إيجاد حلول دائمة لقضية اللاجئين الفلسطينيين

 مسيرة جماهيرية حاشدة أمام مقر الأونروا، غزة، آب ٢٠١٥ (تصوير: بديل) مسيرة جماهيرية حاشدة أمام مقر الأونروا، غزة، آب ٢٠١٥ (تصوير: بديل)

 بقلم: أمجد القسيس*

يُعتبر وضع اللاجئين الفلسطينيين واحدًا من أطول الأزمات التي عايشها اللاجئون في جميع أصقاع العالم، يحكم وضعهم نظام خاص، حيث لا تغطي منظومة القانون الدولي للاجئين وضع معظم اللاجئين الفلسطينيين. تتألف هذه المنظومة العامة التي تحكم وضع اللاجئين في العالم من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951، والبروتوكول الإضافي، والنظام الأساسي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث تشكل هذه المنظومة الإطار القانوني المعيار الذي يسري على اللاجئين كافة في جميع أنحاء العالم. وفي المقابل، أُنشئ نظام مستقل يطبَّق على اللاجئين الفلسطينيين. ويتألف هذا النظام من وكالتين خاصتين من وكالات الأمم المتحدة، هما: لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا).

 وقد أُوكل إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين العمل بمثابة وكالة بديلة - بمعنى أن تمارس عملها كشبكة أمان للتأكد من مواصلة تقديم الحماية للاجئين الفلسطينيين - وذلك في حال توقفت الحماية أو المساعدة التي تقدمها لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين ووكالة الأونروا لأي سبب من الأسباب1  بالرغم من ذلك، انقطع الدور الذي اضطلعت به لجنة التوفيق بشأن فلسطين في إيجاد حل دائم (وهو الشكل الرئيس من أشكال الحماية التي تُمنح للاجئين) لقضية اللاجئين الفلسطينيين بصورة فعلية في العام 1952، وذلك بعدما حصرت هيئة الأمم المتحدة النشاطات التي تنفذها هذه اللجنة في "جمع المعلومات حول ممتلكات اللاجئين في إسرائيل والبحث في الإمكانيات المتاحة لتعويضهم عنها." وبناءً على ذلك، خلُصت اللجنة في مطلع العقد الخامس من القرن الماضي إلى نتيجة مفادها عدم قدرتها على إنفاذ ولايتها. كما أشارت اللجنة في التقارير السنوية التي رفعتها إلى الجمعية العامة منذ العام 1964 إلى عجزها عن إحراز اي تقدم على صعيد إنجاز الأهداف التي رُسمت لها. وعلى الرغم من أن اللجنة ما تزال قائمة على الورق، فهي لا تضطلع بأي دور ذي معنى أو جدوى في توفير الحماية للاجئين، وتنشر اللجنة تقريرًا سنويًّا يتألف من صفحة واحدة، تصرح فيه "بأنه لا يوجد أي شيء لديها للإبلاغ عنه."
 
وتُعتبر ولاية وكالة الأونروا وولاية لجنة التوفيق بشأن فلسطين منفصلتان من الناحية الجغرافية، حيث يقع اللاجئون الفلسطينيون تحت ولاية وكالة الأونروا في حال كانوا يعيشون في المناطق التي تغطيها هذه الوكالة في عملياتها - وهي لبنان والأردن وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية - وتحت ولاية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حال كانوا يقيمون في دول تقع خارج هذه المناطق. ومع ذلك، يتسبب افتقار وكالة الأونروا إلى ولاية محددة تتيح لها تقديم الحماية في وجود ثغرة في الحماية الواجبة للاجئين الفلسطينيين الذين يقطنون في المناطق التي تغطيها عمليات الوكالة. ولم يسبق أن شملت الولاية الموكلة إلى وكالة الأونروا في تقديم المساعدات الإنسانية تفويضًا صريحًا يخولها بتوفير الحماية الدولية. وعلى الرغم من التدابير المختلفة التي تتضمن جوانب من الحماية الدولية في هذا الميدان - والتي أوصت الجمعية العامة بالكثير منها - فإن الولاية المنوطة بوكالة الأونروا لا تشمل التدخلات التي تُعنى بطرح حلول دائمة لقضية اللاجئين الفلسطينيين. ونتيجة لذلك، لا تستطيع وكالة الأونروا أن تقدم الحماية الدولية الكاملة للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية التي تستضيفهم، ولا في الأرض الفلسطينية المحتلة.
 
ويتمتع اللاجئون الذي تشملهم الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 والبروتوكول الإضافي والنظام الأساسي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، من قبيل حرية ممارسة الشعائر الدينية (المادة 4)، وحقوق ملكية الأموال المنقولة وغير المنقولة (المادة 13)، وحق التقاضي أمام المحاكم (المادة 16) وحرية التنقل (المادة 26). وفضلًا عن ذلك، تبحث المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن حلول دائمة ومستدامة لقضية اللاجئين من قبيل تأمين عودتهم إلى ديارهم وإعادة توطينهم و/أو دمجهم في الدول التي يقيمون فيها. وعلى خلاف غالبية اللاجئين والمهجرين الذين يسعون في عمومهم إلى الحصول على الحماية من الإعادة القسرية إلى أوطانهم، يطالب اللاجئون الفلسطينيون بحقهم في العودة إلى بيوتهم ومسقط رأسهم، الأمر الذي ترفضه إسرائيل وتتنكر له منذ العام 1948. وعلى الرغم من أن القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون بشأن مسؤولية الدول والممارسات الدولية الفضلى، ناهيك عن عدد لا يحصى من القرارات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، يكفل هذا الحق، الا انه لم يجر إنفاذ هذا الحق وتطبيقه حتى هذه اللحظة.
 
تؤكد الممارسات الدولية الفضلى على وجوب منح اللاجئين الحق في اختيار حل لقضيتهم على نحو طوعي ومدروس. وفضلًا عن ذلك، تستدعي المنهجية القائمة على الحقوق في تقديم المساعدة وتوفير الحماية التشاور مع اللاجئين ومنحهم الحق في المشاركة في تصميم التدخلات الوطنية والدولية التي تستهدفهم وتنفيذها. وفي هذا المقام، اعتمدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مبدأ الطوعية (اختيار اللاجئين الحر المبني على معرفة واطلاع لاحد الحلول الدائمة) في البحث عن حلول دائمة لقضيتهم، إلى جانب منهجية تشاركية في العمليات التي تنفذها.
 
وتحدد المادة (11) من القرار (194) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الإطار الناظم للحلول الدائمة بشأن جميع الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم في العام 1948، بمن فيهم الفلسطينيون المهجرون داخل الخط الاخضر. وينصّ هذا القرار على وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم ووجوب دفع تعويضات لمن يقرر منهم عدم العودة إلى دياره عن الممتلكات التي فقدها أو أصابها الضرر. وبموجب هذا القرار، تقرر الأمم المتحدة "وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر ..."2 وتقرر هذه الأحكام هيكلية تراتبية واضحة للحلول التي يُصار إلى اتخاذها بشأن اللاجئين الفلسطينيين. ويتمثل الحل الدائم والأساسي للاجئين الفلسطينيين في عودتهم إلى ديارهم وتأمين مساكن لهم ورد ممتلكاتهم المسلوبة والتعويض عن الممتلكات التي فقدوها أو أصابها الضرر.
 
والأهم من كل ذلك أن حق العودة - بمعنى العودة الطوعية إلى أرض الوطن - يُعتبر الحل الوحيد الذي يمثل حقًا من حقوق الإنسان من بين الحلول الدائمة الثلاث المذكورة أعلاه، كما يُعتبر هذا الحق ملزِمًا للدولة الأصل. ويُعَدّ حق العودة بمثابة قاعدة عرفية من قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويؤكد عدد ليس بالقليل من المواثيق عليه باعتباره حقًا من حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفى العودة إلى بلده." كما تنص المادة 12(4) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه "لا يجوز حرمان أحد، تعسفًا، من حق الدخول إلى بلده." ويُعتبر الحرمان من حق العودة والجنسية والإقامة - من جملة حقوق أخرى - على أسس تمييزية، من قبيل العرق أو الديانة أو الأصل الإثني - إجراءً تعسفيًّا يحظره القانون الدولي لحقوق الإنسان على نحو صريح لا مواربة فيه.
 
وفي أعقاب الأعمال العدائية اللاحقة والأزمات التي تمخضت عن تهجير المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني، أصدرت هيئة الأمم المتحدة القرارات التي تؤكد على حق الفلسطينيين في حل عادل على أساس العودة إلى ديارهم. فعلى سبيل المثال، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار (237)، المؤرخ في 14 حزيران/يونيو 1967، عقب اندلاع حرب العام 1967، ويدعو هذا القرار في الفقرة الأولى منه "حكومة إسرائيل الى تأمين سلامة وخير وأمن سكان المناطق التي جرت فيها عمليات عسكرية، وتسهيل عودة أولئك الذين فروا من هذه المناطق منذ نشوب القتال."3
 
يتمسك اللاجئون الفلسطينيون بمطلبهم بالعودة إلى ديارهم واستعادة أملاكهم التي باتت تقع الآن في "إسرائيل"، وتلقّي التعويض عما فقدوه من ممتلكات والحصول على تعويض وافٍ وعادل عن الأضرار التي تكبدوها. فبعد ما يزيد على ستة عقود من التهجير الجماعي الأول، لم يجرِ التوصل إلى أي حل دائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وذلك على الرغم من المفاوضات السياسية التي انطلقت بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية والمساعي الأخرى التي بُذلت في هذا المضمار. وقد دأبت "إسرائيل" على رفض إعادة الاعتراف بسكان ليسوا يهودًا ولا إسرائيليين وفقًا لأحكام القوانين الإسرائيلية، حيث تنظر إلى هؤلاء السكان على أنهم يشكلون تهديدًا ديموغرافيًّا وسياسيًّا لها. وفي الوقت نفسه، ما تزال الدول الغربية تتخلف عن إنفاذ أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة في مواجهة امتناع إسرائيل عن الالتزام بها. وعلاوةً على ما تقدم، ما يزال البحث عن حلول دائمة تشمل جميع اللاجئين الفلسطينيين يتسم بانعدام جديته، وليس هناك من وكالة دولية تسعى إلى تحقيق هذا المسعى وإخراجه إلى النور. وفي الواقع، يتسبب الإحجام المتواصل عن احترام أحكام القانون الدولي وقواعده في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في تقويض صفة المصداقية التي يحظى بها القانون الدولي نفسه، ولا سيما القانون الدولي بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي بشأن اللاجئين. ولذلك، فقد آن الأوان للتأكد من أن القانون الدولي لا يبقى مجرد حبر على ورق، بل ينبغي إنفاذه وإعماله باعتباره نظامًا قانونيًّا يكفل حماية الحقوق ويقرر الالتزامات، والأهم من ذلك باعتباره يفرض الوقائع على نحو يتوافق مع القيم والمبادئ التي يرتكز عليها.
 
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*أمجد القسيس: وهو باحث قانوني وعضو في شبكة الدعم القانوني لبديل - المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين. كما يعمل مستشارًا لدى مركز الحق التطبيقي للقانون الدولي.
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. انظر:BADIL Refugee Survey 2012.

  2. القرار (194) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة الثالثة، الفقرة (11)، 11 كانون الأول/ديسمبر 1948.

  3. اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار (237) في يوم 14 حزيران/يونيو 1967.