إسرائيل وغزة: الحرب وما بعدها

بيت حانون، غزة، آب ٢٠١٤ (المصدر:Gettyimages.com) بيت حانون، غزة، آب ٢٠١٤ (المصدر:Gettyimages.com)
بقلم: د. عاطف أبو سيف*

لا يمكن النظر الى العدوان الأخير على قطاع غزة بمعزل عن مجمل السياسات والتصورات الإسرائيلية للصراع مع الفلسطينيين، ولسبل إدارة هذا الصراع من أجل ضمان تحقيق القدر الأكبر من الأهداف الإسرائيلية القائمة على مصادرة الحقوق الفلسطينية المادية والمعنوية والسياسية. إن قرابة قرن من الصراع على أرض فلسطين شمل سياسات إحلال وإحتلال ومصادرة وتدمير وتهجير وتزوير للتاريخ وللرواية ولهوية المكان، تأسس على تفويت أية فرصة يمكن أن تسنح من أجل أن يستعيد الفلسطينيون وطنهم، أو حتى جزءاً منه يحققون عليه تطلعاتهم الوطنية.
 
شكّل الإنسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وفق ما عُرف بخطة الإنفصال احادي الجانب، التي تبنّاها شارون، بداية التعاطي الجدّي من قبل إسرائيل مع القطاع بوصفه شيئاً مستقلاً بشكل كامل عن مجمل المناطق الفلسطينية. لم يتم تنفيذ الانسحاب فقط من قطاع غزة دون باقي المناطق الفلسطينية، بل أيضاً لم تقبل إسرائيل أن تكون السّلطة الفلسطينية ذات صلة فيما يتعلق بترتيبات الانسحاب، رغم أن إسرائيل في ذلك الوقت إنسحبت من بعض البؤر الاستيطانية في شمال الضفة من باب ذر الرماد في العيون، وحتى توهم العالم أنّ إنسحابها من القطاع يأتي ضمن رؤية أوسع لفض الاشتباك مع الفلسطينيين. إعتمدت فكرة الإنسحاب من القطاع على التعامل معه بشكل مستقل، وبالتالي تفنيد فكرة وجود شيء متكامل إسمه المناطق الفلسطينية التي يتوقع الفلسطينيون أن يُقيموا عليها دولتهم، والتي تعتمد مجمل القرارات الدولية حول الحقوق السياسية للفلسطينيين في تقرير مصيرهم عليها، وهي تلك المناطق المحتلة عام 1967. وبخروج قطاع غزة من هذه الدائرة والتعامل معه بوصفه منطقة مختلفة، فإنّ الرواية الإسرائيلية كما الممارسة الإسرائيلية تتعزز، وضمن هذا النطاق المفاهيمي فإنّ قطاع غزة لم يعد مكاناً منفصلاً جغرافياً عن الإقليم الذي يمكن أن يشكل مناطق الدولة، بل إنّ العلاقة معه أيضاً تتأسس ضمن منطلقات ومحدّدات مختلفة تتم ضمن مقاربات تختلف جذرياً عن العلاقة مع مناطق الضفة الغربية.

وليس غريباً ضمن هذا الفهم أن تكون إسرائيل قد استبقت الإنقسام الفلسطيني وأسّست لعلاقة قائمة على الفصل بين منطقة الضفة الغربية ومنطقة قطاع غزة. وهي علاقة ستأخذ الكثير من شرعية تبريرها من حالة الإقتتال الفلسطيني الداخلي وما نتج عنه من تمظهر قطاع غزة بوصفه كياناً منفصلاً عن السّلطة الفلسطينية التي تأخذ شكلاً قانونياً مختلفاً في المجتمع الدولي. أفرز هذا الفهم وقائع على الأرض سعت إلى التعاطي مع القطاع بعيداً عن مجمل التعاطي مع الكل الفلسطيني، ولم تكن عدم ولاية السّلطة الفلسطينية الرسمية في رام الله على قطاع غزة بنقطة ضعف تستخدمها إسرائيل عند الحديث عن الدولة الفلسطينية أو المطالب الفلسطينية، بل إنها باتت تستخدمها في تفنيد حق التمثيل الفلسطيني، حيث أنّ هذا التمثيل ممزق ومشتت بين الضفة الغربية ومنظمة التحرير من جهة وبين قطاع غزة وحركة حماس من جهة أخرى كما تزعم إسرائيل. 

هذا النقاش داخل الوعي الإسرائيلي اثار نقاشاً كبيراً حول مكانة قطاع غزة في الصراع مع الفلسطينيين، حيث لم يعد من الممكن التعامل مع القطاع كما يتم التعامل مع الضفة الغربية. بداية فإنّ إسرائيل ورغم نفي المنظمات الدولية أصرت على أنّها أنهت احتلالها لقطاع غزة ولم تعد تتحمّل أي مسؤولية عن القطاع، ورغم أنّها تتحكم بالقطاع براً وجواً وبحراً، فإنها تُصر دائماً على أنّها لا تسيطر على القطاع، بل هي تحمي مصالحها الأمنية من التهديدات التي قد تأتيها من القطاع. ومن المؤكد بأنّ خروج إسرائيل من القطاع لم يكن مجرد خطوة أو ردة فعل على الوضع الأمني والعسكري في القطاع المكتظ بالسكّان، بل كان ضمن نسق أوسع من التصورات المستقبلية التي تعمل على سلخ القطاع عن الضفة الغربية والتعامل معه بطريقة مختلفة عن تلك التي يتم التعاطي بها مع الضفة الغربية، كما تعمل على تعزيز مكانة "الإقليم الغزي" الجديد.

نتج عن هذا النقاش فهمان متلازمان، يتأسس الأوّل على القول بأنّ القطاع كيان معادٍ ويتم التعامل معه وفق هذا الأساس، وتظل مجمل العلاقات الأخرى مثل إدخال البضائع ومرور المرضى وما إلى ذلك من باب العلاقة الإنسانية التي لا تعني إلتزاماً قانونياً إسرائيلياً بوصفها قوة احتلال، بل إنّ إسرائيل صارت تعمل على تجسيد حقيقة الكيان المنفصل التي أخذت تصبغها على قطاع غزة من خلال تشديد العبور والخروج من القطاع إلى إسرائيل أو عبرها فيما يشبه إلى حدّ بعيد الإجراءات التي تعمل بين الدول. ثانيا،ً إذا كان القطاع كياناً معادياً وإذا كانت التهديدات تأتي إلى إسرائيل منه، فإنّ إسرائيل بهذا الزعم إحتفظت لنفسها بحق مهاجمة القطاع وقتما إقتضت الضرورة الأمنية من وجهة نظرها.

جزء من هذا الفهم الإسرائيلي كان قائماً على فكرة البدائل الإقليمية لحل الدولتين التي تحدّث عنها إيجور ألند من معهد الأمن القومي بصورة واضحة، حيث أنّ حل الدولتين-على اعتبار انه كان للحظة ضمن مركبات الوعي السياسي الإسرائيلي للحل مع الفلسطينيين- لم يعد ممكناً بأي حال من الاحوال. وفيما ظلّ الحديث عن مستقبل الضفة الغربية ضمن الحل الإقليمي الأردني والإسرائيلي طي الهمس، باستثناء مطالب الوزير الاسرائيلي نفتالي بينيت، والنائبة الاسرائيلية حوطبلي بضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية لإسرائيل ومنح سكّانها الهوية الإسرائيلية على مراحل، فإنّ الحديث حول رمي قطاع غزة إلى مصيره المصري كان قوياً وأكثر جرأة. وظهرت مطالب بضرورة وقف إسرائيل لمعابرها مع القطاع وإحداث طلاق أبدي بين إسرائيل والقطاع ورمي التركة لمصر، وربما للحظات شجّع صعود نظام الإخوان المؤقت في القاهرة بعد الإطاحة بمبارك وفوز مرسي في الانتخابات مثل هذه التصورات، دون أن يعني هذا حقيقة الربط بين الأمرين رغم وجود تحذيرات فلسطينية على المستويين الرسمي والحزبي والمجتمعي من تشجيع هذا الربط.

إنّ الفكرة لم تكن الحل الإقليمي للغز حول مكانة وموقع قطاع غزة، بقدر ما كانت دائماً تدور حول سبل التخلص من القطاع وما يشكّله من تهديد امني جدّي لإسرائيل، حيث أنّ خروج الجيش الإسرائيلي من القطاع لم يرح إسرائيل مما تعتبره التهديد الغزي، بل إنّه أحضر هذا التهديد إلى داخل البيت بطريقة أكثر خطورة. وعليه، شكّلت حالة الاشتباك المستمرة مع القطاع عسكرياً مدخلاً جديداً لتأسيس العلاقة مع القطاع، وللتأكيد أيضاً على كونه كياناً معادياً يصدر التهديد وعدم الاستقرار لإسرائيل، وبطريقة مواربة، ولكن واضحة، تم استخدام البدائل والطروحات الإقليمية كما التحولات التي عصفت بالمنطقة العربية فيما عرف بالربيع العربي في تأكيد التصورات الإسرائيلية حول مكانة قطاع غزة وحول العلاقة معه.

جزء كبير من هذه العلاقة تأسست أيضاً على حقيقة وجود حركة حماس في الحكم في قطاع غزة، فالعلاقة مع حماس حكمت بكثير من تفاصيلها صيرورة العلاقة مع القطاع. فمن جهة فإنّ إسرائيل إعتبرت حكم حماس لغزّة مبرراً للقول بأنّ أي انسحاب تقوم به من الضفة الغربية سيقود إلى نفس النتيجة، وعليه فإنه محظور على إسرائيل أن تُقدم على خطوة إنسحاب ولو جزئي من الضفة الغربية. ومن جهة أخرى فإنّ وجود حماس على سدّة الحكم في القطاع عزز من فصل القطاع عن مجمل المناطق الفلسطينية، ودفع أكثر باتجاه رمي القطاع نحو الجنوب لا نحو الشمال حيث قلب الصراع، وباستثناء الاشتباك والصواريخ فإنّ غزة باتت تنظر اكثر نحو مصر بحثاً عن إجابات لأزماتها الإنسانية خاصة فيما يتعلق بالمرور للعالم الخارجي وإدخال البضائع.

وقبيل الحرب، بدأت الدعاوى للتعامل الجدي مع غزة وحماس هناك والحاجة للخروج لعملية عسكرية جديدة تعيد ترتيب الأوضاع والعلاقة مع القطاع، ودار حديث حول الحاجة لقصة عادلة تبرر الحرب وتوفر فرصة لنجاح العملية، بجانب وجود تصور إسرائيل حول طبيعة الترتيبات أو المخرج بعد الحرب. ومع اندلاع الحرب كان لدى إسرائيل ثلاث مهمات أساسية (1) توفير الأمن لمواطنيها وعدم تعرضهم للنيران والصواريخ الفلسطينية؛ (2) خفض مستوى "العنف" الفلسطيني وتأمين نجاح العمليات ميدانياً؛ (3) توفير دعم دولي للعمليات.

كان السؤال الإسرائيلي خلال كل عدوان على القطاع يتمحور حول "ماذا نفعل بحماس في قطاع غزة؟" والجواب على هذا السؤال بالطبع ينبع من الإجابة على السؤال السابق حول مكانة قطاع غزة وما تريده إسرائيل للقطاع، وحول العلاقة مع السّلطة في رام الله. ووفقاً للإستراتيجيين الإسرائيليين، فإنّ إسرائيل أمام ثلاثة خيارات يجب التعامل معها في هذا السياق:
  1. التسليم بحكم حماس لغزة وتحميلها المسؤولية عن الاعمال "العدائية" الصادرة من هناك.
  2. القيام بعمليات عسكرية مكثفة لاضعافها.
  3. الإطاحة بحماس وقدراتها.

من الواضح أن إسرائيل بدأت العدوان الأخير على غزة ولم تكن قد حسمت أمرها بعد حول الموقف من حماس، حيث أنّ البلاغة والخطابة العالية التي صاحبت مزامير الحرب لم تكن تعبّر إلّا عن ارتباك بسبب الضغط الذي كانت تتعرض له إسرائيل خارجياً بعد فشل مقترحات كيري، وداخلياً بعد اختفاء المستوطنين الثلاثة في الخليل. كان من الواضح أنّ المقصود من وراء هذا العدوان هو خلط الأوراق وحرف الأنظار وإطفاء مؤقت للحرائق التي إشتعلت في القدس والضفة الغربية من خلال إشعال نار كبرى في غزة.

كان الخطاب الإسرائيلي في بداية العدوان يتحدّث عن القضاء على حماس وتدفيعها ثمن ما يحدث، ومع استمرار المعارك وتواصل الرشقات الصاروخية والاشتباكات البرّية في بيت حانون والشجاعية وخزاعة إنتقل الخطاب الإسرائيلي من القضاء على حماس إلى تركيع حماس. وكان واضحاً لإسرائيل بأنّ الفصائل الفلسطينية تدير حرب العُمر، فالحرب لها وتحديداً لحماس كانت قضية حياة أو موت.

من المؤكّد أنّ الإجابة على السؤال السابق بضرورة الإطاحة بحماس ستجلب سؤالاً أكثر صعوبة حول "ماذا سنفعل بغزة بعد ذلك؟"، فإسرائيل لا تريد أن تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر. فهي بعد الإطاحة بحماس قد تقوم بتسليم القطاع للسلطة الفلسطينية وبالتالي تحيي مشروع السّلطة والدولة، وتضع طوقاً من لهب حول خاصرتها، أما الخيار الثاني فهو فرصة صعود تنظيمات أكثر تطرفاً للسيطرة على القطاع، وبالتالي المقامرة بمستقبل أكثر خطورة مع تنامي ظهور التنظيمات الجهادية في الإقليم المضطرب من عين العرب حتى صنعاء.

لكن الجانب الأبرز في النقاش الإسرائيلي الداخلي تمثل في مدى حاجة إسرائيل لاحتلال قطاع غزة، وإنقسمت إسرائيل إلى مؤيدين ومعارضين للفكرة. فالدخول إلى غزة الذي يهدف إلى القضاء بالكامل على حماس سيكون مكلفاً من جهة خسائر الجيش الإسرائيلي، كما وأنّه سيجلب لإسرائيل إنتقادات دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقد حُكم هذا النقاش بالمخاوف المتوقعة وصعوبة القتال. لقد كان القتال على تخوم غزة الشرقية رسالة قاسية حول مستقبل عملية دخول غزة. وعليه، انتقل التركيز الإسرائيلي حول التوصل إلى ترتيبات جديدة أكثر قسوة على الفلسطينيين.

إرتكزت هذه الترتيبات على إشغال الفلسطينيين بنتائج ما بعد الحرب، حيث لم يكن القصف المكثف على البيوت والمنشآت والأبراج بتصرف عشوائي، بل كان جزءاً من تكوين صورة ما بعد الحرب وما سيترتب عليها. ضمن هذه الصورة تم تدمير جزء واسع من القطاع وتحويل قرابة ربع سكّانه إلى مشرّدين بلا مأوى. أمّا الترتيبات التي تلت الحرب، فيجب أن تُركّز على قضية لم تكن في حسبان الفلسطينيين، وتتمثل في إعادة إعمار القطاع، وستدخل هذه القضية ضمن القضايا والمشاكل الكثيرة المتراكمة أمام بوابات القطاع. وبطريقة مغايرة، فإنّ إسرائيل سعت بعد أن خمدت المدافع إلى مأسسة حصارها على قطاع غزة بوساطة دولية، وربما بترتيبات متّفق عليها مع الفلسطينيين، حيث أنّ ترتيبات إعادة الإعمار تحتوي الكثير من الإشارات إلى "تجميل" وتلطيف الحصار وانتقاله من سياسة إسرائيلية إلى إجراءات دولية. وبالطّبع سيشمل هذا محاولة منع الفصائل من تطوير قدراتها العسكرية من خلال التحكم بتدفق بعض البضائع مزدوجة الاستخدام.

وعليه ستسعى إسرائيل إلى تحويل المفاوضات غير المباشرة في القاهرة إلى سلسلة جديدة من المفاوضات اللامنتهية التي تديرها مع الفلسطينيين، وربما الآن وبعد أن خمدت المدافع بستة أشهر، يمكن تلمس الوضع الجديد القائم على الغوص في أدق التفاصيل حول كيس الأسمنت، وتركيز النقاش على الشروط الإسرائيلية لادخال مواد إعادة الإعمار وإلهاء الفلسطينيين عن المطالب الكبرى مثل المطار والميناء تحت وطأة الوضع الإنساني حتى يحين موعد الاشتباك القادم مع القطاع. 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
* د. عاطف أبو سيف: محلّل سياسي، ورئيس تحرير مجلة سياسات فلسطينية.


 
المزيد في هذه الفئة : « عندما تجن "حواكير" البلاد!*