عندما تجن "حواكير" البلاد!*

بقلم: ثائر ثابت *

 تأمل طويلاً خارطة فلسطين التي حاكتها جدته بخيوط حريرية، وأهدته إياها؛ ليعلقها على جدار غرفته الصغيرة في سكن الطلبة الجامعي. كان يسهب كثيراً في وصف البلاد حين يسأله أي أحد من زملائه عنها. ومن خزانة الذاكرة ينتشل الكثير من الصور والحكايات والقصص التي روتها جدته "سليمة". حتى حين حصل على منحة الدكتوراة من الحكومة الإسبانية، نجح بإقناع البروفيسور، المشرف على أطروحته، أن يكون عنوانها: (حواكير القرى الفلسطينية المهجّرة:عين الزيتون نموذجاً)، وفيها يصف حال أشجار الحواكير التي نمت بوحشية بعد تهجير أصحابها منذ عام النكبة، وكأنها تنتقم لغيابهم الطويل.
أفلت من يديه ديوان حجر النار للشاعرة (كلارا خانيس) بعد أن قرأ في ثنايا صفحاته هذه الحروف:

" أيها القدر القاسي 
إن القلب السجين 
يحتضن الهزيمة نصراً...! ".

قرر كنعان "الملقب بالناصري" أن يزور هذا الصيف موطنه الصغير، مستغلاً إجازة الجامعة الصيفية. وبعد أيام وصل إلى الناصرة وبين أهله وأصدقائه، شعر بألفة كبيرة وبطعم سعادة لا يجد له تفسيراً.
من ألبوم العائلة، وباللونين الأسود والأبيض، أخذ يتفحص وجوه أفراد عائلته، كثيراً تألم حين شاهد صورة لجدته سليمة مع جده أبي فارس، احتضنت الجدة زوجها وهو مرتدٍ لباساً عسكرياً، وعلى كتفه اعتلت البارودة الإنجليزية، هذه البارودة التي مات وهو يهذي ويوصي عائلته "علّقوها في صالة الضيافة حين تعود البلاد... علّقوها ولا تفرطوا بها... علّقوها".

تذكر أحاديث جدته، راسماً على وجهه ابتسامة ما، آنذاك كان صغيراً ولم يفهم تفاصيل الروايات، لكنه استرجع حكاية الجدة مع جده حين رجع إلى البيت مشتاقاً إليها، وأمضى ليلة حب معها، وبندقيته الانجليزية معلقة على زاوية السرير المعدني ذي الستائر القماشية، كانت آخر ليلة قضاها الجدان في بيتهما الحجري الجميل، في قرية عين الزيتون، القريبة من مدينة صفد.

بكت الجدة بحرقة وهي تسرد له اقتحام عصابة (البلماح) الصهيونية قرية عين الزيتون، في ساعات الفجر الأولى وطرد سكانها، هي تقص له حكاية التهجير المر، وكنعان يستنشق من كلماتها رائحة البلاد السليبة وصوت خرير نبعة "عين الزيتون"، وحجارة البيت التي تخّيلها تذرف دمعاً في وداع أصحاب الدار، وأكثر حزناً هي أشجار "الحاكورة" التي جنّت بعد مجزرة النفي والاقتلاع.

أعاد كنعان ألبوم صور العائلة لصندوق خشبي صغير ورثه والده عن جده، كان بمثابة خزنة احتفظوا بها "بكواشين" البيت وحقل الكرمة وبعض الرسائل والتذكارات والتحف. وبعدها نادى عليه أحد أفراد عائلته ليخبره: "غداً ستنطلق مسيرة العودة من كل البلاد إلى قرية لوبية... وأنا أدعوك حتى نشارك فيها معاً".

لم يتردد في تلبية هذه الدعوة، لم تكن المرة الأولى التي شارك فيها، لكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها، وربما كونه عائداً من بلد غريب، وربما ستفيده هذه المشاركة في توثيق انطباعات ومشاعر المشاركين في أطروحته، وربما وربما، تزاحمت الأفكار والتخيلات في رأسه وأردف: "لم آت من اسبانيا لأعبر عن تضامني مع أهلي أنا من هذا البلد وواجب عليّ أن أكون في مقدمة هذه المسيرة...".

تحت ظل شجرة صغيرة وهو يسمع نشيد "موطني... موطني" تخيل جدته وهي تمتطي مع جده صهوة فرس سمراء، شاقّة طريقها من بين الجموع، ولم يخب خياله المشتعل إلا حين زمجز أحد المنظمين لمسيرة العودة. نظر في عيون المشاركين التي ازدحمت بانعكاس صور شجر السرو جنباً الى جنب مع مشهد العلم الفلسطيني بألوانه الأربع.

ذهب كنعان وهو يتأمل مشهد الأعلام وصدى "موطني"، إلى مشاركته في عرض أهرام بشرية في مقاطعة كاتالونيا الإسبانية، وقتها حين وقف على رأس الهرم البشري، استل من جيب بنطاله راية بلده ورفعها، وقتها أحس بنشوة فرح عظيمة، هذا العلم الصغير الذي يختصر معاني كثيرة، ربما أعمقها الهوية والانتماء والوصية، لم ير غير ألوان علم البلاد رغم أن علم "إسرائيل"، الذي يرفرف على أعمدة الشوارع والبنايات، احتفاءً بما يعرف بذكرى الاستقلال، لاحقه من بوابة المطار حتى بيت عائلته، لكن صوت النشيد وذكريات جديه أنساه هذا الغريب - الأزرق والأبيض...! 
راح كنعان يتفحّص تضاريس المكان كعالم آثار حكيم، هناك يتخيل أرجوحة انتصبت بين شجرتي صنوبر بحبل صُنع من شَعر الخيل، وهنا يتخيل كبار القرية يتسامرون تحت ضوء القمر، لكن الاستعمار الإسرائيلي لم يترك أي شاهد في هذه القرية، وما زال ينتهج السياسة العنصرية ذاتها في نفي الشعب الفلسطيني واقتلاعه من جذوره الضاربة في قلب المكان والزمان.

صبيحة اليوم التالي، قرر أن يذهب إلى قرية عين الزيتون، بلد الحكايات والأجداد، هناك قفزت أمام عينيه كرتونة حملها أحد الأطفال المشاركين في مسيرة لوبية كتب عليها شعار: "يوم استقلالهم يوم نكبتنا"، حاول كمن يبحث عن أطلال حبيبته أن يجد آثار بيت جده، لم يفلح، أخذه الحنين بقوة إلى ما سردته له جدته عن بساتين القرية وحواريها.

في عين الزيتون المدمرة، جال كنعان القرية، دخل إلى مسجدها الذي ما تزال شجرة اللوز الباسقة تتمسك بأرجله الحجرية، خائفة عليه من السقوط أو الرحيل، وحين سمع عين الماء المتدفقة ساقته قدماه هناك، أدهشه الماء الذي ينسل عبر سراديب حجرية، كأنه وللمرة الأولى في حياته يشاهد نبعاً من الماء، أراد أن يبتلع النبع ليروي ظمأه وليطفئ عطش أهل البلد الأصليين الذين شربوا مرارة الطرد القسري.

الحجارة المتناثرة في المكان بعشوائية غريبة، وأنقاض البيوت المهدمة، أضفت على زيارته لقرية أجداده، الكثير من الانطباعات غير القابلة للتأويل. راح الناصري يتخيل الأشجار اليابسة كرجال ابتلعتهم الحرب منذ 66 عاماً، بينما بقيت أرواحهم متشبثة بصخورها الصلدة وبتغاريد طيورها، وبكل شيء ما زال يذكر بمأساة قرية ذاقت وجع الطمس والتدمير.

في لوبية المهجرة مرة أخرى، وفي مسيرتها لهذا العام التي باتت موسماً للحجيج، وتأكيد الثبات وإنعاش الذاكرة الجمعية، راقب كنعان الأيادي وهي تتشابك في حلقة الدبكة الشعبية، ووقع الأقدام على تراب القرية، قفز على سطح مخيلته بعض الأسئلة، وكانت تدور عن أعراس هذه القرى المهجرة ومواسم الفرح ورقصات جدته سليمة، تذكر كل شيء مرة واحدة، وأخذته الذاكرة إلى حديث صديقته الأندلسية (ماريتا) عن رقصة "الفلامنكو" الشهيرة، رفع يده متمتماً: "كلما أنصت لحذاء راقصات الفلامنكو يدق خشب المسرح... تستهويني أقدام راقصات دبكتنا وهن يضربن الأرض غباراً وغضباً".
بعد أشهر قليلة سيحصل الناصري كنعان، على شهادة الدكتوراة، من معهد بحوث الهجرة الدولية الإسباني، سيعود إلى فلسطين الأم هذه المرة، وعلى أول صفحة في أطروحته البحثية، سنقرأ امتنانه العظيم مذيلاً بكلمتين:

إلى فوهتها
العابقة بكل حكايات البلاد
البلاد المعشوقة كالمطلق،
إلى بندقية جدي ...!

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

*القصة الصحفية الفائزة بالمرتبة الثانية في مسابقة جائزة العودة للعام 2014، حقل القصة الصحفية.
*يعمل صحافياً في وزارة التربية والتعليم العالي، حاصل على الماجستير في الدراسات الدولية – تركيز الهجرة القسرية واللاجئين في جامعة بيرزيت، وعلى البكالوريوس في الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية، يكتب النصوص الأدبية القصيرة والكتابات الصحافية في الصحافة المحلية والعربية وبعض المواقع الالكترونية.