الوضع القانوني للأردني - الفلسطيني في الاردن

مخيم الحسين للاجئين الفلسطينيين، الأردن، ٢٠١٤ (المصدر: unrwa.org) مخيم الحسين للاجئين الفلسطينيين، الأردن، ٢٠١٤ (المصدر: unrwa.org)

بقلم: د. انيس فوزي قاسم*

دخل الوضع القانوني للمواطن الاردني – الفلسطيني مأزقاً ربما لم يسبقه اليه احد، وربما ينفرد الاردن بهذا الوضع الذي لا سابق له، بل يمكن القول انه سلوك شاذ لدولة ذات سياده يلهج لسانها ليل نهار بترداد انها دولة المؤسسات والقانون. فمنذ اندلاع الحرب العربية –الاسرائيلية الاولى في عامي 1947/1948 وانفلات القوات الصهيونية من عقالها وبدأت بتطهير فلسطين من اهلها بعمليات ارهابية منظمة، لجأ الفلسطينيون الى الدول العربية المجاورة لاسيما الى لبنان وسوريا واكبر عدد منهم لجأ الى الاردن. 

دخلت قوات الجيش العربي الاردني الى فلسطين واعلنت الحكومة الاردنية الاحكام العرفية في المناطق التي لم تتمكن القوات الصهيونية من احتلالها، وقامت الحكومة الاردنية بتعديل قانون الجنسية بحيث فرضت الجنسية الاردنية على كل الفلسطينيين الذين كانوا خاضعين للحكم العرفي في ما اصبح يسمى بـ "الضفة الغربية" او عبروا نهر الاردن الى الضفة الشرقية كلاجئين. ونصّت الماده الثانية من القانون على ان "جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الاردن او في المنطقة الغربية التي تدار من قبل المملكة الاردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يعتبرون انهم حازوا الجنسية الاردنية ويتمتعون بجميع ما للاردنيين من حقوق ويتحملون ما عليهم من واجبات." وبموجب هذا التعديل نام الفلسطينيون ليلة 19/12/1949 كفلسطينيين واصبحوا في صبيحة اليوم التالي "اردنيين" يتمتعون بكل الحقوق التي للاردني ويحملون ذات الالتزامات.

وفي العام 1950 جرت انتخابات برلمانية في ضفتي الاردن بحيث تم انتخاب 20 نائباً عن الفلسطينين الذين اصبحوا الان اردنيين، و20 نائباً عن الشرق اردنيين وتمّ التصويت على وحدة الضفتين في أول اجتماع مجلس نيابي مشترك. وفي العام 1952 صدر اول دستور اردني في ظل الوحدة وقد ورد في المادة الخامسة منه على ان تنظم الجنسية بقانون. وفي العام 1954 صدر اول قانون جنسية في عهد الوحدة حيث نظّم، من جملة امور اخرى، تعديل قانون الجنسية لعام 1949 كما نظّم طرق اكتساب الجنسية وطرق اسقاطها. وفي ظل هذه الاوضاع الدستورية والقانونية الجديدة، شارك الفلسطينيون في اجهزة الدولة الاردنية كافة وعلى قدم المساواة مع الشرق اردنيين ولم تكن هناك مزاعم او ادعاءات عن تمييز او تفضيل او تحديد نسب او محاصصة (الاّ ما حدث استثناءً).

وفي حزيران/ يونيو 1967، تم احتلال الضفة الغربية (بالاضافة الى اراض عربية اخرى) على يد القوات الاسرائيلية وظلت الاردن تمارس دورها كدولة تم احتلال جزء من اراضيها، وان جزءاً من سكانها وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي. وفي بداية الثمانينيات، خشيت الحكومة الاردنية من قيام اسرائيل بتفريغ الضفة الغربية من سكانها تحت ضغوط الحياة اليومية وازدياد شهية الاستيطان، فقامت بابتكار طريقة احصائية بحيث اصدرت بطاقه ذات لون أخضر للسكان المقيمين عادة في الضفة الغربية، واصدرت للفلسطينيين المقيمين في الضفة الشرقية او خارجها بطاقه ذات لون اصفر. وتولت اجهزة الامن الاردنية المسؤولة عن مرور المواطنين من الضفة الغربية الى الضفة الشرقية او العكس بعملية احصاء يومية للتأكد إِن كانت هناك عمليات نزوح او تهجير، وقد لاحظت الحكومة الاردنية على ضوء تقارير الاجهزة الامنية بأن الفلسطينيين قاطني الضفة الغربية يتمسكون بالارض ولا أعراض نزوج او هجرة تنبئ بخلاف ذلك.

وبتاريخ 31/7/1988، القى الملك حسن خطاباً أعلن فيه فك ارتباط الضفة الغربية عن الضفة الشرقية، ورغم ان الاسباب التي ادت بالملك لاتخاذ ذلك القرار غير مقنعة، الاّ ان هذا الخطاب ومنذ صدوره حتى الان لم يأخذ شكلاً دستورياً ولم تتم ترجمته الى قانون. وقد بقي ،من الناحية الدستورية والقانونية، مجرد خطاب ملكي شأنه شأن الخطابات السياسية التي تلقى في المناسبات، وسمي هذا الخطاب بـ "قرار فك الارتباط" علماً ان "قراراً" بهذا المعنى القانوني لم يصدر حتى الان.

سارعت الحكومة الاردنية على اثر ذلك الخطاب باصدار سلسله من "التعليمات" التي لم تنشر حتى الان في جريده رسميه او في منشور من مطبوعات وزارة الاعلان، بل لازالت هي "تعليمات" سريه الى حد بعيد، وأول هذه "التعليمات" ان الحكومة جردت كل حملة البطاقه الخضراء من جنسيتهم الاردنية. وهكذا، نام الفلسطينيون الذين يسكنون في الضفة الغربية ليلة 31/7/1988 كأردنيين وأفاقوا في صبيحة اليوم التالي عديمي الجنسية، وقد جاء هذا التجريد الجماعي في وقت حرج، إِذ سحبت الحكومة الاردنية عن قطاع كبير من مواطنيها الواقعين تحت الاحتلال الاسرائيلي الغطاء الديبلوماسي وفقدت صفتها كدولة موقعة على اتفاقيات جنيف فيما يختص بالضفة الغربية.

اما حملة البطاقة الصفراء الذين يسكنون في الضفة الشرقية او خارجها، بقي وضعهم على ما هو عليه من حيث اعتبارهم مواطنين اردنيين يتمتعون بكافة الحقوق والالتزامات، الاّ ان الحكومة تتلكأ كثيراً في الرد على ماهية الضمانات التي تحول دون قيامها بسحب البطاقه الصفراء من اللاجئين المقيمين في الأردن. ان حالة الاجحاف التي تعيشها هذه الفئة من الفلسطينيين تتمثل في ان الحكومة اوكلت امر مسألة اسقاط الجنسية لدائرة المتابعة والتفتيش التابعة لوزارة الداخلية، ولا تخضع قرارات هذه الدائرة لأي رقابة قضائية، إِذ طلبت الحكومة من المحاكم اعتبار اي دعوى تتعلق بقرار فك الارتباط (اي مسألة اسقاط الجنسية عن فلسطيني) مسأله تتعلق "بأمر سيادي" وبالتالي يخرج عن اختصاص محكمة العدل العليا.

وبمقارنة سلوك دائرة المتابعة والتفتيش مع شروط قانون الجنسية نجد درجة التعسف الذي تمارسه هذه الدائره في الماده (18) من قانون الجنسية، حيث أن اسقاط الجنسية عن اردني عملية معقدة واحاطها قانون الجنسية للعام 1954 بضمانات كافية. اذ أوكل القانون – أولاً- الى مجلس الوزراء (وليس لدائرة او لوزارة) ان يطلب ابلاغ الاردني الذي يخدم خدمة مدنية لدى دولة اجنبية بترك وظيفته والعودة الى الاردن، فان رفض، يتخذ مجلس الوزراء قراراً باسقاط جنسيته، ثانياً، يجب ان ينال هذا القرار تصديق الملك، ثالثاً، نشر القرار في الجريدة الرسمية. رابعاً يحق لصاحب العلاقة وخلال مدة معينة من نشر القرار ان يطعن في قرار مجلس الوزراء امام محكمة العدل العليا. جاءت تعليمات فك الارتباط واطاحت بكل هذه الضمانات القانونية، وحين تصدى احد رؤساء محكمة العدل العليا لهذا الوضع الشاذ واصدر حكماً قضى فيه بأن "التعليمات" لا يمكن ان تعلو على "القانون"، وبالتالي اصدر قراره بالغاء القرار الاداري الذي قضى بسحب جنسية ذلك المواطن الفلسطيني المقيم في الأردن. وحين صدر القرار طلبت الحكومة من هذا القاضي الفارس ان يستقيل، فاستقال، واعلن اسباب استقالته في محاضرتين وسجل ذلك في كتاب قيّم حول استقلال القضاء.

ان هذا الوضع يجعل اللاجئ الفلسطيني المقيم في الأردن في وضع معلق، فهو لا يعلم متى ولماذا سوف يتم سحب جنسيته من قبل دائرة المتابعة والتفتيش، واذا سحبت جنسيته يصبح اجنبياً، وبالتالي، لا يحق له قيادة مركبة او فتح حسابات في البنك او ارسال اولاده الى مدارس الحكومة او معالجتهم في مستوصفات الحكومة، وان كان موظفاً في اجهزة الدولة عليه ان يستقيل وتصبح اقامته مهددة بحيث يحق لوزارة الداخلية إبعاده لأن حق الدخول الى البلد والاقامة فيها رخصه للاجنبي وليست حقاً. 

ساقت الحكومة في تبرير تصرفاتها التي لا تنسجم مع القانون الوطني ولا مع القانون الدولي جملة من التبريرات والاسباب والاعذار، إلا أن جميعها فاسدة لا تصمد امام التفكيك والتحليل. اول وأهم سبب تسوقه الحكومة في القيام بعملية اسقاط الجنسية هو انها تحول دون تحويل الاردن الى "وطن بديل" للفلسطينيين، وسحب الجنسية يؤكد حق عودة الفلسطينيين الى وطنهم الأصلي، وهكذا تقوم الحكومة باحباط المخططات الصهيونية - على حد قولها.

لا مجال للنقاش ان المخطط الصهيوني هو طرد الفلسطينيين من وطنهم الاصلي وافساح المجال للمستعمرين اليهود، واقرب مكان لتهجير الفلسطينيين اليه هو الاردن، وهذا خوف مشروع وله مستنداته ووثائقه التي تؤيده، الاّ ان لا أحد يذكر ان الذي التزم بتوطين الفلسطينيين في الاردن هو الحكومة الاردنية نفسها وذلك حين وقعت مع الحكومة الاسرائيلية في العام 1994 معاهدة وادي عربه، حيث نصت الماده الثامنه منها على: 

المادة 8 : اللاجئون والنازحون

اعترافاً بالمشاكل الإنسانية الكبيرة التي يسببها النزاع في الشرق الأوسط بالنسبة للطرفين، وبما لهما من إسهام في التخفيف من شدة المعاناة الإنسانية، فانهما سيسعيان إلى تحقيق مزيد من التخفيف من حدة المشاكل الناجمة على صعيد ثنائي.
اعترافاً من الطرفين بان المشاكل البشرية المشار إليها أعلاه، التي يسببها النزاع في الشرق الأوسط، لا يمكن تسويتها بشكل كامل على الصعيد الثنائي، يسعى الطرفان إلى تسويتها في المحافل والمنابر المناسبة، وبمقتضى أحكام القانون الدولي بما في ذلك ما يلي:

أ- فيما يتعلق بالنازحين، ضمن لجنة رباعية بالاشتراك مع مصر والفلسطينيين.

ب- فيما يتعلق باللاجئين: 

  1. ضمن إطار المجموعة المتعددة الأطراف حول اللاجئين. 
  2. في مفاوضات تتم في إطار ثنائي أو غير ذلك ضمن إطار يتفق عليه وتكون مقترنة ومتزامنة مع المفاوضات الخاصة بالوضع الدائم للمناطق المشار إليها في المادة 3 من هذه المعاهدة. 


ج - من خلال تطبيق برامج الأمم المتحدة المتفق عليها وغيرها من البرامج الاقتصادية الدولية المتعلقة باللاجئين والنازحين، بما في ذلك المساعدة على توطينهم.

وهكذا يتضح ان ما تدعي الحكومة الاردنية انها تخشاه كانت قد التزمت به التزاماً دولياً، ومن اراد انقاذ الاردن من تحويله الى وطن بديل عليه ان يلغي معاهدة وادي عربه.

وتثبت الأحداث كل يوم ان شلال الدم الفلسطيني لا ينقطع بسبب اصرار الفلسطيني على التمسك بأرضه، فكم من الدماء تريد الحكومة من الفلسطينيين ان يسكبوا حتى تصل الى مرحلة اليقين ان الفلسطيني لا يتنازل عن وطنه ولا عن عودته، ولا بدّ وان الحكومة تدرك ان اوسع انشطة الفلسطينيين في الشتات هو تشكيل لجان العودة واقامة الندوات والمهرجانات ونشر ثقافة حق العودة. ومن المؤكد ان ليس للفلسطيني، ولا للاردني ولا لأي عربي رغبة في التنازل عن فلسطين لصالح مُستعمر قادم من بروكلين او بولندا، وهكذا يقع على الحكومة مسؤولية شدّ ازر الفلسطيني وتمكينه من العودة وليس التنكيل به باسقاط جنسيته بحجة ضمان حق العودة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*د. أنيس قاسم: محام مقيم في عمان