مشاركة اللاجئين الفلسطينيين في صنع الحل العادل والدائم*

مسيرة مطالبة بانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، ٢٠١٤ (المصدر: pncregcampaign.org) مسيرة مطالبة بانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، ٢٠١٤ (المصدر: pncregcampaign.org)

 بقلم: نضال العزة**
 
يتناول هذا المقال موضوع المشاركة الشعبية وأهميتها في صياغة وتطبيق الحلول الدائمة لقضايا اللجوء، خصوصا عبر عمليات إجمال والتوصل الى اتفاقيات السلام. ويركز هذا المقال على حال المشاركة الشعبية للفلسطينيين، وتحديدا مشاركة اللاجئين الفلسطينيين في صياغة الحل الدائم المناسب لهم بناء على مبدأ الطوعية الذي يقتضي تمكين اللاجئ من اختيار الحل الدائم بحرية وعن معرفة واطلاع. ان مبدأ الطوعية بركنيه حرية الاختيار والمعرفة يشكل حجر الزاوية في وضع المشاركة موضوع التطبيق في تدخلات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين خلال ممارستها لدورها في توفير الحماية الدولية وحل قضايا اللجوء الفردية او الجماعية.    

نظرة على دور الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ومصير فلسطين:      

الفلسطينيون دوما كانوا موضوع الحديث على المستوى العاليم والدولي، ولكن، لم يكونوا أبداً جزءا من تقرير مصيرهم. منذ أن التأم مؤتمر باريس للسلام، عقب الحرب العالمية الأولى، والفلسطينيون هم موضوع الحديث والحوارات والجدالات وإصدار القرارات التي تخص قضيتهم، سواء ما خلقها من قرارات ظالمة وغير قانونية وما طرح فيما بعد لحلها. لكنهم نادرا ما كانوا جزءا من هذه العملية. وحتى في الحالات التي تم اشراكهم بشكل ما، فانه لم يتم يوما وضع حقوقهم غير القابلة للتصرف موضوع التطبيق. ولعله من المجدي هنا مراجعة كمّ القرارات ذات الصلة بالقياس الى الواقع القائم الذي آلت اليه فلسطين والفلسطينيون. اكثر من ذلك، يمكن القول انه حتى الهزيل من تلك القرارات والتي تنتقص من حقوق الفلسطينيين، لم يُدفع بايّ منها للتطبيق حتى اليوم. فعلى سبيل المثال، تجاهلت دول الحلفاء المنتصرة والتي شاركت في مؤتمر باريس للسلام والذي عقد بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، ارادة الفلسطينيين وطموحهم وحقوقهم وقررت وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني. كما لم تراعَ ارادة الفلسطينيين عندما قرر المشاركون في مؤتمر باريس من الدول المنتصرة، بأن دور البريطانيين الحقيقي في فلسطين هو التمهيد لاقامة وطن قومي لليهود في هذه الارض؛ اكثر منه للتعاطي او مراعاة لرغبات السبعمائة الف عربي الذين كانوا يقطنونها وقتذاك.
 
وفي العام 1947 عقدت الامم المتحدة سلسلة من المشاورات حول الوضع المستقبلي لفلسطين، ولكنها سرعان ما تجاهلت ارادة ورغبة الغالبية العظمى من السكان الفلسطينيين الذين اختاروا العيش في دولة ديمقراطية يكون جميع السكان مواطنين فيها ومتساوي الحقوق ورفضوا فكرة تقسيم فلسطين على اسس عرقية ودينية وقومية. فقررا بلا وجه حق تقسيم فلسطين. وفي العقود التي تلت، تم تجاهل الفلسطينيين وقيادتهم من اجندة كافة المشاريع التي طرحت من اجل صنع او احلال السلام بينهم وبين الاسرائيليين.   
 
وبقي الوضع على ما هو عليه حتى بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي عندما اقرت الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وانها المحاور الرئيس الذي يمثل الفلسطينيين في الجهود المبذولة من اجل تحقيق السلام في المنطقة. ومع ذلك، فقد استمرت هذه الدول والقوى بتجاهل ارادة ورغبة القطاعات الشعبية الفلسطينية سواء على مستوى استشارتها بخصوص ما يجري او اخراطها بشكل مباشر في العملية السلمية. ولا شك ان هذا يعكس من جهة ثانية، الجانب الداخلي في الخلل المتمثل في ابتعاد قيادة منظمة التحرير عن القواعد الشعبية شيئا فشيئا ضمن ما يسمى التعاطي الايجابي مع متطلبات الدول الغربية، والراعية لعملية السلام.
 
ان ما سبق لا يعني التشكيل في مكانة المنظمة، فالاعتراف بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني لم يأت على طبق من ذهب ابدا، ولكن لا بد هنا من ملاحظة الفجوة التي نشأت جراء الانخراط في عملية سلام بشروط وفي ظل ميزان قوى يرجح كفة اسرائيل بلا منازع. هذه العلاقة/الانخراط انتجت من بين اشياء اخرى حالة تتطلب من المنظمة ان تتنازل عن ارادة ورغبات الجماهير الفلسطينية المتمثلة بتحرير وطنهم التاريخي واقامة دولتهم الديمقراطية. من ذلك ايضا- على سبيل المثال لا الحصر، اجبر الفلسطينيون على الاعتراف بقرار مجلس الامن رقم 242 ومبدأ "الارض مقابل السلام" كمبدأ واساس للمفاوضات الهادفة لاحلال السلام في المنطقة، بينما طالما رُفض القرار لانه يهدر الحقوق الوطينة الثابتة للشعب الفلسطيني، من جهة، ولان الفلسطينيين انفسهم لم يشاركوا في صياغته اصلا. 
 
ومع ذلك، عمل الفلسطينيون منذ البداية على خلق مكان لهم في عملية صنع السلام على مستوى الاختيار لما يناسبهم وعلى مستوى المشاركة المباشرة في هذه العملية. وقد شرع اللاجئون الفلسطينيون، على سبيل المثال، منذ بداية الخمسينيات على تشكيل الهيئات الخاصة بهم والتي تعمل على تنظيم عملية المطالبة بحقوقهم قبل ان قامت الامم المتحدة بانشاء الهيئات والمنظمات الدولية التي تتابع قضية اللاجئين كلجنة الامم المتحدة لتسوية القضية الفلسطينية. وبعد ان التقت هذه اللجنة بممثلي اللاجدئين في بيروت، اشارت في تقرير خاص لها انه "تأثر اعضاء اللجنة كثيرا بموقف ممثلي اللاجئين الذين عبروا عن رغبتهم بالعودة الى ديارهم الاصلية من اجل العيش بسلام مع جيرانهم". وقد جاء تشكيل منظمة التحرير في العام 1964 ليمثل نقلة جديدة وشكلا جديدا لتمثيل الفلسطينيين في المفاوضات والمشاريع المطروحة من اجل احلال السلام في المنطقة. ولكن السؤال المهم هنا، الى اي حد حافظت منظمة التحرير على صلتها بالقواعد الشعبية، وبالتالي قدرتها على اشراك الجماهير صاحبة المصلحة في تقرير مصيرها؟ بلا شك، ان بحث هذا الامر يستدعي البحث في مستوى الديموقراطية التي تحكم م ت ف ودوائرها وآليات تشكيلها وعملها. 
 
اهمية المشاركة في تحقيق السلام العادل والدائم:

يمكن القول ان اتفاقات السلام هي النتيجة الطبيعية لعملية تفاوض بين النخبة السياسية للاطراف المتصارعة مدعومة بموقف عالمي يستهدف تسهيل الوصول إلى الاتفاقيات وتطبيقها. وفي الواقع، فان القطاعات الشعبية والمجتمعية، هي التي تمثل العامل الأساسي للتطبيق الفعلي والفعال للاتفاقيات.   
 
ومن البديهي القول أن دور اتفاقيات السلام لا يقتصر فقط على وضع نهاية للصراع او النزاع، بل يتعداه إلى تحديد المبادئ والمنطلقات الأساسية التي تحكم العلاقات الداخلية في الدولة بين الحكومة والمواطنين او العلاقة ما بين الاطراف المتصارعة المستعمِر والمستعمَر. يشمل هذا فيما يشمل تحقيق وحماية حقوق الإنسان بما فيها حقوق الملكية، والتعويض، والمحاسبة، كما ويشمل عملية إصدار التشريعات المناسبة؛ ووضع آليات تنفيذية فعالة للانتقال من حالة الصراع الى زرع اسس ومحركات السلام الدائم بما فيها آليات العدالة الانتقالية.
 
بناء على ما تقدم، تتجلى أهمية المشاركة الشعبية حيث أن إشراك الفعاليات الشعبية في عملية الحل أو صنع السلام منذ البداية، يوفر لهذه القطاعات الفرصة للتعبير عن رأيها فيما يخص عملية انهاء الصراع الى جانب المشاركة في تحديد طبيعة وشكل السلام الدائم المنشود. في الوقت ذاته، فان المشاركة الشعبية تساهم الى حد كبير في تدعيم المبادئ والتركيبة الديمقراطية بالإضافة الى معالجة المسائل الأكثر تعقيدا ضمن الحل وإضفاء الشرعية على الاتفاقيات. بالاضافة الى ذلك، فان المشاركة الشعبية توسع قاعدة الالتفاف الشعبي حول الاتفاقيات مما يشكل احد اهم الدعامات التي تؤدي الى تثبيت الاتفاقية على المدى البعيد. 
 
تشير الدراسات المقارنة لاتفاقيات السلام التي وضعت حدا للصراعات والنزاعات طويلة الأمد إلى أنه "عندما يتوفر الدعم الشعبي العريض لاتفاقيات السلام، فانه يصبح من السهل جدا التعاطي مع القضايا الخلافية الحرجة والحساسة من خلال الحوار والنقاش السياسي وحل المشاكل الأخرى وعملية البناء". كما ان وجود قاعدة شعبية داعمة، يوفر البيئة المناسبة التي تمكن الاطراف من وضع الحلول لجذور الصراع وتسويته وليس فقط التعايش معه أو إدارته.1
 
فيما يلي، سنقدم استعراضا ملخصا لدور القطاعات الشعبية في مفاوضات السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، الى جانب عرض موجز لهذا الدور في اتفاقيات سلام أخرى تم تحليلها أو دراستها لغرض هذا المقال.
 
المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية:
 
منذ انطلاقتها الأولى، وفرت عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، بعض الفرص المحدودة جدا للمشاركة الشعبية سواء على مستوى التمثيل في المفاوضات او المشاركة المباشرة. ربما تبدّى ذلك في تنظيم انتخابات المجلس التشريعي، او في اعلان بعض نتائج جولات التفاوض ولو بشكل متأخر. ولكن حتى هذه الاشكال، لم تشمل كل الشعب الفلسطيني، ولم تكن منتظمة، ناهيك عن انها تمت او تتم في سياق حالات الاستقطاب الداخلي او التماهي مع المجتمع الدولي وليس كمنهجية مطلوبة وطنيا. تاريخياً، تم حرمان الفلسطينيين من حقهم الأساسي في المشاركة في اتخاذ القرارات التي لها علاقة مباشرة بتسوية قضيتهم ورسم آفاق مستقبلهم. وحاليا، يجري الاستبعاد تحت شعار "الابتعاد عن الاعلام لتحقيق نتائج مثمرة"؛ وليس أدلّ على ذلك الا حالة الاستغفال، او عدم الشفافية، التي تعبر عن ذاتها في انطلاق الجولات المفاجئة، او في اجراء مباحثات هنا وهناك ما بين فترة واخرى من فترات "الانقطاع" والتي توصف عادة بـ "غير الرسمية"، او في انتهاء الجولات باتفاقات او تفاهمات تختلف بدرجات ودرجات، ان لم تكن تتناقض مع، عما سبق اعلانه او رسمه كهدف من تلك الجولات.
 
تجاهل الفلسطينيين ومستوى التنظيم الذاتي:
 
لقد ادى استثناء اللاجئين من التمثيل في الوفد الفلسطيني الذي يشارك في عملية صنع السلام التي انطلقت في العام 1991 من خلال مؤتمر مدريد وتواصلت من خلال اتفاق اوسلو، ادى هذا الاستثناء الى بروز العديد من المبادرات الذاتية بين مجتمعات اللاجئين في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وشرق القدس، والمهجرين داخل الخط الاخضر واللاجئين في الشتات من اجل اعادة الاعتبار الى حقوق اللاجئين الفلسطينيين التي دفع بها جانبا.   انطلقت الفعاليات بالعمل على التحشيد من اجل احقاق حقوقهم القانونية والشرعية. وقد هدفت غالبية هذه المبادرات الى الاعراب عن القلق والاستهجان لاستثناء حقوق معينة ودعت الى التركيز على المطالب الاساسية للاجئين والتمثيل الافضل لهم في المفاوضات الى جانب دمقرطة عملية صنع السلام.
 
وقد عقد في العامين 1995- 1996 سلسلة من المؤتمرات والمنتديات للاجئين والمهجرين داخل الخط الاخضر وتبعها سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية والتي هدفت جميعا الى التركيز على الحقوق الاساسية للاجئين واطلاق الحملات الشعبية الهادفة للدفاع عن هذه الحقوق ووضع الآليات المناسبة من اجل العمل على احقاقها. ووضعت هذه الحملة نصب اعينها هدف توسيع القاعدة الشعبية المدافعة عن حقوق اللاجئين وعدم اقتصار الحملة على قطاعات محددة. كما ان هذه الحملة قد شكلت حركة ديناميكية مستقلة شارك فيها العديد من المؤسسات والمنظمات الفلسطينية (من اللاجئين وغير اللاجئين) على مستوى الوطن والشتات وكان هدفها المركزي التحشيد من اجل حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ضمن عملية السلام الدائم، في اطار القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة.
 
وقد توجت انجازات الحملة الشعبية بتشكيل اللجان الشعبية للاجئين والمؤتمرات الشعبية التي نجحت في انتخاب مجلس ومؤتمر عام للاجئين الفلسطينيين عقد اعماله على مستوى الوطن والشتات. وقد كان لكل مؤتمر مجلس عام منتخب للاجئين مهمته الاساسية ايجاد الآلية الشعبية المناسبة للنضال من اجل الحقوق الوطنية الشرعية، والديمقراطية، والحقوق المدنية وحقوق الانسان عموما. ولكن يجب الاشارة هنا الى ان هذه الهيئات والمؤتمرات واللجان لم تكن تهدف ابدا الى استبدال منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي لكافة ابناء الشعب الفلسطيني؛ بل محاولة لاعادة توجيه البوصلة. وقد لعب التنظيم الذاتي لقطاعات اللاجئين دورا اساسيا في استعادة اللاجئين لحضور حقوقهم وقضيتهم اكثر من حقهم في التمثيل والمشاركة وهو الحق الذي تم تجاهله من قبل بعض الجهات والهيئات الفلسطينية .
 
وتجدر الاشارة هنا الى ان الممثلين الدوليين وحتى القيادة الوطنية، قد وقفوا عائقا في وجه افساح المجال امام القطاعات الشعبية لتشارك في عملية السلام، اقله لم يوفروا الآليات لذلك. ولم تتطرق كافة مفاصل عملية السلام حتى الآن الى موضوع المشاركة الشعبية حيث تم تجاهل ذلك في عمليتي كامب ديفد الاولى والثانية، ومفاوضات اوسلو السرية، والمفاوضات اللاحقة من اجل انجاز الاتفاقيات الجزئية، وحتى في خارطة الطريق التي اصبحت قرارا دوليا، وما تلا ذلك من جولات تكاد تكون حقوق اللائجين غير مدرجة على جداول اعمالها. كما ان القطاعات الشعبية تم استثاؤها حتى من الاتفاقية التي قادت الى عودة جزء من القيادة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية الى قطاع غزة لتشكل السلطة الفلسطينية طبقا لاتفاقيات اوسلو حيث ان هذه السلطة قد تولت مسئولية الفلسطينيين المقيمين في الارض المحتلة عام 1967 ونظمت انتخابات المجلس التشريعي، الا ان الفلسطينيين في الخارج قد تم تجاهلهم سواء من التمثيل في تشكيل السلطة او في انتخاب المجلس التشريعي. الى جانب ذلك، تم استثناء فلسطينيي ال 48 حتى من هيئات صنع القرار في م ت ف، بل والتسليم "باسرائيليتهم"، واستخدامهم اداة ضاغطة عبر تشجيعهم على المشاركة في انتخابات الكنيست الاسرائيلية، باعتبار ان هذا احج التكتيكات للتأثير في صنع السلام مع اسرائيل.
 
إضافة إلى ذلك، فان هذه المفاوضات التي قادت الى الاتفاقيات، قد التفت على الاجندة التي حددتها متطلبات المجتمع المدني، لتكون عرضة للضغوطات والابتزازات السياسية المختلفة. وقد تكون هذه هي الحالة التي وصلت اليها قضية اللاجئين الفلسطينيين. وفي غالبية الاحيان، تم التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم جسما ضاغطا لا اكثر. يستخدم للمطالبة بالحقوق ولكن دون مراعاة حقيقية للحقوق الفردية والجماعية للاجئين باعتبارهم عنصرا اساسيا من عناصر عملية صنع السلام. فحق تقرير المصير كحق جماعي ببعده التاريخي لم يعد يقتضي تطبيقه من الناحية العملية تمكين اللاجئين من ممارسة حقهم في العودة. اما العودة كحق فردي غير قابل للتصرف فقد تم تجاهله امام دعوى الاهتمام بالقضايا الوطنية العامة. وكما اشار المؤرخ الاسرائيلي، ايلان بابو، فان استثناء اللاجئين الفلسطينيين من العملية السلمية، قد اسقط البعد التاريخي للصراع وحوله الى صراع بلا جذور وبالتالي ليس هناك اي حاجة ملحة لوسائل وآليات من اجل حل الصراع.
 
من جهة أخرى، فحتى المبادرات غير الرسمية الحالية كوثيقة نسيبة- ايلون وتفاهمات جنيف، لم تتطرق هي الاخرى الى اهمية المشاركة الشعبية كما انها لم تعمل على الاستفادة من الدور الداعم الذي تلعبه مثل هذه المشاركة في تدعيم السلام. وفي الوقت الذي تبدو فيه مثل هذه المبادرات على انها مبادرات خاصة ناتجة من مؤسسات المجتمع المدني، او نشطاء سياسيين، الا انها في حقيقة الامر تمثل موقف نخب سياسية. وبلا شكل فان كلا المبادرتين المذكورتين، وبصرف النظر عن مدى توافقها مع الحقوق الوطينة، تتجاهل امكانية الاستفادة من المشاركة الشعبية واهمية هذه المشاركة ولا تختلف في تعاطيها مع هذا الموضوع عما قدمه الرئيس الامريكي ورئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبقين، بيل كلنتون وايهودا براك، للفلسطينينن خلال مفاوضات كامب ديفد الثانية في تموز من العام 2000. ولعل المحاولات التي تلت طرح هذه المبادرات من اجل تحشيد الدعم الشعبي لها، بما في ذلك دعوات الدولة  الواحدة وما شابه، لم تصل الى حد اخراط القطاعات الشعبية في صياغتها، بل وقفت عند حد الدعوة فقط الى تأييدها.
مقابل حالة التجاهل تلك، برزت العديد من محاولات التنظيم الذاتي التي لما تنضج او تكتمل حتى اللحظة. من ذلك تجربة انتخاب اللجان الشعبية في مخيمات لبنان خلال الاعوام 2004-2005، وفي فلسطين خلال السنوات الاربع الماضية. وكذلك تجربة الائتلاف العالمي لحق العودة، وحاليا تجربة الشبكة العالمية للاجئين والمهجرين، وتحالف حق العودة في امريكا، ولجان حق العودة المناطقية وغيرها من الحملات.
 
المشاركة الشعبية من منظور مقارن:
 
هناك العديد من المجالات التي يمكن ان تتجلى فيها المشاركة الشعبية؛ حيث يمكن ان يتم تمثيل القطاعات الشعبية في عملية المفاوضات من خلال الاحزاب السياسية و/او مؤسسات وائتلافات المجتمع المدني الاخرى. كما يمكن تشكيل الهيئات الاستشارية من القطاعات الشعبية لتزويد المفاوض بالنصائح المناسبة الى جانب منح هذه القطاعات الفرصة للتعبير عن رأيها واهتماماتها واخذها بعين الاعتبار في عملية التفاوض. كما انه من الممكن منح الافراد الفرصة للمشاركة في العملية السلمية سواء في مرحلة صياغة الاتفاقيات او تطبيق هذه الاتفاقيات على ارض الواقع من اجل وضع حد للصراع.    
 
وتشير التجارب الشبيهة الى ان المشاركة الشعبية في العملية السلمية يجب ان لا تقتصر فقط على المستوى النظري بوضع آليات لهذه المشاركة؛ بل يجب ان تشارك القطاعات الشعبية فعليا في هذه العملية. ومع ذلك، هناك العديد من الامثلة التي يمكن الاعتماد عليها بخصوص المشاركة الشعبية في عمليات السلام في بقاع شتى من العالم.2
 
واذا ما اخذنا مالي كمثال، فان العديد من الشخصيات المحلية الفاعلة قد قامت في اواسط التسعينيات بعقد ما يزيد عن الخمسين لقاء للفعاليات الشعبية في المناطق التي كان فيها الصراع محتدما اكثر من غيرها، وبالتالي لم يكن تطبيق التسوية بالامر الهين. وقد تراوح عدد المشاركين في هذه اللقاءات بين بضع مئات ليصل الى الف مشارك في كل لقاء. وقد تولى وجهاء القرى ورجالات الدين في كل منطقة مهمة جمع وضبط الاسلحة الى جانب مهمة مساعدة المهجرين واللاجئين والمحاربين السابقين في عملية اعادة الاندماج في المجتمع المحلي والتخلص من ترسبات الصراع المرير. لقد تم دعم وتمويل هذه المهمات من خلال مجلس الكنائس النرويجي بعد عجز الحكومة عن خرط الفئات الشعبية في عملية التسوية وصنع السلام. وقد قادت اللقاءات والمؤتمرات الشعبية الى ترسيخ دعائم عملية التسوية وتوفير القاعدة الشعبية العريضة التي وفرت لهذه العملية الحماية وضمان الاستمرارية.
 
اما اتفاقية احلال الديمقراطية في جنوب افريقيا، فقد وفرت الفرصة لحوالي سبع وعشرين منظمة وهيئة بما فيها احزاب سياسية واتحادات تجارية ومؤسسات دينية من اجل اجراء مفاوضات حول الترتيبات السياسية ووضع الدستور الجديد للجمهورية. وقد تم اعتماد مبدأ التمثيل النسبي في اختيار المشاركين في الوفود التي تفاوضت حول هذه القضايا؛ حيث تم فيما بعد دمج كافة المشاركين في مجموعات خاصة عملت على وضع اساسات التسوية السياسية. وقد ضمت كل مجموعة شخصا مختصا في البحث في اتفاقيات السلام الشبيهة من اجل تقديم المشورة للمفاوضين حول افضل النماذج المطبقة في العالم. وبسبب تصعيد عمليات العنف وعدم الاتفاق على القضايا الخلافية، فان الاتفاقية لاحلال الديمقراطية في جنوب افريقيا قد جمدت. ومع ذلك، فان العديد من الافكار التي نتجت عن عملية الحوار والتفاوض قد اعتمدت من خلال المفاوضات الجزئية التي جرت بين الاحزاب السياسية المختلفة هناك. كماان القطاعات الشعبية قد ساهمت في صياغة الدستور الخاص بالجمهورية من خلال اللقاءات والمؤتمرات الخاصة التي عقدت في جميع انحاء الدولة لهذا الغرض. كما ان المواطنين قد تمكنوا من التعبير عن آرائهم واحتياجاتهم من خلال رسائل مكتوبة تم ارسالها الى صناع القرار بعد ان وضعت الهيئات المختصة صناديق خاصة لتجميع هذه الرسائل في الاماكن السكنية المختلفة.ولقد انعكس كل ذلك في تشريعات يمكن القول انها ابداعية في تناولها لتسوية منازعات حقوق الملكية الاصيلة والمكتسبة.
 
اما في ايرلندا الشمالية، فان العديد من النشطاء غير الطائفيين وعدد من افراد المؤسسات غير الحكومية قد شكلوا منتدى وطنيا عرف باسم مبادرة العام 1992. وقد وفر المنتدى للمواطنين والقطاعات الشعبية الفرصة من اجل طرح قضاياهم بشكل حر مباشر بعد ان كانت هذه القضايا تطرح من خلال الاعمال العسكرية للمجموعات المسلحة فقط. كما تم عقد جلسات استماع لطلبات المواطنين في جميع انحاء الجمهورية من خلال لجنة محايدة مكونة من سبعة اعضاء وبرئاسة شخصية غير ايرلندية. وقد تم ترجمة ونشر محتويات جلسات الاستماع لتشكل القاعدة التي يعتمد عليها بهدف زيادة الدعم الشعبي لاتفاقية السلام الموقعة والاطار العام الذي تم من خلاله حل الصراع في ذلك البلد.
 
 اما في غواتيمالا، فان اتفاقية السلام قد وفرت المجال الفسيح امام المشاركة الشعبية في صياغة وتطبيق الاتفاقية. ففي نهاية الثمانينيات، قامت لجنة المصالحة الوطنية والمكونة من ممثلي اثني عشر حزبا سياسيا مختلفا، الحكومة، الجيش، واتحاد الكنائس الكاثوليكية، قامت هذه اللجنة بتنظيم مؤتمر للحوار الوطني المفتوح. وقد شارك في هذا المؤتمر ما يزيد على الخمسين منظمة وهيئة من المهتمين بالصراع بما فيها المنظمات الطائفية، قطاعات الاعمال، النقابات، والجمعيات الخيرية والتعاونية حيث تم نقاش القضايا المفصلية المتعلقة بالصراع في ذلك البلد.  
 
وقد ساهمت هذه المحادثات في وضع اطار عام للاتفاقية. وقد تم انتخاب هيئة خاصة مكونة من ممثلي عشرة مؤسسات مجتمعية مختلفة حيث تم تفويض اعضاء هذه الهيئة لوضع مسودات الاتفاق حول القضايا المثيرة للخلاف هناك. الا ان هذه الهيئة فقدت صفة كونها هيئة من هيئات المجتمع المدني بعد ان انخرطت في حل قضايا سياسية معلقة بين الحكومة والثوار خصوصا مع تزايد حدة الخلافات بين هذه الفئات.
 
تمكن اللاجئون في غواتيمالا من تنظيم انفسهم ضمن اطار هيئة دائمة حيث عمل ممثلو اللاجئين من خلال هذه الهيئة على التفاوض المباشر من اجل حق جميع اللاجئين بالعودة الى ديارهم وممتلكاتهم. وقد كفلت الاتفاقية للاجئين كافة حقوقهم وامنهم وحرية تشكيل التنظيمات الخاصة بهم بعد العودة الى موطنهم الاصلي واستعادة ممتلكاتهم تحت اشراف مراقبين دوليين. كما كفلت لهم ان يخضعوا للسلطات المدنية وليس للسلطات العسكرية. الى جانب ذلك، فان قطاع النساء من بين اللاجئين قد نجح في تنظيم النساء ضمن هيئات خاصة في اطار تنظيمات اللاجئين حيث عملت هذه الهيئات على تحسين اوضاع النساء اللاجئات بعد عودتهن مع عائلاتهن الى غواتيمالا. وكما اشار العديد من الباحثين والمختصين، فان اللاجئين في غواتيمالا لم ينتظروا صنع السلام، بل شاركوا منذ البداية في صياغته وتطبيقه كذلك. كما ان المشاركة الشعبية الفعالة ساهمت الى حد كبير في ارساء دعائم نظام ديمقراطي كفل للجميع حقوقهم.
 
المشاركة الشعبية ضمان سلاسة التنفيذ:
 
تتجنب العديد من الحكومات والهيئات فتح باب المفاوضات امام المشاركة الشعبية. بيد ان الدراسات المقارنة تشير الى ان المشاركة الشعبية، سواء على مستوى الدور الاستشاري او المشاركة المباشرة، تلعب دورا محوريا بارزا في تسهيل تطبيق اتفاقيات السلام وضمان حالة من السلام الدائم والشامل والعادل.
 
من ناحية اخرى، فان الاتفاقيات التي لا تفسح المجال امام المشاركة الشعبية، يمكن ان تقود الى فقدان الثقة الشعبية في هذه الاتفاقيات وبالتالي تعريض شرعيتها للمساءلة الشعبية مما ينتج عنه ضعف امكانية تطبيقها ويضيق آفاق السلام المستقبلية. اما طرح الاتفاقيات للمشاورات بعد ان يتم التفاوض عليها وتوقيعها، فهو عمل لا قيمة له لكون الامور تصل الى درجة لا يمكن معها اعادة صياغة جوهر هذه الاتفاقيات. كذلك فان الاتفاقيات التي توقع دون ان يكون للقطاعات الشعبية اي دور في صياغتها، قد تكون مصدرا للخلافات والصراعات المستقبلية اكثر من كونها اتفاقيات تهدف الى وضع حد للخلافات والصراعات والنزاعات.  
 
اضافة الى ما تقدم، فان المشاركة الشعبية تشكل الضمانة الضرورية لاعطاء الاتفاقيات والقيادات الناتجة عنها الصفة الشرعية وعدم اللجوء الى الصراعات الجانبية. كذلك يجب التأكيد هنا ان المشاركة العالمية او الدولية بشكل او بآخر في عملية صنع السلام، والذي يؤدي الى اضفاء المزيد من الشرعية الدولية على الاتفاقية، لا يجب ان يشكل بديلا عن المشاركة الشعبية، الذي هو مصدر الشرعية. فشرعية اية اتفاقية، ونجاحها رهن بمدى مشروعيتها في نظر اصحاب الحقوق وليس بمعيار الشرعية الدولية المحكومة جوهريا بموازين القوة.
 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
* ورقة مقدمة الى مؤتمر مجموع عمل اللاجئين، قبرص، حزيران 2015.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** نضال العزة: مدير بديل – المركز الفلسطيني للمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، مدرس القانون الدولي للاجئين في جامعة القدس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. كاثرين بارنز: الانتماء الى عملية السلام: آليات المشاركة الشعبية في عمليات السلام. تقرير مشترك لورشة عمل ودراسة تحليلية، مصادرة التسوية، 2002.
  2. كرمة النابلسي: السيادة الشعبية، الحقوق الجماعية، المشاركة والحلول الدائمة للاجئين الفلسطينيين. ورقة عمل خاصة بمركز بديل رقم 4- نيسان 2003، لمزيد من المعلومات حول المبادئ الاساسية والممارسة للمشاركة الشعبية في عمليات السلام، طالع موقع مصادر التسوية عبر الانترنت: www.c-r.org/pubs/occ_papers/pp_policy.html