواية حتى مطلع الفجر، وما اكثر الابطال المذبوحين في النصوص، وما أكثر القصص التي ظلت بل اشلاء.

تحت علم الامم المتحدة المرفوع فوق بوابة مكتب وكالة غوث اللاجئين في مخيم عايدة، وتحت زيتونة خضراء يانعة، سقط الطفل عبد الرحمن عبيد الله (13) عاما، برصاصة قناص اسرائيلي اخترقت القلب. سال الدم، وسال الزيت مشعاً على الارض معلنا حلول موسم القطاف.

طارت الفراشات من جسد الطفل الشهيد، اتكأ على حقيبة مدرسته وقلم الرصاص وكتاب التاريخ، رأى المعلم يملأ السبورة السوداء بالابيض، ويعلن انتهاء الحصة اليوم، والاستعداد غدا لدرس الحساب.

سقط عبد الرحمن، ظلت عيناه مفتوحتين، حاول الاطباء اغلاقهما دون جدوى، وكانت صورة الجندي القاتل واضحة على شبكية عينيه. عين عبد الرحمن تحدق في عين الجندي، وبينهما مسافة رصاصة منذ النكبة حتى تتويج النصر بدم الاطفال في شواراع غزة والناصرة.

تحرك مفتاح حق العودة المعلق على بوابة المخيم، تدلى الى جسد الطفل يفتش عن قفل وباب، القلب يضخ، والملاك يرتفع رويدا رويدا فوق البحر والقرى المطردوة من المكان، الملاك يشرق من شرفة الغياب.

علم الامم المتحدة اقترب من جرحه واعتذر، صمتت كلمات الرئيس ابو مازن وهو يطالب الامين العام للامم المتحدة بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، طوى الرئيس صوته ومشى في الجنازة، يدفع الليل عن بصر التراب.

سقط عبد الرحمن قرب جدار الفصل العنصري الذي يلتف حول المخيم، وكان قبل لحظات قد قرأ لوحة باسماء الشهداء الاطفال الذين سقطوا على يد قوات الاحتلال مطرزة على الجدار، اكتملت قائمة الاسماء، وأكمل عبد الرحمن رحلته مع اخوته الى البحر.

قالت والدته: هل يكفي ولد واحد ان يحفر وعده في جوف الموت ويغيب عن المدرسة؟ ما اشد حاجته لي الآن، يربت بيديه على كتفي لتهب الريح ويسيل الحليب بين نبضات القلب، وليكون البعيد شريانا للقريب.
 
برج عسكري يطل على الاحياء والاموات في المخيم، بندقية جندي مصوبة على اللاجئين المكدسين المخنوقين بالغاز المسيل للدموع، او بسائل قذر ذو رائحة نتنة تلقيه مضخة اسرائيلية على الناس كلما خربش الاطفال بحجارتهم عادات الاحتلال.

يموت النعنع والبقدونس المزروع فوق سطوح منازل المخيم، لا حدائق في المخيم، النوافذ دائما مغلقة، وكل ما في المخيم شارعين: الاول يبدأ من مقبرة الى ذاكرة، والثاني من ذاكرة الى مقبرة، والمسافة بينهما تقع بين رصاصتين او شهيدين.

ايها الطفل اللاجئ القادم من بقايا المذبوحين، المخيم ضاق فيك حتى انكسرت عضلات جسمك، لم يطعك اسمك، تشعر انك مهجور منذ الازل، وان هناك من يناديك ويضمك الى اسمائه العاليات.

ولأنك تسمع كل من عاد من السجن، شبان كبروا في الظلمات، شبان لم يعودوا من المؤبدات، صانوا كرامة الوجع التاريخي سنين طويلة، ظلوا يبحثون عن الناقص في هذا السلام، تقتلهم الذكريات، وتقتلك الرصاصة الغادرة.

ولأنك كنت تراهم، مستعربون بمسدسات الاعدام في رام الله ونابلس والخليل، قناصة آليون يضغطون على الزناد كلما حرك ولد نشيده في الجهات الخمسة من القدس.

وتراهم بحاستك الطفولية السادسة، وهم مقنعون يقتحمون البيت والنعاس، يعتقلون الليل الصارخ بالقيود، تترك بقية منامك لترى كيف في الفجر تموت.

ولأنك تسمع من جدك عن قريتك (القبو) المنكوبة المهجورة المطحونة هناك خلف جبلين وبين حاجزين، يشتعل فيك الحلم مبكرا، لتسأل استاذ الجغرافيا عن هؤلاء الذين يطاردونه منذ الولادة لإطفاء السؤال عن الطريق من بين عينيه.
 
هذا النهار بارد فوق الكنيسة، لازالت الاطارات تشتعل في الشارع المؤدي الى الصلاة، شعب يتكئ على خاصرة حجر، وعبد الرحمن يعبر كالقمر الآن من البيت المقدس الى المخيم واقفا على قدميه، ويمتد في خطوات البشر.
 
مع فجر المخيم كان وحيدا، لم يشفع له رجاء الراهبات في كنيسة تقف فوق رأس المخيم يشعلن شموعا وينفخن بخورا، يقمن الصلاة تلو الصلاة، لم يتوقعن ان يضيء الشجرة هذا العام ولد صغير مات ليحيا في عيد الميلاد.

عندما حمل الناس تابوت الملاك، سمعت الشاعر احمد شوقي يردد:
ففي القتلى لأجيال حياةٌ ... وفي الاسرى فدى لهم وعتقُ
وللحرية الحمراء بابٌ ...  بكل يد مضرجة يدقُ



---------------------------------------------------------- 
 
عيسى قراقع: رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين.