في مواجهة الإطار الدولي الخاص باللاجئين الفلسطينيين في ضوء الأزمة السّورية

بقلم: جاسمين فريتشي*

مقدّمة

اندلعت شرارة القتال في سورية في العام 2011، ممّا تسبّب في فرار ما يربو على ثلاثة ملايين لاجئ إلى الدول العربية المجاورة، كلبن sان والأردن على وجه الخصوص.1 وقد ألقى هذا النزاع بظلاله على ما مجموعه نصف مليون لاجئ فلسطيني، إلى جانب المواطنين السّوريين الذين عانوا الأمرّين منه.2 وحسبما جاء في محاضرة ألقاها فيليبو غراندي (Filippo Grandi)، المفوض العام السابق لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في الجامعة الأمريكية ببيروت خلال شهر كانون الثاني 2014:

في بعض الحالات، غادر الفلسطينيون (والسّوريون بالتأكيد) بصورة جماعية، سواء كان ذلك بدافع الهرب من رحى القتال أو بفعل تهجيرهم من مناطق سكناهم تحت تهديد السلاح. وتشهد هذه الديناميات تحوّلاً على امتداد المنطقة الجغرافية التي يعمّها النزاع، بحيث يخوض كل مخيّم تجربته فيها بطرق مختلفة تتساوى في آثارها الوخيمة والمدمرة. وحتى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي كانت تتسم بدرجة من الأمان النسبي وتؤوي العديد من اللاجئين المهجرين كمخيم حمص أو مخيّم جرمانا بالقرب من دمشق، باتت تفتقر إلى الاستقرار بسبب قربها من ساحات القتال. وفي فترة لا تتجاوز أشهرًا قليلة، امتدت من نهاية العام 2012 حتى الشهور الأوّلى من العام 2013، باتت حياة الآلاف من الفلسطينيين في سورية فجأة مزعزعة لا تعرف الاستقرار. فقبل أسبوع واحد فقط - وفي شاهد حي آخر على التجاهل الصارخ لقوانين الحرب، وهو تجاهل وسم هذا النزاع - وقع انفجار على مقربة من إحدى المدارس التابعة للأونروا، ممّا تسبب في مقتل 18 شخصًا، من بينهم خمسة أطفال من طلاب المدرسة وأحد الموظفين العاملين فيها.3
 
وفي الوقت الذي يواجه فيه المواطنون السّوريون بعمومهم فترة عصيبة في البلدان التي لجأوا إليها، فإنّ اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا من أتون الحرب ذاتها يواجهون قدرًا مضاعفًا من العقبات في حالات ليست بالقليلة، من قبيل حرمانهم من الوصول إلى هذه البلدان وإعادتهم منها بصورة قسرية. ولا يشكّل إقصاء الفلسطينيين واستبعادهم من الحماية مجرد ظاهرة نشهدها على المستوى السياسي الوطني، بل يمكن للمرء أن يراها حاضرة في القانون الدولي أيضًا. فقد كان تأسيس الأونروا - وما اقترن به من استبعاد اللاجئين الفلسطينيين من نطاق التفويض الممنوح المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين - يرمي إلى حماية هوية أبناء الشّعب الفلسطيني وحقوقهم، غير أنه أسهم في الوقت ذاته في تشكيل فئة منعزلة وفريدة هي فئة ’اللاجئين الفلسطينيين‘، وخلق معه بيئة يمكن فيها للسياسات التمييزية أن تنتشر وتزدهر.
 
تسعى هذه الورقة إلى تحليل التفاعل القائم بين الإطار الدولي الخاص بالفلسطينيين والسياسات التي يطبقها الأردن ولبنان بشأنهم، وهي تركّز على وجه الخصوص على خروج اللاجئين الفلسطينيين من سورية. وفي هذا السياق، فنحن نفترض بأنّ التدابير الدولية المتخذة بشأن اللاجئين الفلسطينيين لا تُعَدّ مناسبة ولا كافية لإدارة حالات التهجير الممتدة والمتعددة التي عانوا منها منذ العقد الرابع من القرن الماضي. وتهدف الورقة، من خلال التحليل الذي تسوقه، إلى الإسهام في الجدل القانوني الدائر حول الحماية الدولية الواجبة للاجئين الفلسطينيين. فبالتركيز على الآثار التي تفرزها هذه المنظومة الدولية المستقلة المقررة لحماية هؤلاء اللاجئين على قدرتهم على تلقّي الحماية في موجات التهجير المتعددة التي تعرضوا لها، تضيف هذه الورقة محورًا آخر إلى هذا الحوار، حيث تشدد على ضرورة إعادة التفكير في المنهجية الدولية المعتمدة في التعامل مع وضع اللاجئين الفلسطينيين في ضوء الأزمة السّورية.4

الأزمة السورية والأردن

لقد جرى تسجيل ما يقرب من 600,000 ’لاجئ سوري‘ في سجلّات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن حتى شهر آذار2014. وتعيش الغالبية الساحقة من اللاجئين السّوريين خارج المخيمات في شمال الأردن، بينما لا تستضيف المفوضية سوى 120,000 لاجئ منهم تقريبًا في مخيميّ الزعتري والأزرق اللذين تشغّلهما في هذه المنطقة.5 ويفضي التفسير الذي خلصت إليه هيئة الأمم المتحدة6 لأحكام المادة (1/د) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 19517 والفقرة (7/ج) من النظام الأساسي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين8 إلى إقصاء اللاجئين الفلسطينيين المقيمين ضمن مناطق عمل الأونروا من ولاية المفوضية. وبناءً على ذلك، لا تشمل المساعدات التي تقدمها المفوضية السامية داخل هذه المخيّمات وخارجها اللاجئين الفلسطينيين، وهم لهذا السبب لا يظهرون على قوائم الإحصاءات الرسمية التي تصدر عن المفوضية بشأن الأزمة السّورية. وبموجب التصريحات الصادرة عن الأونروا، فقد نزح ما يزيد على 13,000 ’لاجئ فلسطيني‘9 من سورية إلى الأردن حتى شهر نيسان 2014.10

السياسة التي يعتمدها الأردن في منع دخول اللاجئين الفلسطينيين الفارين من سورية إلى أراضيه

أعلنت الحكومة الأردنية في شهر كانون الثاني 2013 وبصفة رسمية سياستها التي تقضي بمنع عبور اللاجئين الفلسطينيين من سورية ودخولهم إلى أراضي الأردن. وبناءً على ذلك، أصبح اللاجئون الفلسطينيون الذين نزحوا من رحى النزاع الدائر في سورية ممنوعين من دخول الأردن بالطرق الرسمية عقب هذا الإعلان. وفي الواقع، فقد أقدم الأردن، من خلال هذه السياسة، على خرق واضح للمبدأ الدولي القاضي بحظر الإعادة القسرية.11 وفي مقابلة مع صحيفة الحياة القومية في يوم 9 كانون الثاني 2013، أعاد رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور التأكيد على التزام بلاده بإيجاد حل للشعب للسوري، كما شدّد على أنّ الأردن ما يزال يفي بالالتزامات التي تملي عليه استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين السّوريين.

ونحن في الأردن استقبلنا عشرات آلاف اللاجئين من إخوتنا السّوريين. نتمنى حقن الدماء قبل أي شيء وبأسرع وقت ممكن، ونؤكد مرة أخرى ضرورة حل النزاع الدائر لدى الجارة الشمالية سياسيًّا.12
وفي سياق إشارته إلى السياسة الرسمية التي تبنّاها الأردن بمنع عبور اللاجئين الفلسطينيين النازحين ممّن يحملون وثائق السفر السورية إلى الأردن، قال النسور:
هناك من يريد إعفاء إسرائيل مرة أخرى من التبعات المترتبة عليها في خصوص تهجير الفلسطينيين من ديارهم. الأردن ليس مكاناً لحل مشاكل إسرائيل، وهناك قرار أردني سيادي واضح وصريح بعدم عبور الإخوة الفلسطينيين من حملة الوثائق السورية إلى الأردن. استقبالنا لهؤلاء الأشقاء خط أحمر لأن ذلك سيكون مقدّمة لموجة تهجير أخرى، وهو ما تريده الحكومة الإسرائيلية. إخواننا الفلسطينيين في سورية أصحاب حق في بلادهم الأصلية، وعليهم البقاء هناك لحين انتهاء الأزمة.13
 
ويمثّل هذا البيان أقوى شاهد على الطريقة التي ينظر فيها صانعو السياسة الأردنيون إلى وضع الفلسطينيين القادمين من سورية، وهو يستدعي نظرة متمعنة من الدراسة والتمحيص. وفي الواقع، تضرب هذه الفرضية في جذورها في الخطاب العربي الأصلي الذي ساد خلال الحقبة التي شهدت صياغة الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 حول المادة (1/د) و’بند الإستثناء‘ الذي اشتملت عليه. ويشدّد النسور، وهو إذ يشير إلى حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وإلى وضع المقيمين منهم في الأردن باعتبارهم ’إخوة‘ للأردنيين، على الدور الذي تضطلع به دولته باعتبارها حامية للقضية الفلسطينية. وهو يفترض بأنّه إذا سمح الأردن بعبور الفلسطينيين من سورية إلى الأردن، فهو سيتسبب في إضعاف القضية الفلسطينية باستبعاد المسؤولية عن حالة التهجير الأوّلى وإلقائها عن كاهل إسرائيل. ولا يُعَدّ هذا النمط من التفكير تطورًا جديدًا، بل ما يزال يشكّل ملمحًا أصيلًا من ملامح المنطق القومي الذي يتناول اللاجئين الفلسطينيين. ومع ذلك، يتجاهل هذا المنطق الحقيقة التي تقول بأنّ الفلسطينيين تعرّضوا في الأصل لموجات متعدّدة من التهجير، بَيْد أنّهم لم ’يفقدوا‘ وضعهم كلاجئين فلسطينيين. وفي معرض مقابلة هذا البيان الذي أدلى به رئيس الوزراء الأردني مع البيان السابق الذي صرّح به حول اللاجئين السّوريين، فمن الجلي أنّ تقسيماً واضحاً بات قائماً بين السّوريين والفلسطينيين. وبذلك، يفرض الأردن أعباءً مختلفة على أبناء هذين الشّعبين، ممّا يفضي به إلى انتهاج سياسات تنطوي على التمييز بحق الفلسطينيين القادمين من سورية.
وما يزال العمل جارياً على تقسيم اللاجئين الفلسطينيين وتصنيفهم إلى فئات لغايات ضمان حقهم في العودة إلى ديارهم. وقد شكّل هذا الأمر المنظومة القانونية الدولية بشأن تقنين وضع مستقل وقائم بذاته للاجئين الفلسطينيين، وإقامة مؤسسات مستقلة لهم والتوصل إلى تفاهمات مستقلة حول المسؤولية المتصلة بهم. ففي هذا السياق، عملت أسرة المجتمع الدولي، وبناءً على طلب من الدول العربية، على استثناء الفلسطينيين من ناحية مؤسسية من نطاق الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951 ومن البروتوكول الخاص بوضع اللاجئين لسنة 1967 المنبثق عنها. ومن الناحية العملية، يفسح هذا الفصل الذي تشهده القوانين والمؤسسات الدولية المجال أمام بعض الدول لممارسة التمييز بحق الفلسطينيين تحت ذريعة ضمان حقهم في العودة، في ذات الوقت الذي تدعي فيه صفة المشروعية تحت غطاء تشريعاتها الداخلية.

الأزمة السورية ولبنان

لقد شهد لبنان واحدة من أضخم الموجات التي تدّفقت فيها أعداد هائلة من المهجّرين على مدى التاريخ الحديث نتيجةً للأزمة التي تعصف بسورية. ففي شهر أيّار 2014، تجاوز عدد اللاجئين السّوريين الذين نزحوا من بلادهم إلى لبنان مليون لاجئ.14 وقد باتت هذه الأعداد الضخمة التي خرجت من سورية إلى لبنان تفرض التحديات أمام نظام الدولة اللبنانية الهش وأمام السلم في عموم البلاد، التي يبلغ تعداد سكّانها نحو ستة ملايين نسمة وتحتضن ما يقرب من نصف مليون لاجئ فلسطيني. ومع انتشار رقعة أعمال العنف، بات يُنظر إلى اللاجئين النازحين من سورية على أنهم يشكلون تهديدًا لحالة السلم الهش الذي يتسم به لبنان. وفي الواقع، يفرض تدفق اللاجئين السّوريين على لبنان ضغوطًا هائلة على تجمعات اللاجئين الموجودة فيه في الأصل وعلى شبكات البنية التحتية في البلاد.
وقد أفضت مخيمات اللاجئين التي تعاني من الاكتظاظ ولا تتلقى حاجتها من التمويل، ناهيك عن ارتفاع قيمة إيجارات المنازل وما يقترن بها من غياب الدخل بسبب السياسات التي تفرض القيود على تشغيل الفلسطينيين، إلى استضافة اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا من سورية في أفقر التجمعات التي يحتضنها لبنان على أراضيه، وهذا أمر يثير قلقاً خطيراً حيال شبكات البنية التحتية التي تخدم هذه التجمعات. ويبدو أنّ البقاء الاقتصادي يشكل القلق الأساسي لدى أبناء تلك التجمعات، وذلك وفقاً لما ورد في تقييم الاحتياجات الذي أعدّته المؤسسة الأمريكية لإغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى (أنيرا).15 وتزداد خطورة انتشار الأمراض السارية والتوتر في مناطق بعينها مع الأُسر التي يزيد تعداد أفراد الواحدة منها على 15 فرداً. وقد دأبت السلطات اللبنانية، منذ شهر آب 2013، على إبعاد اللاجئين الفلسطينيين عن أراضيه وإعادتهم من حدود البلاد من حيث أتوا في انتهاك واضح لمبدأ عدم الاعادة القسرية.
 
ويحتكم الرد الرسمي الذي يقدمه لبنان بشأن اللاجئين الوافدين على أراضيه إلى مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومته مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في العام 2013. ومع ذلك، لا تسري هذه المذكرة على الأزمة السورية الراهنة، لأنها تتناول في جانب أساسي منها حالات فردية ولا تعترف بتدفق اللاجئين على نطاق واسع. ومنذ مطلع العام 2014، لم يَجْرِ إبرام أي مذكرة جديدة للتفاهم بشأن تدفق اللاجئين وتوافدهم من سورية. ويعتمد الرد اللبناني بشأن مسألة اللاجئين على السياسات التي تعتمدها الوزارات اللبنانية ذات الصلة إلى أنّ تتوصل الحكومة اللبنانية إلى اتفاقية جديدة مع المفوضية في هذا الخصوص. وتسمح وزارة التربية والتعليم لأبناء اللاجئين المسجلين بالانتظام في المدارس العامة لقاء رسوم مخفضة، كما تتيح وزارة الصحة لهم بتلقي خدمات الرعاية الصحة الأوّلية16 وبما أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين هي الجهة الرسمية التي تتولى تسجيل اللاجئين وبالنظر إلى أنّ الفلسطينيين مستبعدين من نطاق ولايتها، فلا يُعَدّ اللاجئون الفلسطينيون مؤهلين للحصول على الخدمات العامة الأساسية المذكورة. وفلسطينيو سورية مسجّلون لدى الأونروا، وهم بذلك يُعتبرون مؤهلين للاستفادة من الهيكليات القائمة التي تشغلها الوكالة لصالح اللاجئين الفلسطينيين. وحسبما ذكرنا أعلاه، يُحرم اللاجئون الفلسطينيون في لبنان من الالتحاق بمؤسسات التعليم العام ومن تلقّي الخدمات التي توفرها مراكز الرعاية الصحية، وهم يلقون معاملة تختلف عن تلك المعاملة التي يحظى بها الأشخاص الذين يجري اعتبارهم ’لاجئين سوريين‘.
 
وتنطوي السياسات اللبنانية الحالية على تهميش الفلسطينيين المقيمين في البلاد إلى أقصى حد. وفي هذا المقام، تقوم معاملة الفلسطينيين النازحين من سورية بصفتهم لاجئين فلسطينيين - دون اعتبارهم جزءًا من مجموع اللاجئين الوافدين من ذلك البلد - على التمييز بحقهم كونها تضعهم ضمن فئة مهمّشة في الأصل. وقد يتمثل التوجه الأفضل في هذا السياق في اعتبار هؤلاء اللاجئين النازحين من سورية باعتبارهم مجموعة واحدة من اللاجئين الذين يحتاجون إلى آليات خاصة تكفل الحماية لهم. وفي المقابل، فقد ينظر الفلسطينيون المقيمون أصلًا في لبنان إلى هذا الأمر باعتباره تمييزًا بحقهم. ومع ذلك، تقتضي الضرورة الاعتراف بالاحتياجات المؤقتة والملحّة التي تستدعي توفير الحماية لجميع أفراد هذه الفئة التي نزحت من أتون النزاع الذي تدور رحاه في سورية، وذلك بصرف النظر عن البلد الأصلي الذين ينحدرون منه. وفي الواقع، تدفع الأمم المتحدة بفئة تعاني ضعفًا جسيمًا في خضم منظومة التهميش القائمة بموجب المنظومة الحالية.

الخلاصة

لقد استعرضنا في هذه الورقة تحليلًا للتفاعل القائم بين الإطار الدولي الخاص بالفلسطينيين والسياسات التي يطبقها الأردن ولبنان بشأنهم، وركّزنا فيها على خروج اللاجئين الفلسطينيين من سورية على وجه الخصوص في الآونة الأخيرة. كما افترضنا بأنّ التدابير الدولية المتخذة بشأن اللاجئين الفلسطينيين لا تُعد مناسبة ولا كافية لإدارة حالات التهجير الممتدة والمتعددة التي كابدها الفلسطينيون منذ حقبة الأربعينيات من القرن الماضي. وفضلًا عن ذلك، استعرضنا نبذة تناولنا فيها الإطار القانوني الدولي وتقييمًا له، وتطرقنا إلى الردود السياساتية التي اعتمدها الأردن ولبنان في هذا الشأن. وبذلك، فقد توصلنا إلى نتيجة مفادها أن النظام الخاص الذي اعتمده المجتمع الدولي في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين يفسح المجال أمام إنفاذ ردود سياساتية تنطوي على التمييز بحق اللاجئين الفلسطينيين في كل من الأردن ولبنان. ولا يقتصر هذا الأمر على طرف واحد دون الآخر، حيث أنّ هاتين الدولتين اضطلعتا بدور فاعل مع الدول العربية الأخرى في تحديد المنظومة القانونية الدولية المستقلة التي تسري على هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين، بل ما تزال هذه الدول تضطلع بهذا الدور.
وعلى وجه الإجمال، يستند الإطار القانوني الدولي في أساسه إلى الفهم الذي يرى بأنّ اللاجئين الفلسطينيين يتميزون عن اللاجئين الآخرين، بسبب حالة التهجير الأوّلى التي تعرضوا لها. ففي الحقبة التي شهدت العمل على صياغة الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951، دفعت الدول العربية بأنّ الفلسطينيين، وعلى خلاف معظم اللاجئين الآخرين، لم يتحولوا إلى لاجئين بسبب أعمال تتعارض مع المبادئ الدولية التي ترعاها هيئة الأمم المتحدة، بل إنهم تعرضوا للتهجير من ديارهم نتيجة لقرار اتخذته هذه الهيئة نفسها. وبناءً على ذلك، يرى الفهم المشترك الذي تأسس هنا وجوب إلزام الأمم المتحدة بحماية هؤلاء اللاجئين وإيجاد حلول دائمة لهم، لا أن تتحمل الدول المضيفة هذا العبء. ونتيجة لذلك، ما فتأ اللاجئون الفلسطينيون على مدى تاريخهم مسلوخين على الصعيدين المؤسسي والاصطلاحي من مفهوم اللاجئين الذي تقرره الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين ومنفيين منه. وقد أسهم هذا الاستثناء، على مدى السنوات الستين المنصرمة، في وجود ثغرة تتصل بالحماية الفردية الواجبة لهم بسبب انهيار لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين في وقت مبكر.
وبدراسة التوجهات السياساتية الأخيرة التي اعتمدها الأردن ولبنان في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجِّروا من سورية، تتضح الدلالات العملية التي تشملها الثغرات التي تشوب الحماية17 وتبزر للعيان. فكلا البلدين يميزان بين المواطنين السّوريين والفلسطينيين، وذلك على الرغم من أنّهم يفرّون من النزاع ذاته، ممّا يتسبب في إعمال سياسات تمييزية تجاه الفلسطينيين عند عبورهم إلى أراضيهما وفي حصولهم على الخدمات الأساسية التي لا غنى عنها.
 
وفي هذا السياق، تقدم الحكومة الأردنية نفسها كما لو كانت تصون القضية الفلسطينية في الوقت الذي تربط فيه ردودها السياساتية القائمة على التمييز مع حركة الكفاح الأعم الذي يخوضه الفلسطينيون ضد إسرائيل في سبيل إنجاز حقهم في العودة إلى وطنهم. ويدفع الأردن بأنّ سياساته تنطوي على تمييز ’إيجابي‘. ويجد هذا المنطق صدى له في الخطاب القديم الذي اعتمدته الدول العربية عقب موجة التهجير الأوّلى التي عانى منها الفلسطينيون في العام 1948، والتي أفضت إلى إقصاء اللاجئين الفلسطينيين من نطاق الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951.

وفضلًا عن ذلك، يعود السيناريو الذي نراه في لبنان، وعلى الرغم من مغايرته للوضع القائم في الأردن، في جذوره إلى تقسيم اللاجئين الوافدين من فلسطين وإلى الفصل الدولي الممؤسس للفلسطينيين واستبعادهم. وتبقى النتيجة النهائية ماثلة في اعتماد معالجة تقوم على التمييز تجاه اللاجئين الفلسطينيين. ويواجه الفلسطينيون الذين يعيشون في لبنان قيودًا مفروضة على حقوقهم في مجالات التعليم والعمل، وهو ما يدفع باللاجئين الفلسطينيين الموجودين أصلًا في هذا البلد وغيرهم ممّن حطوا رحالهم فيه مؤخرًا إلى أقصى حدود التهميش على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.

ويحظى اللاجئون السّوريون بالتسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تشملهم في تفويض الحماية الذي تملكه. وتتيح منظومة الحماية الخاصة التي أنشأتها المفوضية بالتعاون مع الحكومة اللبنانية لهؤلاء اللاجئين أن ينعموا بمجموعة أوسع من الحقوق. وفي المقابل، فليس في إمكان اللاجئين الفلسطينيين الفارين من سورية أن يسجلوا لدى المفوضية، وإنما لدى وكالة الأونروا بسبب التفسير الذي تعتمده تلك المفوضية للمادة (1/د) باعتبارها مادة حصرية. ولذلك، لا يتمتّع هؤلاء اللاجئون بالتغطية التي توفّرها المنظومة الخاصة المذكورة، بل بما يمنحه لهم الإطار القائم المخصص للاجئين الفلسطينيين والذي ينطوي على العديد من القيود. وبناءً على ذلك، تسمح سياسة الأمم المتحدة، وبصورة مباشرة، بإعمال التمييز بحق هذه الفئة الجديدة من اللاجئين.

وطالما ظلت القوانين الدولية تعتمد المعاملة المجتزأة للاجئين الفلسطينيين، فهي تفسح مجالًا أمام قيام نمط من التمييز الذي يحظى بالحماية القانونية ويُلحق ضرراً جسيماً بالفلسطينيين المهجرين من مناطق سكناهم. ولذلك، ينبغي التركيز على دمج الفلسطينيين ضمن منظومة الحماية الدولية التي تنص عليها الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951، والمحافظة على حقوقهم المستقبلية، بما فيها الحق في العودة في الوقت نفسه. وهذا لا يستدعي إجراء أي تغييرات جذرية في هذا الإطار. فعلى سبيل المثال، يتمثل أحد الخيارات المتاحة في هذا المقام في تنفيذ بند الدمج الذي عرّجنا عليه أعلاه ضمن أحكام المادة (1/د) من اتفاقية سنة 1951. ولغايات دراسة هذا الخيار وغيره، تقتضي الضرورة إطلاق حوار بين الحكومات والوكالات المعنية بغية إعادة تشكيل الطريقة التي يُصار إلى اعتمادها في التعامل مع وضع اللاجئين الفلسطينيين ضمن إطار المنظومة الدولية. 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*جاسمين فريتشي (Jasmin Fritzsche): هي باحثة مستقلة تركّز على قضايا اللاجئين في أبحاثها، وتنتسب فريتشي في هذه الآونة، إلى مركز دراسات الهجرة واللاجئين في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بصفتها باحثة زميلة فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. UNHCR, “Press Release: Refugee Total Hits 3 Million as Syrians Flee Growing Insecurity and Worsening Conditions,” August 29, 2014, http://www.unhcr.org/53ff78ac9.html.
  2.  United Nations Information System on the Question of Palestine (UNISPAL), “Extremadura Supports Health in Syria,” July 7, 2014, http://unispal.un.org/UNISPAL.NSF/about.htm?OpenForm.
  3.  Filippo Grandi, “Crossroads of Crisis: Yarmouk, Syria and the Palestine Refugee Predicament” (American University of Beirut, 2014), http://www.unrwa.org/newsroom/official-statements/crossroads-crisis-yarmouk-syria-and-palestine-refugee-predicament.
  4. ولغايات هذه الورقة، تُستخدم عبارة ’اللاجئين الفلسطينيين‘ للإشارة إلى جميع أولئك الذين جرى تهجيرهم من فلسطين، بمن فيهم اللاجئون الذين يُعرفون قانونًا بـ’لاجئي فلسطين‘ و’الأشخاص المعنيين‘. ولا نستخدم مصطلح ’لاجئي فلسطين‘ إلا في معرض الإشارة إلى فئة الفلسطينيين الذين هُجِّروا خلال حرب العام 1948، والذين تعرّفهم وكالة الأونروا تعريفًا عملياتيا بهذا المسمى.
  5. UNHCR, “Syria Regional Refugee Response - Jordan - Mafraq Governorate - Zaatari Refugee Camp,” October 28, 2014, http://data.unhcr.org/syrianrefugees/settlement.php?id=176&region=77&country=107; UNHCR, “Syria Regional Refugee Response - Jordan - Zarqa Governorate - Azraq Camp,” October 28, 2014, http://data.unhcr.org/syrianrefugees/settlement.php?id=251&country=107&region=73
  6. UNHCR, “Note on UNHCR’s Interpretation of Article 1D of the 1951 Convention Relating to the Status of Refugees and Article 12(1)(a) of the EU Qualification Directive in the Context of Palestinian Refugees Seeking International Protection,” May 2013, http://www.refworld.org/docid/518cb8c84.html.
  7.  الجمعية العامة للأمم المتحدة، "الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين"، 28 تمّوز 1951.
  8.  "النظام الأساسي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، 1950، http://www1.umn.edu/humanrts/arab/b084.html، الفقرة (7/ج): "لا تشمل ولاية المفوّض السامي، كما عُرفت في المادة 6 أعلاه، أي شخص يواصل التمتع بحماية أو مساعدة هيئات أو وكالات أخري تابعة للأمم المتحدة."
  9.  UNRWA, “Palestine Refugees,” accessed November 20, 2014, http://www.unrwa.org/palestine-refugees.
  10. UNRWA, “PRS in Jordan,” accessed July 4, 2014, http://www.unrwa.org/prs-jordan.
  11.  يشير مبدأ حظر الإعادة القسرية إلى الحظر المفروض على طرد الأفراد إلى بلد تتولد لديهم أسباب تثير خوفهم من الاضطهاد فيه. وقد عرّفت جملة من الصكوك الدولية هذا المصطلح، ومن بينها المادة (33/1) من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لسنة 1951.
  12.  النسور لـ"الحياة": "استقبال اللاجئين الفلسطينيين من سورية خط أحمر"، 9 كانون الثّاني 2013، http://alhayat.com/Details/470960.
  13.  المصدر السابق.
  14.  UNHCR, Syrian Refugees in Lebanon Surpass One Million, April 3, 2014, http://www.unhcr.org/533c15179.html.
  15. ANERA, “Palestinian Refugees from Syria in Lebanon: A Needs Assessment,” March 2013, 1, http://www.anera.org/wp-content/uploads/2013/04/PalRefugeesfromSyria2.pdf.
  16. UNHCR, Lebanon Baseline Information, October 10, 2013, http://data.unhcr.org/syrianrefugees/download.php?id=3191.
  17. اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "المعايير المهنية الخاصة بأنشطة الحماية التي تنفذها الجهات الفاعلة في مجاليّ العمل الإنساني وحقوق الإنسان في النزاعات المسلحة وغيرها من حالات العنف"، طبعة العام 2013، https://www.icrc.org/ara/assets/files/other/icrc-002-0999-ara.pdf

وانظر أيضًا:
BADIL Resource Center for Palestinian Residency and Refugee Rights, Survey of Palestinian Refugees and Internally Displaced Persons, 2010-2012, vol. VII (Bethlehem, Palestine, 2012), 2010–2012.