الجنائية الدولية من أجل مساءلة الاحتلال وتحقيق العدالة الإنسانية

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع المفاوض الفلسطيني صائب عريقات أثناء توقيع طلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية (تصوير: عصام ريماوي) رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع المفاوض الفلسطيني صائب عريقات أثناء توقيع طلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية (تصوير: عصام ريماوي)

بقلم: د. صائب عريقات*

اجترحت القيادة الفلسطينية عبر مراحل النضال الوطني الفلسطيني أساليب نضالية متنوعة تتوافق والمصالح العليا لشعبنا الفلسطيني بما يتواءم مع متطلّبات كل مرحلة، وبما يساهم في إذكاء جذوة العمل النضالي نحو تكريس حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف التي يستمدها من قواعد ومبادئ القانون الدولي، ومن جملة المواثيق والمعاهدات والإعلانات والقرارات الدولية. 

ولعل السنوات الأخيرة قد شهدت إبداعاً في التفكير الاستراتيجي الفلسطيني الذي استند في جوهره إلى الحق القانوني والإنساني والتاريخي الذي كفلته وأكّدته الشرعية الدولية، والتي تكتسب قبولاً واعترافاً شاملاً لدى المجتمع الدولي. يكمن ذلك في تدويل القضية الفلسطينية والسعي لاستثمار منظومة القانون الدولي ومؤسساته والولاية القضائية الدولية في خدمة السلام وتوفير الحماية لشعبنا، وإنصاف ضحاياه جراء الظلم التاريخي والمتواصل الذي لحق بهم عبر السنين، والبحث عن العدالة الإنسانية وتحقيقها، والمساءلة وضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب، والذي تمثل مؤخراً في توقيع وانضمام دولة فلسطين إلى عشرات الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، بما فيها الانضمام إلى ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
إنّ دولة فلسطين تقوم بواجبها الأصيل والمشروع في تكريس الحقوق التاريخية المشروعة لشعبها وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، وتوظيف وسائل وأدوات الشرعية الدولية لإحقاق هذه الحقوق ومواجهة غطرسة قوّة الاحتلال من خلال اللجوء إلى الهيئات والمؤسسات الدولية والحصول على حماية القانون الدولي بما ينسجم مع الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين اللذين يُعتبرا من أهم مقاصد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وكشف ما يشكله الاحتلال الإسرائيلي من تهديد للأمن والسلم الدوليين.


ويتجلّى الصواب في التوجه إلى الجنائية الدولية في سياقات متعددة في ظل المشهد السياسي الراهن، خاصّة بعد أن انقلبت إسرائيل، السّلطة القائمة بالاحتلال، مبكّراً على الشرعية الدولية، ونقضت المعاهدات والقرارات الدولية بما في ذلك الاتفاقات التي وقّعت عليها، وأفشلت بشكلٍ متعمّد جميع الجهود الفلسطينية والدولية لإحياء العملية السياسية والسلمية، وصعّدت من إجراءاتها غير الشرعية، وعزّزت وتيرة إجرامها ضد أبناء شعبنا وحقوقه وأرضه ومقدّراته، وقادت عمليات التطهير العرقي المنظّمة في القدس ومحيطها وباقي أرض دولة فلسطين المحتلة بلا هوادة، وغذّت من ثقافة التطرّف والكراهية والتمييز والإقصاء في أوساط شعبها وعزّزت من دويلة مستوطنيها وشرعنت إرهابهم ضد أبناء شعبنا وممتلكاته ومصادر رزقه، وسعت لتحويل الصراع إلى صراع ديني بانتهاكاتها المباشرة للمقدسات الإسلامية والمسيحية، ممّا أدّى إلى الانسداد الكامل في الأفق السياسي الذي لم يؤدِ إلى مخرجات تتفق في مضمونها مع قرارات الشرعية الدولية.
اتّسم عام 2014 بكونه عام العدوان الغاشم على الإنسان والأرض الفلسطينية، ووُصف بعام التضخم الاستيطاني وسرقة الأرض مثلما أكدته التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية بما فيها تقرير منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية الذي أشار إلى الارتفاع الكبير في نسبة الاستيطان بنسبة 40% العام الفائت فقط، لافتاً إلى الأرقام المهولة في عمليات بناء عشرات آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وخاصة في الفترة التي تولى فيها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الحكم. هذا بالاضافة إلى ارتفاع عدد المستوطنين بما يقارب النصف مليون مستوطن في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ضمن ازدياد ملحوظ في عمليات المستوطنين الإرهابية التي سجلت أكثر من 600 عملية لعصابات "تدفيع الثمن" خلال السنوات الأخيرة دون رادع أو محاسب.


وعلى ضوء الحصانة وغياب المساءلة الدولية لسياسات الاحتلال، تمادى المستوى الإسرائيلي الرسمي بالتعاون مع أطراف مؤسسته العسكرية والدينية باتخاذ قرارات سياسية مدروسة لإلغاء وجود السكّان الفلسطينيين الأصليين، وأمعن في ارتكاب جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية. بدأها في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتوّجها في عدوانه الآثم على قطاع غزة الذي حصد حياة آلاف الأبرياء من المدنيين والعزّل التي وصل فيها عدد الشهداء إلى ما يقارب 2164، وتمّ خلالها تشريد أكثر من 600.000 فلسطينياً قسراً وتدمير الممتلكات العامة والخاصة والبنية التحتية في ظل حصار غير قانوني لا يزال متواتصلا منذ ثماني سنوات. وإنّ تحذير مؤسسة "أوكسفام الخيرية الدولية" القاضي بأنّ "إعادة إعمار قطاع غزة وبناء المنازل والمدارس والمرافق الصحية في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي المفروض قد يستمر إلى 100 عام " ما هو دليل آخر على أنّ انضمامنا إلى الجنائية الدولية هو المكان الصحيح والملاذ المتبقّي لمحاكمة الاحتلال الذي طال أمده.

وأمام الجريمة الكبرى المتمثلة بالاحتلال بحد ذاته، وأمام هذه الخروقات الصارخة التي لم تُخرج المجتمع الدولي عن صمته ولم تحرّكه لتحمل مسؤولياته السياسية والأخلاقية، وفي ظل الخلل القائم في توازن القوى، فإنّ توجه القيادة الفلسطينية نحو الاستناد إلى قوة الحق الوطني والقانوني في ترسيخ وجود شعبنا الفلسطيني على الخارطة الجغرافية والسياسية يؤكّد حتمية التوجه إلى مؤسسات المجتمع الدولي واستخدام أدوات الشرعية الدولية وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية لردع الاحتلال ورفع الحصانة عنه وعزله عن المنظومة القانونية والدولية والإنسانية.


ومع ذلك، فإنّ التحرك الفلسطيني إلى المحكمة الجنائية الدولية يحيق به المخاطر والفِخاخ الجمّة التي أعدّتها له دولة الاحتلال بالتعاون مع حلفائها. ففي اليوم التالي لانضمامنا إلى نظام روما المؤسّس للمحكمة لجنائية الدولية بدأت إسرائيل بالعمل الممنهج الساعي إلى تدمير الأركان البنيوية للسلطة الوطنية، استهلتها بالقرصنة المعهودة على أموال الضرائب المستحقة التي تجبيها لصالح السّلطة الوطنية منذ مطلع العام الجاري، وتشديد القبضة والسيطرة على الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، وقطع الكهرباء عن مدينتي جنين ونابلس شمال الضفة الغربية ضمن مجموعة من العقوبات الجماعية، سبقها في ذلك مباشرة التهديد بفرض العقوبات الخارجية من الكونغرس الأمريكي بتشريع قانون يوقف المساعدات عن شعبنا حال التوجه إلى المحكمة واتخاذ خطوات ضدّها.
إلاّ أنّ شعبنا الذي أسند ودعم خطوات قيادته التعددية، يدرك بوعيه التاريخي حجم التحدّيات والعواقب، وهو محصن بحقه القانوني وبصموده الأبدي على هذه الأرض، وعازم على المضي مع قيادته في طريق لا عودة عنه، وقد اتّخذ القرار الصحيح في حماية هذا الحق المستند إلى الشرعية الدولية ووضع فلسطين في مكانها الطبيعي بين الأمم باعتبارها عضواً مسؤولاً وجديراً، تحترم القرارات الدولية وتؤكّد التزامها بسيادة القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.

وترجمةً لهذه الخطوات الجدية، قام الرئيس محمود عباس بإصدار مرسوم رئاسي شكّل بموجبه لجنة وطنية عليا مسؤولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية، تجمع مكوّنات المؤسسة الفلسطينية الرسمية والمدنية والأهلية كافّة، وتعبّر في فحواها عن شراكة وطنية جامعة للكل الفلسطيني وأطيافه السياسية والمجتمعية في الوطن والمنافي، وترتكز في قوامها على قوة الوفاق الداخلي والوحدة الوطنية، وتضم كفاءات مهنية مختصة من خبراء القانون الفلسطينيين والعرب والدوليين الذين يجتهدون في إعداد وتحضير الملفات والأدلة والبراهين التي ستحيلها دولة فلسطين إلى المحكمة، إضافة إلى خبراء الإعلام والمجتمع المدني الذين بدؤوا جميعهم العمل على ملفات الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل والتي تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وخاصة الجرائم ضد الإنسان والأرض الفلسطينية المتمثلة بالاستيطان غير الشرعي والعدوان على قطاع غزة.

إنّ حراكنا تجاه مؤسسات الشرعية الدولية، وخاصّة المحكمة الجنائية الدولية يعدّ نقلة نوعية في الإستراتيجية الفلسطينية التي ستمتد إلى سنوات، نحتاج خلالها إلى حشد الطاقات وتضافر الجهود ومأسستها نحو إنجاز حقوقنا المشروعة وملاحقة الاحتلال في المحافل الدولية حتى إنهائه، وتجسيد دولة فلسطين ذات السّيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الذين شُرّدوا قسراً من ديارهم طبقاً للقرار الأممي 194، والإفراج عن جميع الأسرى. يتطلّب هذا من المجتمع الدولي بحكوماته ومؤسساته وشعوبه تعزيز الخطوات الفلسطينية ومساندتها وإنجاحها من أجل تكريس حالة الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم وإلزام إسرائيل بقواعد القانون الدولي والاعتراف بحق شعبنا الفلسطيني في محاكمة مجرمي الحرب. وعلى المجتمع الدولي أن يُدرك كذلك أنّ السّماح لإسرائيل بوأد توجه القيادة الفلسطينية نحو الشرعية الدولية بما فيها تعزيز المسؤولية الجنائية الدولية في منطقة الشرق الأوسط يُعدّ إخفاقاً تتحمّل مسؤوليته المنظومة الأخلاقية والإنسانية في العالم كله، وسينتج عنه المزيد من الأخطار على الأمن والسلم الدوليين، وستحل محله البدائل الكارثية على جميع المستويات.
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*د.صائب عريقات: عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مسؤول دائرة شؤون المفاوضات التابعة ل (م ت ف)، ورئيس اللجنة الوطنية العليا المسؤولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية.