الشرعية الدولية: تجسيد للعدالة ام لموازين القوى؟

كاريكاتير للفنان كارلوس لطوف، ٢٠١٤ كاريكاتير للفنان كارلوس لطوف، ٢٠١٤

بقلم: احمد هماش*

منذ أواسط السبعينيات وتحديداً نهاية عام 1974 حين ألقى الرئيس الراحل ياسر عرفات خطابه الأوّل والشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، برز مصطلح "الشرعية الدولية" في خطاب منظمة التحرير الفلسطينية. ورغم أن هذه الشرعية عجزت مراراً وتكراراً عن تنفيذ العشرات من قراراتها الخاصة بتحقيق الحقوق الفلسطينية وكان آخرها (ولن يكون الأخير) عدم تصويت الأغلبية في مجلس الامن لصالح قرار المشروع الفلسطيني العربي بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، إلّا أنّ القيادة الفلسطينية لا تزال متمسكة بالإستمرار في العمل على هذه الساحة مطلقة ما يسميه البعض (النضال الدبلوماسي) في وجه الاحتلال. 

إن سلسلة الرفض التي تتعرض لها أية خطوات تنفيذية لمقررات الشرعية الدولية فيما يتعلق بتحقيق الحقوق الفلسطينية من قبل مجلس الأمن- الجهاز المخوّل بإنفاذ الشرعية الدولية، إنما تأتي في سياق توازنات القوى وفرض السيطرة والهيمنة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها على دول العالم والمؤسسات الدولية. 

 وهنا تكمن ضرورة إعادة قراءة المفاهيم والدلالات المتعلقة بمصطلح الشرعية الدولية، والتي لم تنفذ على أساس القانون الدولي وأسس العدالة إلا بقدر تماهي نتائج التنفيذ مع المصالح الاميركية والغربية وإستراتيجياتها المعولمة وإن أدى هذا التنفيذ الى صراعات دامية وضحايا أبرياء، حتى أصبح الاعتقاد بأنّ الشرعية الدولية المبنية على القوانين والحقوق والعدالة الانسانية ضرباً من ضروب الوهم. ولو لم يكن الامر كذلك، فلماذا لم يتم تطبيق القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة والصادرة أساساً عن الشرعية الدولية؟

في قراءتنا لدروس التاريخ الحافلة بالصراع بين المعاني الإنسانية للشرعية الدولية والسلم العالمي من جهة، وتلك الدروس التي قامت على استخدام كافة أشكال المقاومة المشروعة بلا استثناء رداً على عنف الإستعمار والهيمنة من جهة أخرى، فقد أثبتت تجارب حركات التحرر التي أنجزت أهدافها بأنّ الشرعية الدولية كانت عاملاً مساعداً لإنجاز حرية أو كرامة شعب يستجيب لما تفرضه المقاومة من حقائق وإنجازات على أرض الواقع.

ويجدر بنا ألا نغفل بأنّ القوانين والمؤسسات الدولية التي تم الإصطلاح عليها بين الدول المنتصرة (المهيمنة) في الحرب العالمية الثانية، إنما وضعت هذه الأنظمة لرعاية مصالح المنتصرين في الهيمنة على الشعوب وإدارتها تحت الإحتلال المباشر وغير المباشر. فهل من الممكن أن تلتقي مصالح هذه الدول ذات الطابع الإستعماري مع تطلعات وأهداف حركات التحرر التي تسعى إلى إزالة ستار الظلم والإستبداد والمطالبة بالتحرر؟

وعودة الى الوضع الفلسطيني، فرغم تأييدها، تثير خطوات القيادة بالتوجه لمؤسسات الشرعية الدولية ومنظماتها ومحاكمها العديد من التساؤلات، أهمها فيما إذا ما كانت هذه الخطوات تندرج ضمن إستراتيجة وطنية كفاحية متكاملة، أم أنها تأتي مجرد رد فعل على خيبة الامل في الشريك التفاوضي وفشل عملية السلام المستمرة منذ اكثر من عشرين عاماً؟ 

إن السير في طريق الشرعية الدولية يجب أن يتكامل مع أنّجازات واقعية في خضم علمية التحرر، وبالتالي فإنه يتوجب على القيادة الفلسطينية العمل على بناء إستراتيجية. وللقول بوجود هكذا استراتيجية، فانه يلزم التحقق من كونها شاملة، منظمة، مستمرة، قابلة للمراكمة، منسجمة تماما مع الاهداف الوطينة والحقوق الفلسطينية المشروعة وعلى رأسها حق العودة للاجئين، وواضحة للشعب وللغير. وخلاف ذلك، فان الخطط او الخطوات – مهما بدت جرئية – إما تتحول الى مهرجانات احتفالية تنعقد باسم الشرعية الدولية، او الى عبء خطير يزيد من حالة الترهل والضعف أمام معايير القوة السائدة التي  قد تفضي بموجب منطق الشرعية الدولية الميهمن الى  إدانتنا وتبرئة الاحتلال من جرائمه.

تظهر المفارقة التي تصنعها توازنات القوى في تجاهل القضاء الأمريكي لمسؤولية اسرائيل عن جريمة قتل راشيل كوري وإدانة منظمة التحرير والسّلطة الفلسطينية في المحاكم الأمريكية. وليس هذا الا مثال على اجبار الطرف الفلسطيني على الإنجرار للتفاصيل التي يفرض فيها الطرف الآخر شروطه فتتحول الضحية إلى جزار.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أحمد هماش: مُركّز الانشطة والفعاليات في مركز بديل.