دور الفصائل والأطر التمثيلية في حماية المهجرين في قطاع غزة

 مسيرة جماهيرية حاشدة أمام مقر الأونروا، غزة، آب ٢٠١٥ (تصوير: بديل) مسيرة جماهيرية حاشدة أمام مقر الأونروا، غزة، آب ٢٠١٥ (تصوير: بديل)

بقلم: نعيم مطر*

شكلت نكبة فلسطين وضياعها عام 1948 نقطة تحول في مسيرة الشعب الفلسطيني، حيث القت بظلالها وتداعياتها على الواقع الديمغرافي الفلسطيني، محدثة نموذجا تمثل في تشتيت ما لا يقل عن مليون فلسطيني خارج وداخل وطنه. وبرز نمط جديد في التركيبة الاجتماعية والسكانية لم يألفها المجتمع الفلسطيني من قبل مثل ظهور المخيمات وتجمعات المهجرين وما تعكسه من اشكالية معيشية وضرورة حمائية ومسؤولية انسانية. 

إن ما حصل في قطاع غزة ونتيجة للحروب العدوانية المتتالية منذ 2008 وحتى 2014 وما نتج عنها من تدمير ممنهج للمساكن والمنشئات السكانية والاقتصادية، وتحديداً حرب صيف 2014، ليس إلا جزءاً من الإستراتيجية الصهيونية الرامية إلى خلق واقع صعب ومعقد بهدف تهجير وترحيل الفلسطينيين من أماكن سكنهم. لقد فرض هذا الواقع الجديد عبئا اخر على كاهل الفلسطينيين في القطاع والذي تزامن مع استمرارية الحصار الخانق منذ عدة سنوات ما اوصل الامور الى حالة من شبه المستحيل معالجتها ووضع  حلول تطبيقية لها بفعل مجموعة متداخلة ومتشابكة من العوامل والمسببات. 

في ظل إستمرار سياسات التهجير والعمليات العسكرية المتكررة التي تأتي في إطار تضييق الخناق على الفلسطينيين ودفعهم للهجرة، يظهر العديد من التساؤلات المتعلقة بحماية المهجرين ودور الأطر التمثيلية وغيرها في توفير الحماية لهم. سيحاول هذا المقال أن يقدم تحليلاً لواقع الحماية وآليات تطوير سُبل جديدة لحماية المهجرين داخلياً الذين نزحوا إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة.

تشخيص وتحليل للإشكالية: 

لا شك بأن قضية المهجرين الفلسطينيين في غزة وخصوصا تلك التي سببتها الحرب العدوانية الاسرائيلية على قطاع غزة في صيف 2014 قد اخذت حيزاً واسعاً وتعرضت الى سيل من الندوات والمؤتمرات (على الصعيدين المحلي والدولي) بدليل أن التطبيق العملي لحل الاشكالية ما زال يراوح مكانه. فمراكز الايواء التابعة لوكالة الغوث مستمرة ومعاناة المهجرين فيها متفاقمة، وشروط المانحين في محط خلاف وجدال في الاوساط الفلسطينية وخصوصا الفصائلية. وبعد مرور عام كامل على الحرب الأخير، لا يزال الموضوع المالي لقضية إعادة الإعمار عالقاً دون أي تقدم سوى الاتهامات المتبادلة بين الفصائل والسلطة الفلسطينية التي شكلت مادة اعلامية وضعت الإنسان الفلسطيني في محط شك وعدم احترام من قبل الاوساط العربية والشعبية والرسمية.

ومن أجل وضع رؤية تحليلية لقضية توفير الحماية للاجئين والمهجرين في قطاع غزة، ارتأي كناشط في مجال اللاجئين عرض:

أولا: حماية المهجرين الداخلين: 

تُعتبر قضية المُهجرين في قطاع غزة من القضايا الخطيرة لما لها من إنعكاسات وتفاعلات على المجتمع الغزي، حيث تتطلب هذه القضية وضع حلول جذرية لتوفير وتطوير سُبل الحماية للنازحين. وليس المقصود هنا فقط الحماية على المستوى السياسي والإنساني، وإنما على المستوى الإجتماعي والأخلاقي الذي يحد من تفشي ظاهرة المخدرات والجريمة، والتهرب المدرسي وتفشي الامراض الاخلاقية، فضلاً على حدوث الخلافات والمشاكل العائلية، والعوز والحرمان والفقر. إن إختراق المستوى الإجتماعي بهذه الظواهر السلبية يؤدي إلى تفكك وإنهيار منظومة العائلة بمفهومها الإجتماعي، الأمر الذي يتناقض مع إعلانات ومواثيق الشرعية الدولية التي أكدت على قدسية العائلة ووجوب توفير كافة أشكال الحماية لها.

إنطلاقاً من هذا التوصيف لمفهوم الحماية، نجد أن فلسطين (الرسمية والحزبية) قد اخفقت في توفير الحماية للمهجرين، وبالتالي فان حماية المهجرين أصبحت مأزقا حقيقياً يُشكل تحدياً واضحاً امام الكل الفلسطيني وعكس عمق الاشكالية ومحدودية اداء المستوى الفلسطيني الرسمي على تقديم أدنى مقومات الحماية. 

ثانياً: الموقف الفصائلي: 

يندرج الموقف الفصائلي الفلسطيني وتحديداً في قطاع غزة ضمن الحالة السلبية العامة التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني برمته، فالخارطة الفلسطينية تعكس حالة الاحتقان الداخلي وديمومة الانقسام والتشرذم التي تظهر بشكل واضح في الخطاب الاعلامي الفصائلي. إن مواقف الفصائل المحدودة في ظل حالة التشرذم والإنقسام تُجسد حالة الاستحواذ والسعي نحو النفوذ وتحقيق المكاسب الضيقة، وبالتالي فهي جزء من المشكلة وليس من الحل.

وتَظهر هذه الحالة بشكل واضح في تقوقع كل فصيل على نفسه وتحوصل اتباعه والمنتمين له حوله، في الوقت ذاته يسعى الفصيل ( الاسلاموي ) المسيطر على قطاع غزة "حماس" وذراعها العسكري للهيمنة على صنع القرار وتنفيذه في الساحة الغزية بعيداً عن الاهتمام بحل الاشكالية، أو على الاقل بدون تفهم وتقبل مواقف الفصائل الاخرى والتنسيق معها، حيث أن السلوك الاستحواذي وكبح جماح الاخرين هو النمط السائد في تصرفاته ومواقفه. استناداً على التحليل السابق، يمكن التوصل الى نتيجة محورية مفادها أن الحالة الفصائلية الفلسطينية في قطاع غزة ساهمت في تعميق وتجذير واستدامة مشكلة المهجرين الداخليين في القطاع.

بالرغم من ان الفصائل لا تملك المصادر المادية التي من الممكن أن تعالج مشكلة المهجرين، إلا أنه بالإمكان الخروج بموقف جماعي يتناغم وشروط الاطراف المانحة، حيث ان اساس العلاقات الدولية والمساعدات الخارجية ترتكز على قاعدة المصالح وليس المبادئ. بمعنى اخر، من الممكن التوصل مع المانح الى صيغة رضائية تقلل من حجم الشروط والقيود المفروضة على الطرف المتلقي للمساعدات. ان غياب هذا الفهم أوقع الطرف الفلسطيني في مازق يتمثل في استمرارية غياب الرؤية وعدم إشراك الفصائل الأخرى في صنع القرار. ومن المعروف (نظريا) ان صنع القرار ورسم السياسات في انظمة الحكم الديمقراطية تتمثل في الرئيس والمؤسسة التشريعية والحكومة والاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، فاين نحن في الحالة الفلسطينية من ذلك؟ 

إن الاجابة على التساؤل السابق يقودنا الى طرح رؤية قيادة السلطة الفلسطينية حول الاعمار ومعالجة مشكلة المهجرين. فالرؤية الفلسطينية الرسمية تتماهى ورؤية الدول والاطراف المانحة التي تندرج ضمن سياق مسؤولية القيادة العقلانية امام المجتمع الدولي ومؤسساته. إلا أن المعضلة تكمن في عدم تجاوب الكثير من الفصائل وعلى رأسها (حركة حماس) المتنفذة والقابضة على زمام الامور في قطاع غزة، فأصبحنا أمام موقفين متناقضين: موقف التماهي مع شروط المجتمع الدولي يتمثل في رؤية السلطة الفلسطينية وآخر جامد يفتقر الدينامية يتجسد في رؤية حزبية ضيقة وخطاب اعلامي ممزوج باتهامات لا أساس له في أدبيات الخطاب الواقعي الذي يجب أن يتعاطى مع ما هو كائن وليس ما يجب ان يكون. على اية حال، ان محدودية القدرة على توفير حماية للمهجرين الداخليين في قطاع غزة جعل هذه القضية تزداد تعقيدا، الأمر الذي قد يؤدي الى انفجار مجتمعي لا تحمد عقباه.

ثالثا: دور الاطراف التمثيلية الرسمية 

إنعكست المشاكل المادية التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية على قدرة الأطر التمثيلية في أداء مسؤولياتها والوفاء بإلتزاماتها تجاه قضايا شعبها بمن فيهم المهجرون الداخليون. حيث أنه ومنذ البداية، اعترفت السلطة الفلسطينية بعدم قدرتها على معالجة الامر، وبدأت بحملة إعلامية ودبلوماسية خارجية (على الصعيدين: الاقليمي والدولي) لمناشدة المجتمع الدولي (مؤسسات، منظمات، دول) بالوقوف إلى جانبها في وضع خطة وتمويل إعادة إعمار غزة. في الوقت ذاته كان خطاب السلطة الفلسطينية الموجه لأبناء شعبها واضحاً ودقيقاً وعقلانياً بأن الإعمار يتطلب عملاً جماعياً فلسطينياً والتعاطي بايجابية مع شروط الدول والاطراف المانحة. وجاء هذا الموقف متطابقا مع موقف الدول العربية المهتمة بالإعمار وإعادة تهيئة الأجواء للمهجرين. 

لقد كان واضحاً أن دور الأطر التمثيلية في ظل الإنقسام الفلسطيني الداخلي محدوداً جداً نظراً لشح الامكانيات، وعليه فإن الحماية المتوفرة للمهجرين ضئيلة جدا وفرص تعظيمها وتوسعها غير متوفرة بالشكل المطلوب. كما أن الموقف الاسرائيلي الرسمي والمراقب لما يدور من نقاش وجدل حول حل هذه المعضلة كان عاملا رئيسيا في تعطيل وعرقلة عملية الإعمار وتوفير الحماية للمهجرين، حيث أن الأجندة الاسرائيلية لا تخرج عن سياق المتطلبات الدولية، بل ويمكن القول، ان الطرف الاسرائيلي يلعب دوراً اساسياً في القرارات والتوجهات الدولية الخاصة بالإعمار.

رابعا: التوصيات 

بناءً على ما تم عرضه في هذا المقال من تحليل وتقييم، هناك مجموعة من التوصيات على مستويات أبرزها:

المستوى الفلسطيني:

ضرورة إدراك أن إستمرارية معضلة حماية المهجرين الداخليين سيؤدي الى خلق واقع مأساوي قد يولد أمراضا اجتماعية تفتك بالمجتمع الفلسطيني. 
ضرورة بلورة موقف فصائلي وحدوي بعيداً عن حسابات المكسب وتحقيق الاجندات الفصائلية الضيقة والتحلي بالجرأة لاتخاذ موقف حاسم بحق أي طرف يعرقل الجهود المبذولة لمعالجة قضية المهجرين.
على قيادة حماس التعاطي مع موقف القيادة الفلسطينية، والتي بدورها عليها اكثر من مجرد الاستجابة لشروط الدول المانحة. ان التعامل بإيجابية مع متطلبات وشروط الاطراف المانحة، لا يعني الخضوع لها، وان عدم الخضوع لها لا يعني الجمود المطلق. ان حالة المماطلة والتسويف في انجاز العلاقة الوحدوية لن يخدم الا اسرائيل ويساهم في تعميق المأساة التي سوف يدفع ثمنها المهجرون بشكل خاص والمجتمع الفلسطيني في قطاع غزة بشكل عام.
ان تساهم مؤسسات المجتمع المدني في تسليط الضوء على مدى الخطورة التي من الممكن ان تشكلها قضية استمرار مشكلة المهجرين.
ضرورة اجراء دراسة بحثية لحصر المهجرين والعمل على تأهيلهم وتوفير فرص عمل كإجراء من الممكن ان يساهم في توفير قدر من الحماية لعائلاتهم.
ضرورة إشراك كافة الأطياف الفلسطينية في عملية صُنع القرار.

المستوى العربي:

لابد ان يكون لصانع القرار العربي دوراً حاسماً ومؤثراً في القرارات الدولية المتعلقة بإعادة إعمار غزة، والمساهمة بشكل فعّال وعاجل في تقديم الدعم المناسب (بعيداً عن الاجندات الدولية) ووضع حلول لإعادة الإعمار ومعالجة قضية المهجرين.

المستوى الدولي:

يجب الوقوف على الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ومحسابتها على ما اقترفته من تدمير وعدوان وتهجير.
يجب ممارسة الضغط على اسرائيل لاجبارها على رفع الحصار الممتد منذ سنوات على القطاع، وللتوقف عن ممارسة ارهابها بكل اشكاله. 
على المجتمع الدولي ان يفكر في حل قضية التهجير واللجوء الفلسطينيي جذريا، لا في خطر هجرة الالاف من الشباب الفلسطيني بطرق غير شرعية الى اوروبا، ولا في كيفية سد رمق الفلسطينيين بتبرعات ومنح هنا وهناك. 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*نعيم مطر: منسق برامج وأنشطة مركز بديل في قطاع غزة