مخيم الدهيشة، بيت لحم 2015 (تصوير: مركز بديل) مخيم الدهيشة، بيت لحم 2015 (تصوير: مركز بديل)

الحماية الدولية المطلوبة


كثر في الآونة الاخيرة استخدام اصطلاح الحماية الدولية ولا سيما في التصريحات الفلسطينية الرسمية. وكغيره من العبارات، صار الاصطلاح يتردد على السنة السياسيين وكل ناطق رسمي وغير رسمي، وكثير من الناشطين والمحللين، ويرد كمطلب اساسي في كثير من البيانات والمقالات والمقابلات... الخ. ولا مبالغة في القول انه شاع على نحو واسع بين مختلف القوى والاطياف على اختلاف مشاربها وغاياتها، حتى صار يبدو لك ان الحماية الدولية طوطم مقدس، ثابت الماهية، معروف المضمون والشكل، ولا يستدعي التفكير فيه ولا التحديد. والسؤال هنا، وبافتراض الاتفاق على ضرورة او جوب توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، هو عن اي حماية دولية يجري الحديث؟ ولا شك، ان هذا التساؤل يكتسب مشروعية اكبر يوما بعد يوم، خصوصا وان ايّا من المسؤولين لم يوضح ماهية الحماية المطلوبة او المنادى بها.

 بصرف النظر عن مدى ادراك تبعات التصريحات التي تنثر جزافا على الاغلب، اشار بعض المسؤولين الى ضرورة ارسال "قوات دولية للارض المحتلة... حتى لو كانت من الناتو". وذهب آخرون في معرض تناولهم للحماية الى مطالبة "مجلس الامن بالتدخل بموجب الفصل السابع"، لفرض قراراته بالقوة. وذهب البعض الى مطالبة الامم المتحدة – دون تحديد الهيئة المسؤولة بالضبط، "بادارة الارض المحتلة". وهناك من حاول ان يكون اكثر وضوحا وانسجاما مع "الوضع القانوني لفلسطين كدولة تحت الاحتلال"، فراح يطالب بوضع "دولة فلسطين تحت نظام الوصاية الدولية الى ان يتمكن الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بذاته". وتواضع قسم آخر، فظل يراوح ما بين المطالبة بتواجد دولي لمراقبة، او على اكثر تقدير للحد من تصاعد وتيرة الانتهاكات والمطالبة التقليدية "بتحمل المسؤوليات وتطبيق قرارات الشرعية الدولية".

 ليت الامر يتوقف عند حد الاختلافات هذه، بل يتجاوزه الى ما هو اعمق من خلال ملامسة الضبابية التي تشوب كل خطة او رأي او تصور او تصريح. تبدو هذه الضبابية اول ما تبدو في التعامل مع الحماية كمطلب، وليس كحق ومسؤولية واجبة على هيئات المجتمع الدولي والدول منفردة ومجتمعة. يترتب على هذا ان السعي لتحقيق هذا المطلب - ان وجد- فانه لا يكون اكثر من مناورات اعلامية، او تكتيات استعراضية لان السعي له لا يجري بتخطيط او ضمن خطة. يكفي هنا التذكير ان الحماية الدولية بقوة الناتو، او بقرار مجلس الامن لارسال قوات لفرض السلم هو اشبه بمطالبة الذئب بحراسة الغنم. يضاف الى ذلك ان طلب قوات دولية على نمط قوات حفظ السلام، او مهمات بناء السلام لا يحتاج الى قرار من مجلس الامن وحسب (وهذا يفترض موافقة الدول الخمس دائمة العضوية صاحبة حق النقض الفيتو)؛ بل يقتضي ذلك موافقة اطراف الصراع على تشكيل هكذا قوة ابتداء ومسقا. وبالتالي يصبح الحديث عن قوات لفرض السلم، او لحفظه او بنائه مجرد اضغاث احلام في ظل خلل الموازين القائمة ويقينية رفض اسرائيل. يبدو ان هكذا نداءات لا تعدو كونها مطالبة بتواجد دولي على نمط بعثة التواجد الدولي المؤقتة في الخليل، التي لا حول لها ولا قوة سوى المراقبة ورفع التقارير (وليس نشرها) الى الاطراف المسماة حصرا في وثيقة انشائها.
 
وللحقيقة، تبدو المطالبة بوضع فلسطين تحت نظام الوصاية الدولي المقرر في ميثاق الامم المتحدة والذي كان يفترض ان يخلف نظام الانتداب منطقيا؛ خصوصا وان فلسطين من الدول التي كانت خاضعة لنظام الانتداب المفروض من قبل عصبة الامم المتحدة. ولكن يبقى هذا الخيار ايضا ضبابيان لان قرار الوصاية وماهيتها بيد مجلس الامن، ناهيك عن تعطل مجلس الوصاية منذ عقود. في المحصلة، لا فرق بينه وبين تكرار واجترار المطالبة بتطبيق قرارات الشرعية الدولية دون خطة وبرنامج عمل.
 
في ذكرى صدور القرار الاممي 194، والذي يتضمن اسس الحماية المطلوبة للشعب الفلسطيني ولا يقتصر على الفقرة 11 الخاصة بحماية اللاجئين وحقوقوهم، يلزم التفكير في الحماية الدولية كحق مقرر، وكمسؤولية واجبة على المجتمع الدولي والدول منفردة ومجتمعة. بالاستناد الى هذه القاعدة (الحق والمسؤولية في الحماية الدولية)، يكون الاطار العملي والمدخل للحماية المطلوبة: اولا تحديد ولاية وصلاحية الهيئات الدولية، والذي قد يستدعي فيما بعد توسيعها، وثانيا تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة الدولية عبر تمكين الشعب الفلسطيني من اللجوء اليها.