المخيمات الفلسطينية: بين التدمير والتهجير

 صورة جويّة لأكبر مخيمات الضفة الغربية، ٢٠١١ (المصدر: مركز يافا الثقافي) صورة جويّة لأكبر مخيمات الضفة الغربية، ٢٠١١ (المصدر: مركز يافا الثقافي)

بقلم: تيسير محيسن*

شكلت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومنذ نشأتها هاجساً أمنياً وثقلاً ديموغرافياً لم ترده إسرائيل، ولم تألُ الأخيرة جهداً في سبيل ردع هذه الهواجس وتفكيكها. وحين بدا لإسرائيل أنها أذعنت ورضخت لحقيقة وجود المخيم واستمراره، كانت تسعى في السر والخفاء لجعل هذا الوجود سلبياً لا يشكل تهديداً جدياً، منتظرة لحظة سياسية مواتية لتصفية المخيم والقضية برمتها. ويبدو أن إسرائيل تراهن في هذه الآونة على الإنقسام الفلسطيني وتفكك الإقليم بوصفه الفرصة التي انتظرتها طويلا أو التي خططت لها كما ينبغي. 

 
في السياق الفلسطيني، شكل تعبير "مخيمات اللاجئين" واحداً من أكثر التعبيرات شيوعاً واستخداماً كونها شاهداً على النكبة واللجوء والثورة وغير ذلك من أشكال المعاناة والمقاومة. وقد أثارت مخيمات اللجوء العديد من الأسئلة حول مصير هذا المكان المؤقت والتحولات التي طرأت على حياة سكانه في التنظيم والخدمات والاهتمامات، وفيما إذا لم يزل المخيم يجسّد حقّ العودة في ظل هذه التحولات الكبرى داخله وخارجه. 

لم يرغب أي من أطراف النزاع في نشأة "المخيم"، فانطوى موقف هذه الأطراف على رغبة كامنة في تدميره وإزالته كل لأسبابه. فالإسرائيليون رغبوا في محو الشاهد على جريمتهم التي أرادوا أن يكون ضحاياها شتاتاً ممزقاً وليس حضوراً مكثفاً. ورغب الفلسطينيون في تركه بأسرع وقت ممكن والعودة إلى ديارهم التي شردوا منها. أما العرب فقد رغبوا في ذلك دفعاً لتحميلهم مسؤولية الرعاية، أو خشية أن يشكل مدخلاً لتوطين اللاجئين وليس عودتهم. وتعود قضية إستهداف المخيمات إلى كونها مصدراً للتهديد الأمني وللمتاعب على المستوى الأخلاقي والسياسي للإسرائيليين. وقد رأى العرب في المخيم دليلا على هوانهم وتخاذلهم فأحكموا قبضتهم عليه ووصل ببعضهم الأمر حدّ تدمير المخيم وارتكاب مجازر بشعة ضد ساكنيه. 


من الواضح أن تفاوت رغبة تدمير المخيمات من حيث شدّتها وأسبابها قاد لاحقاً إلى تفاوت في الوسائل والأساليب التي اتبعها كل طرف لتحقيق هذه الرغبة، وقد انقلبت هذه الرغبة بسبب طول فترة الصراع إلى نقيضها، أي رغبة جميع الأطراف في بقاء المخيم. فبينما فشل الإسرائيليون في الدفع نحو التوطين، وخشية الضغط عليهم من أجل إعادة هؤلاء اللاجئين، فضلوا بقاء المخيم على نحو لا يشكل خطراً أمنياً عليهم من خلال إستراتيجية إستهداف متعددة الوسائل والأساليب وطويلة المدى. وأمام عجز الفلسطينيين عن تحقيق حلم العودة ورفضهم للتوطين آثروا البقاء في "حالة وسطى" فجعلوا المخيم نقطة انطلاق للثورة. وأحكم العرب حصارهم عليه وقبلوا على مضض ابقاء المخيم منتظرين فرصة مواتية لتدميره دون أن تنشأ تداعيات غير مرغوبة من منظور كل طرف.

وتضافرت الجهود والمؤامرات لدفع الفلسطيني للانتقال من حالة اللجوء إلى حالة المنفى، فقد أعياه التعب من حياة انتظارية ومؤقتة ومضنية في ظل تراجع حلم العودة وضعضعة ممكناته وروافعه. إسرائيل تشجع هذا الانتقال وتغذي دوافعه وأسبابه، والعرب يرحبون به ويشجعون عليه، فهو على أيّ حال أفضل من بقاء المخيم ومن التوطين الذي من شأنه الاخلال بموازين القوى الديموغرافية والطائفية والسياسية.        

وما لا يدركه العرب، أن خرائط العنف والتهجير التي ترسم في هذه الآونة ليست لإفراغ أزمة اللجوء الفلسطيني من محتواها فحسب، بل لإعادة صياغة خارطة سياسية وجغرافية وديموغرافية جديدة للمنطقة باختراع تقنيات تهجير وأحوزة بشرية جديدة، حيث تنطوي المؤامرة على خلق مشكلة لجوء عربية شاملة ليكون حالها المؤقت مخيم وحلها الدائم منفى. وبالتالي، خلق؛ أي نفي الواقع الحالي، باتجاه واقع مجزأ وقائم على كيانات منفصلة وعدائية على أسس مذهبية وطائفية (طبقا لنظرية برنارد لويس) يسهل الحوار معها والتحكم فيها والسيطرة عليها. لذلك، قد تختار إسرائيل الموافقة على دولة فلسطينية قزمة، ستكون بالضرورة دولة لاجئين "مخيما كبيرا ومعزولا ومتحكما فيه"، وبحكم طبيعتها الجغرافية والسياسية سوف تؤمن لإسرائيل فرصة المرور إلى الإقليم دون أن يتمكن الفلسطيني من إعاقتها أو منعها أو إحداث مشاكل جدية لها. 

إذن مع بقائه أطول مما يجب، يتحول المخيم في هذه الآونة إلى تقنية في يد خصوم الشعب الفلسطيني، بحيث لم يعد يشكل خطراً على إسرائيل أو حتى على العرب الذين يقاتل بعضهم بعضاً في حروب طائفية ومذهبية تصب في نهاية المطاف لمصلحة ترسيم خارطة جديدة للمنطقة لا مكان فيها للفلسطيني إلا إذا تماهى مع مسارات هذه الحرب المجنونة، أو إذا قبل بدولة قزمة ستكون بمثابة مخيم كبير. مع الوقت، تحول المخيم إلى تقنية ليس للحفاظ على الهوية وحق العودة وإنما بالضبط للحيلولة دون ذلك ولعل أبشع أشكال التدمير هي تدمير رمزية المخيم وتدمير قدرته على الفعل.

انتقلت إسرائيل فعلياً من مواجهة المخيم إلى تحويل مجمل سكان الضفة الغربية وقطاع غزة إلى لاجئين جدد يجري التعامل معهم ضمن سياسات الفصل والعزل على طريق النفي الرمزي والفعلي. في غزة، حدث هذا الأمر مبكرا. فبعد جولات طويلة من الصراع واستهدفت مخيمات قطاع غزة التي شكلت بؤرة الكفاح المسلح ووجدت إسرائيل ضالتها أخيراً، نتاج حصارها وحروبها الثلاثة واستمرار الانقسام، في تحويل القطاع إلى مخيم كبير مثقل بأعبائه وغير قادر على الفعل حقا، تدفع به نحو الجوار الإقليمي أو الرعاية الدولية الإنسانية أو العزلة والحصار دون أن يشكل لها أي تهديد جدي. أما في الضفة الغربية وبعد جولات من الصراع منذ عام 1967، خططت إسرائيل لإعادة التوطين بهدف تصفية المخيمات وتحويلها إلى أحياء سكنية عادية تابعة لإدارة البلديات والسلطات المحلية في المدن والمناطق المجاورة طبقا لمشروع بن فورات. إن سياسات هدم البيوت ومداهمة المخيمات وغيرها، تجري في هذه الآونة في محاولة لإعادة رسم خارطة الضفة لتصبح مجموعة من المعازل "المخيمات أو أماكن تجمع" يسهل السيطرة عليها والتحكم فيها على طريق تقرير مصير الضفة نهائيا. هذا يعني أن إسرائيل انتقلت فعليا من مواجهة المخيم إلى تحويل مجمل سكان الضفة الغربية وقطاع غزة إلى لاجئين جدد، يجري التعامل معهم ضمن سياسات الفصل والعزل على طريق النفي الرمزي والفعلي.  

إسرائيل والمخيم: صراع سيزيفي

استندت حكومات إسرائيل المتعاقبة، يمينها ويسارها، إلى عقيدة جابوتنسكي في سلوكها تجاه أرض فلسطين وسكانها (الاستيلاء على الأرض، الردع، فرض الأمر الواقع). لقد تبنت إسرائيل هدفاً يتمثل في إنتزاع الإعتراف بها كدولة يهودية بعد أن إستكملت عمليات الإحتلال والإحلال. في غضون ذلك، شكلت المسألة الديموغرافية وبقاء المخيمات العائق الأبرز أمامها. في مواجهة ذلك، طوّرت إسرائيل رؤية تقوم على "الحل الإقليمي" الشامل، وليس فقط توطين اللاجئين. وقد تراوح السلوك الإسرائيلي تجاه المخيم بين التدمير والتهجير. ينطوي التدمير في هذا السياق على الرغبة في إخفاء الجريمة وإفقاد الضحية قدرتها على الفعل والمواجهة، الإخضاع بالتذويب وخلق ذاكرة بديلة. ولعل ما تعرضت له مخيمات قطاع غزة يشكل نموذجا لذلك. إختلفت إستراتيجات تدمير المخيمات من منطقة لأخرى وفقاً للظرف السياسي الذي تعيشه المنطقة، فنرى أن الأردن قبلت بتطبيع حالة المخيم مع محيطه وإندماج سكانه ضمن نسق المواطنة الأردنية. أما في لبنان إستُخدمت كل الوسائل من التدمير المباشر كمخيم النبطية إلى إرتكاب المجازر. وها هي تراهن إسرائيل على استمرار الأزمة السورية إلى أن تلتهم المخيمات في أتون نيرانها كما يحدث في مخيم اليرموك وغيره. 

ومن الواضح أن إستراتيجية إسرائيل في إستهداف المخيمات لا تختلف عن سابقها من حالات الإستهداف والإقتلاع. فإذا كانت إسرائيل تستهدف الأرض من خلال تهويدها، والسكان بقتلهم، والحقوق بترويج رواية توراتية مزعومة وإتباع حلول أمنية وإنسانية، فإن علاقتها بالمخيم، رمز النكبة والحقّ المسلوب، تعكس ذات المضمون من خلال إستهداف المخيم كمكان بالتدمير والحصار والعزل، واللاجئين بالقتل والترويع والحصار ومحاولات التوطين وبعثرة وجودهم المادي المجاور، وحق العودة بالإنكار وتحميل العرب المسؤولية والمقايضة وتنزيل سقف المطالب وغير ذلك. ولعلّ أبرز الممارسات في هذا السياق تمثلت في: التطهير المكاني (استخدام مقدار من التحطيم والتدمير المتعمدين، لفضاء العيش)، فرض نظام للسيطرة على الأراضي المحتلة (باستخدام خمس آليات: الإخضاع، والفصل، والدمج الاستعماري، وتطبيع حالة الاستثناء وأخيراً التواطؤ بين سلطة الاحتلال والمنظمات الإنسانية)، دفع أطراف إقليمية لاستهداف المخيم وساكنيه (بالاتفاق أو التواطؤ أو الضغط والابتزاز)، استخدام تكتيكات مختلفة حسب تغير السياق (الضم الزاحف، تشجيع الجذب الاقتصادي، الرحيل الإرادي). 


كيف ساعد العرب والعالم والفلسطينيون إسرائيل فيما وصلت إليه من تقويض للمخيم مكانا ومكانة، فعلا ووجودا:

أرادت إسرائيل وأد حقّ العودة والتخلص من المخيم وتشتيت اللاجئين إلى أبعد قدر ممكن، وقد ساعدت سياسات وممارسات العرب والعالم والفلسطينيين المتواطئة إسرائيل فيما وصلت إليه من تقويض للمخيم. السياسات والممارسات العربية والفلسطينية والدولية ساعدت وتواطأت وسهلت موضوعيا كل ذلك إلى أن وصل حال اللاجئين ومصير المخيم إلى ما وصل إليه في ظل أوضاع الإقليم المتفجر، وذلك من خلال:

تشققات أو تشعبات الهوية/الانتماء الناجمة عن التشتت طويل الأمد، بفعل التغيرات الطارئة على المناخات العربية أو الدولية المحيطة، أو عن تحولات أخرى في سياسات القيادات، أو انبثاق فصائل جديدة أو شلل المؤسسات التمثيلية الوطنية الأساسية.

جعل فضاء المخيم يمثل حالة الاستثناء وسياسة الفراغ: وهي ظاهرة تَركُّز الجماعات الدينية المتطرفة في المخيمات (الأماكن الوحيدة التي يمكن لهذه المجموعات أن تنمو فيها، باعتبارها "فضاءات الاستثناء")، والتي تغيب عنها الدولة فتصبح بلا تنظيم مدني وبلا قوانين. ان التعامل مع او جعل المخيمات عشوائيات تشكو تدني مستوى العيش بسبب الحرمان من حق العمل ووقوعها تحت سيطرة قوى منقسمة أدى إلى تعدد وتشتت المرجعيات، حيث باتت المخيمات الفلسطينية فضاء للراديكالية يساهم في تخليد الصراع العربي الإسرائيلي (وربما توظيفه لأجندات أخرى) أكثر منه في حلّه.

تكريس النظر إلى الفلسطينيين والتعامل معهم بوصفهم مجرد أرقام، منتج ديموغرافي، كتلة سياسية عابرة تنتظر العودة. بذلك، ضاعت قضيتهم بين الخطاب الإنساني الحقوقي وخطاب التوطين. وما بين خطاب المقاربة الحقوقية والمضمون السياسي تحوّل الانسان الفلسطيني إلى كائن غير مرئي. فمن طرف، تعامله المنظمات الانسانية كجسد يحتاج للطعام والايواء دون وجود سياسي، ومن الطرف الآخر هناك خطاب التوطين الذي ركّز على المعاناة الإنسانية ومفهوم الضحية. 

انطوت المقاربة العربية لمشكلة اللاجئين على تناقضات، فمن جهة تمسك العرب بقضية حق العودة ورفض التوطين، ومن جهة أخرى الاستعداد الدائم للمساومة والمقايضة من خلال حرمان اللاجئين من أبسط حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية بحجة رفض التوطين، الأمر الذي لا يقل خطراً عن التوطين نفسه، من حيث خلق بيئة طاردة تجعل اللاجئ يؤثر الرحيل أو الانتقال والهجرة إلى أماكن أخرى في العالم، وإضعاف العزيمة النضالية بتحطيم اللاجئ نفسياً وجعله يعيش حالة من الخوف المتواصل والعزوف عن الفعل الاجتماعي والسياسي الفاعل. وأخيراً، تعطي هذه السياسة ( اي رفض التوطين والتنكر للحقوق الانسانية في نفس الوقت) الذريعة للمؤسسات الدولية للتعامل مع قضية اللاجئين بوصفها قضية إنسانية وليست قضية سياسية.

عدم انبثاق مرجعيات وآليات تمثيلية (اللجان والهيئات الجماهيرية) للاجئين لتنظيم صفوفهم واتاحة الحرية الكافية لهم لرفع صوتهم: عوضا عن ذلك، جرى إبراز هيئات تتحدث باسم اللاجئين بما يفكك قضيتهم ويضعفها أمام الرأي العام العالمي، ومن ذلك أيضاً محاولات وكالة الغوث تحويل قضية اللاجئين من قضية دولية إلى قضية تتحمل مسؤولياتها الحكومات المحلية.

تمسك المجتمع الدولي بمرجعية قرارات الأمم المتحدة، غير أن المشاريع المقترحة مالت إلى تبني فكرة التوطين والتعويض أكثر من إتاحة فرص العودة. أي أنها مثلت في أغلبها انحيازا واضحاً لإسرائيل، علاوة على أن المجتمع الدولي لم يتخذ أية تدابير عملية للضغط على إسرائيل أو إجبارها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية. على سبيل المثال تراوحت المبادرات الأمريكية، التي لم تمارس ضغطا على إسرائيل بالمرة، بين التوطين والتعويض وإعادة التأهيل (كلينتون مع عودة رمزية، وكذلك أوباما مع حل متفق عليه حسب وثيقة جنيف).

مع انطلاق مسيرة التسوية عام 1991، بدأ الموقف الفلسطيني من قضية اللاجئين وحق العودة بالهبوط والتراجع، حيث برزت اتجاهات جديدة في صفوف نخبهم وقياداتهم تمثلت في إمكانية مقايضة حق العودة بالدولة المستقلة وبناء شرق أوسط جديد وإنهاء حالة الصراع إلى الأبد. لقد بدأ التراجع واضحاً عند لحظة التحول في الخطاب السياسي من "الاستقلال والتحرير" إلى خطاب " بناء الدولة"، ومن ثم الدخول في نفق المفاوضات، وبدا أن القيادة الفلسطينية قد تخلت عن مسؤولياتها تجاههم، حتى وإن زعمت أن الحل السياسي لا يتعارض مع حق العودة. ومنذ نشأة السلطة الفلسطينية، تعرضت قضية اللاجئين إلى مزيد من التهميش وفي بعض الأحيان استخدمت استخداما سياسيا في سياق المفاوضات الثنائية المتعثرة. ومع المبادرة العربية للسلام تكرس هبوط سقف المطالب الفلسطينية والعربية تجاه هذه القضية. إن التهميش الذي تعرضت له منظمة التحرير كان تعبيرا عن تهميش قضية اللاجئين وأيضا عن إغفال الشتات الفلسطيني وهمومه وأوضاعه وحتى دوره في استكمال عملية التحرر. 

بالرغم من تشابه ظروف حياتهم في انعدام الأمن والتهميش والفقر، لا يبدو أن الفلسطينيين المقيمين في مخيمات اللاجئين يمارسون ويدركون كينونتهم كجماعة ما يحول دون نيلهم حق التمثيل في المؤسسات الوطنية، وفي مفاوضات التسوية وفي نظام الحكم الفلسطيني المستقبلي. فإذا أضفنا اهمال القيادة الفلسطينية والخطاب السياسي لها للمبادرات المحلية وأشكال التنظيم الذاتي الخلاقة، أدركنا أن النظر للمخيم كشاهد على النكبة وكمنطقة كوارث واحتياج هو ما يغلب على الرؤية الرسمية. 

خاتمة:

برزت في أوساط العرب والفلسطينيين وجهتا نظر: وجهة نظر راديكالية تُصر على بقاء المخيم على حاله إلى حين العودة وعدم المس برمزيته واعتبار تصفيته هي الخطوة الأولى في تصفية القضية الفلسطينية ككل، ووجهة نظر أخرى ترى أنه من الظلم الابقاء على وضع المخيم على ما هو عليه طالما أن حق العودة لن يتحقق قريبا والعمل على تحسين شروط حياة اللاجئين، والتشجيع على الاندماج، ومنحهم الحقوق كافة وإتاحة فرص التحرك والفعل والعمل دون قيود أو تكبيل. وثمة من يذهب أبعد من ذلك، إذ يحاجج أن بقاء المخيم في ذاته لا يشكل ضمانة للتمسك بحق العودة وأنه لا توجد علاقة مؤكدة بين الأمرين، وأن المخيم بات يشكل مختبراً تجريبياً للمراقبة والسيطرة وموطئاً للحركات الدينية المتطرفة وإنتاج هوية مكانية متمردة أكثر منها هوية وطنية موحدة. 

في الواقع، تعتبر المبالغة والتطرف في هاتين الرؤيتين شكلا من أشكال تدمير المخيم. الأولى تتمثل في محو المخيم بحجة تخفيف المعاناة الإنسانية، الأمر الذي قد يقود إلى التذويب وفتح الأبواب على مصراعيها للاندماج والتهجير، والأخرى في ابقاء المخيم على نحو يجب ألا يمس تحت أي ذريعة (بقاؤه على النحو الحالي هو بمثابة انهيار القلعة من داخلها أو توظيفها ليس في معركة التحرر وإنما في حرب الطوائف). في غضون ذلك، تباينت ديناميات التمثيل والقدرة على المشاركة لدى سكان المخيمات، ففي البداية انطلقت منها شرارة الثورة المعاصرة وحملت لواءها طويلا واحتضنت المنظمة وفصائلها ورفدت الكفاح الوطني بقوة حتى اعترف الجميع بالمنظمة وباللاجئين كقضية سياسية وتحرر وطني وبحق العودة. 

في مراحل الهبوط والحصار وتحت تأثير القوى الأخرى، خفت صوت المخيم وانكفأ اللاجئون فيها على أنفسهم استغراقا في مشاكلهم الحياتية والإنسانية المتفاقمة، كما انتزعت السلطة الفلسطينية لواء التمثيل وهمشت المنظمة كما هُمش الشتات مما أدى إلى تعدد مرجعيات المخيم واختلاف علاقاته مع محيطه وتعرضه لحالة من الاستثناء والحصار والتدمير. 

اليوم، نشهد بروز ظاهرتين متعاكستين: بينما تتسارع وتائر تدمير المخيم، يعلو صوت اللاجئين مرة أخرى باستخدام تقنيات التواصل الاجتماعي واستلهام دروس الربيع العربي وفشل المفاوضات وحل الدولتين وضعف السلطة الفلسطينية وانقسامها وأيضا الاحساس بالخطر الوجودي وليس الخطر الوطني فحسب؛ دعوات لإعادة تعريف الفلسطيني والعودة إلى جذور القضية والبحث عن مشتركات أخرى بين الانضباطيات الممزقة والمنفصلة.  

تدمير المخيم لا يقوض حق العودة فحسب، بل يقوض الوجود المادي المكثف جوار حدود فلسطين، ويقوض القاعدة الاجتماعية والنضالية للمؤسسات الفلسطينية وينسف شرعيتها أو فعاليتها. سوف يؤدي حتما إلى ترحيل خارج الإقليم، طوعا أو قسرا، كما سوف يمهد لبروز وولادة الكيانات الطائفية والمذهبية وحل مشكلة اللاجئين فيها، دفع نموذج غزة إلى أبعد مدى (الفصل والحل الإقليمي والتوطين).

ولذا، على أية استراتيجية فلسطينية جديدة أن تأخذ بعين الاعتبار الخطرين الماثلين الآن: تذويب الشتات وبعثرة الحضور الفلسطيني المكثف في نطاق المخيمات وصولا إلى محاولات إعادة التوطين وربما التهجير خارج حدود الإقليم ذاته. والخطر الثاني يتمثل في تطبيق الحل الإقليمي، على أي نحو، على من تبقى من فلسطينيين فوق أرض فلسطين التاريخية. 
 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

* تيسير محيسن: كاتب فلسطيني، وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، والجمعية العمومية لمركز بديل.