أوضاع المهجرين في قطاع غزة إثر العدوان الإسرائيلي

بقلم: ناهـض زقـوت*

"لا يوجد مكان آمن في غزة.. إلا الجنة"، هذا ما كتبته على صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) في ذروة العدوان الإسرائيلي المتواصل على أبناء شعبنا في قطاع غزة. لقد فقدت غزة الأمن والآمان وأصبح الموت أكثر أمنا من الحياة، لوحة تراجيدية تعبر عن عمق المأساة التي يحياها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

أكثر من خمسين يوما وشعبنا في قطاع غزة يقصف بشتى أنواع الأسلحة الحربية الإسرائيلية من الجو والبحر والأرض، ناهيك عن الغازات والإشعاعات السامة التي كانت تطلقها على السكان الآمنين في بيوتهم، ودون مبالغة لم يتبق بيت في قطاع غزة لم يتعرض لنوع من أسلحة إسرائيل الحربية.

بدأت إسرائيل عدوانها على قطاع غزة بقصف جميع محافظات القطاع يوم 8 تموز 2014، وبدأت احتلالها وعدوانها البري مساء 18 تموز، حيث توغلت بعمق ثلاثة كيلومترات في بعض مناطق القطاع، وحولتها إلى منطقة دمار شامل بفعل القصف والتدمير والتجريف، بالإضافة إلى ارتكابها مذابح جماعية في الشجاعية وخزاعة وشمال غزة ورفح، عشرات الآمنين من السكان قضوا دفنا تحت أنقاض بيوتهم.

وكان من أصعب ما واجهه سكان قطاع غزة هو تهجيرهم القسري من بيوتهم الذي أعاد إلى ذاكرتهم ما حدث عام 1948، فقد هامت الناس على وجوهها بحثاً عن مأوى يحميهم من القتل والدمار ويقيهم ويستر عوراتهم. فلم تكن أمامهم إلا المدارس الحكومية، ومدارس وكالة الغوث (الأونروا)، وبيوت الأصدقاء والأقارب. وبالرغم من أن مسؤولية وكالة الغوث (الأونروا) تنحصر تجاه اللاجئين في المخيمات، إلا أن عمق المأساة وتشعباتها وتداعياتها جعلتها تواجه مسؤولياتها كمؤسسة دولية إنسانية خدماتية تابعة للأمم المتحدة. فمنذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي أعلنت عمليات الأونروا عن فتح المدارس بداية في شمال غزة لاستقبال النازحين من السكان سواء من اللاجئين أو المواطنين على حد سواء. ومع استمرار العدوان البري على المناطق الشرقية للقطاع، أصبحت أغلب مدارس الأونروا أماكن لجوء جديدة لسكان قطاع غزة. فهل كانت آمنة لهم؟.

تُعتبر إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم الخارجة عن القانون، والتي لا تقيم وزناً للقانون الدولي أو الإنساني أو حتى الأخلاقي، وتضع دائما نصب عينيها مقولة بن غوريون "الأمم المتحدة لا قيمة لها". ووفق هذه الرؤية لم تسلم مؤسسات الأمم المتحدة العاملة في قطاع غزة من القصف والانتهاك، وكذلك مدارس الإيواء التابعة لوكالة الغوث والتي ترفع شعار الأمم المتحدة. وحسب مدير عمليات الاونروا أنه تم تسليم إسرائيل إحداثيات لمواقع المدارس لتجنب قصفها، إلا أن إسرائيل كدأبها في انتهاك القانون الدولي قصفت نحو (6) مدارس للإيواء في جباليا والمغازي ورفح أكثر من مرة، حيث استشهد (39) شخصاً وأصيب (290) شخصاً داخل هذه المدارس أو في محيطها، ما دفع "بيير كرهنبول" -مفوض عام وكالة الغوث- خلال مؤتمر صحفي عقده في غزة إلى القول: إنه "يجب التحقيق في عمليات قصف مدارس الأونروا وقد حمل إسرائيل المسؤولية، وأكد أن هذه الصفحة لن تطوى أبدا إلا بتحقيق العدالة، ومصرون على التحقيق والمساءلة والمحاسبة حتى لو أخذت ما تستحق من الوقت".

وبلغة الأرقام، فقد بلغ عدد النازحين والمشردين في قطاع غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي نحو نصف مليون شخص، استوعبت وكالة الغوث (الأونروا) في (85) مدرسة إفتتحتها كمراكز للإيواء على مساحة قطاع غزة أكثر من (280) ألف نازح من جميع مناطق القطاع، بالإضافة إلى (18) مدرسة حكومية، بينما نزح الباقي إلى الأقارب والأصدقاء والمعارف.

نجد انه في محافظة شمال غزة كان هناك (18) مركزاً للإيواء، منها (15) مدرسة تابعة للأونروا و(3) مدارس حكومية، ضمت أكثر من (50 ألف) نازح من المناطق الشرقية والشمالية والغربية كبيت لاهيا وبيت حانون وعزبة بيت حانون. أما محافظة غزة فقد فتحت (20) مركزاً للإيواء، منها (7) مدارس تابعة للأونروا و(13) مدرسة حكومية، ضمت ما يزيد عن (100 ألف) نازح من المناطق الشرقية كأحياء الشجاعية والزيتون والتفاح. وفي المحافظة الوسطى كان هناك (13) مركزاً للإيواء، ضمت ما يزيد عن (25 ألف) نازح من مناطق المغراقة وجحر الديك والمغازي والبريج وبعض عائلات من حي التفاح والزيتون بغزة. وفي محافظة خان يونس كان هناك (15) مركزاً للإيواء، ضمت ما يزيد عن (25 ألف) نازح من المناطق الشرقية للمحافظة. وفي محافظة رفح تم افتتاح (13) مركزاً للإيواء، ضمت أكثر من (18 ألف) نازح من المناطق الشرقية للمحافظة.

ساهمت وكالة الغوث في الإشراف الكامل على النازحين في المدارس بالتعاون مع حكومة الوفاق الوطني ومؤسسات دولية ووكالات الأمم المتحدة، أهمها منظمة الغذاء العالمي، بالإضافة إلى مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني والأهلي واللجان الشعبية للاجئين، بهدف ضمان الحفاظ على أبسط مستويات الأمن الشخصي والصحة وتوفير متطلبات الحياة الكريمة. حيث وفرت هذه المؤسسات كل مستلزمات الحياة من مأكل ومشرب وأدوات النوم، وأدوات التنظيف، كذلك وفرت لهم الرعاية الصحية والترفيه والتفريغ النفسي للأطفال، إلا أنها لم تكن بالقدر الكافي لتزايد أعداد النازحين بشكل مستمر حسب الأوضاع الأمنية الميدانية، ولم يكن ثمة خطة منهجية مدروسة لمواجهة مثل تلك الحالات الطارئة، فأصبح العمل عشوائيا وبما يتوفر من إمكانيات. وخاصة أن النازحين الذين لجئوا إلى المدارس لم يحملوا شيئاً من متاعهم، بل تركوا كل شيء في بيوتهم وهربوا بأرواحهم وأولادهم.

ونتيجة للتكدس السكاني الكبير في مراكز الإيواء نجد أن بعض المدارس تضم نحو (7500) نازح في حين هي مخصصة لـ (500) طالب، ولا يوجد فيها إلا حمامان، ما أدى إلى مضاعفة المعاناة وزيادة الوضع الصحي والبيئي والمعيشي خطورة. لذلك، واجه النازحون نقصاً في مياه الشرب والمياه ذات الاستخدامات الأخرى مما ساهم في تدني مستوى النظافة وبالتالي انتشار الأمراض كالجرب. يقول "سكوت أندرسون" نائب مدير عمليات الاونروا: "إن الصراع القائم يزيد من صعوبة الحصول على إمدادات كافية من المياه، ومن مراقبة النظافة العامة داخل مراكز الإيواء، وفي حال تصعيد الموقف من جديد، فسيزداد خطر تفشي الأمراض بشكل أكبر. لقد بلغت الأوضاع حد الانهيار، إلا أننا نواصل جهودنا لتلبية احتياجات من هم تحت رعايتنا."

إن هذه الرعاية التي يتحدث عنها "سكوت" كانت موضع اتهام من النازحين، إذ يشككون في توفير الاونروا لهم مقومات الحياة الكريمة، فهم يعانون من تدني مستوى المعيشة بسبب قلة المعونات المقدمة لهم وعدم توفر أدوات النظافة، والفراش والأغطية، والرعاية الصحية والأدوية. الصحفي "أكرم اللوح" تجول في عدد من مراكز الإيواء، فكتب قائلا: "التجول داخل مراكز الإيواء التابعة لوكالة الغوث كشف عن كارثة أخرى حقيقية لا تقل خطورة عن مجازر الاحتلال بحق المشردين الذين لا حول لهم ولا قوة، فهناك في زوايا المدرسة عشرات المسنين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، أطفال فقدوا ملامح الطفولة وبدت عليهم مشاعر البؤس والإرهاق، نساء يقضين ليلتهن سهرا بجانب أطفالهن المفزوعين من قصف لا يتوقف، مرضى يموتون ببطء شديد لعدم توفر العلاج والرعاية الصحية، أمراض كـ "الجدري" وغيرها بدأت في الانتشار، مواطنون يفطرون بكسرات من التمر والخبز الجاف ولا يجدون ما يتسحرون عليه، يناشدون المؤسسات ووكالة الغوث والحكومة والمسؤولين ولكن لا حياة لمن تنادي".

ولم تكن الأوضاع المعيشية والصحية هي التي سيطرت على أجواء مراكز الإيواء فقط، بل ثمة موضوعات وقضايا اجتماعية أخرى برزت في مجتمع الإيواء، منها: الاختلاط بين الرجال والنساء الذي خلق العديد من المشاكل، الهوس الأمني بوجود عملاء في مراكز الإيواء جعل الكل خائفا من الاتهام، إنتقال الخلافات بين العائلات الكبيرة إلى مراكز الإيواء ما جعل الوضع مليئا بالمشاحنات، اكتظاظ المكان بالعائلات من مناطق جغرافية متنوعة جعل العنف اللفظي والجسدي سائدا بين النازحين، وكذلك عدم توفر آليات فاعلة للحماية في مراكز الإيواء كالسواتر والأقفال على الأبواب وسلامة النوافذ والإضاءة الكافية والمستمرة، ما خلق حالة من فقدان الشعور بالأمان. بالإضافة لما سبق، في ظل هذه الأوضاع الكارثية والمأساوية، جاء المخاض للعديد من النساء في مراكز الإيواء، فوضعن أطفالهن أمام أعين سكان مركز الإيواء، حيث لم يجدن سيارة إسعاف لنقلهن إلى المستشفيات، ووفرت لهن الاونروا بعض المستلزمات الطبية والرعاية الصحية والغذائية. لقد حاولت وكالة الغوث مع بعض جمعيات ومؤسسات المجتمع المحلي توفير ظروف للترفيه والتفريغ النفسي للأطفال وعائلاتهم، كما نظمت عملية زواج لشابين لم يستطيعا استكمال زواجهم بسبب العدوان داخل مدارس الإيواء.

إن الحديث عن أوضاع النازحين والمشردين داخل مراكز الإيواء حديث ذو شجون متشعبة ومعقدة، ولكنها كانت فترة محدودة، انتهت في أغلبها مع انتهاء العدوان. إلا أن ذيولها بقيت عالقة في الأذهان، وثمة بقايا من النازحين ما زالوا في مراكز الإيواء خاصة الذين فقدوا منازلهم وأشيائهم ولم يعد ثمة مكان يأويهم. يقول أحد النازحين من سكان حي الشعف بالشجاعية، وقد دمر بيته بالكامل، "بعد انتهاء الحرب إلي أين سنذهب لا يوجد بيت، فنحن عشرين فردا يعيشون الآن في غرفة بمركز الإيواء، بعد أن كان لنا بيت مكون من عدة طوابق به كل ما نتمناه، والآن لا شي سوي النوم علي الأرض." وأكد أنهم لن يخرجوا من المدارس إلا عند وجود حل نهائي لهم يغنيهم عن حالة التشرد الذي يعيشون به الآن.

هذا ما دفع وكالة الغوث ووزارة التربية والتعليم إلى تأخير افتتاح العام الدراسي أسبوعين عن ميعاده بهدف إيجاد حلول لهؤلاء الذين تبقوا في المدارس، وبما أن مدارس وكالة الغوث هي الأكثر في شغلها كمراكز للإيواء، عملت الأونروا مع مؤسسات المجتمع المحلي على إخلاء المدارس وتجميع النازحين في مدرسة واحدة أو اثنتين من أجل تهيئة المدارس الأخرى لاستقبال العام الدراسي الجديد. ففي المنطقة الوسطى مثلا تم تجميع ما تبقى من النازحين في مخيم النصيرات في مدرسة واحدة تضم (600) شخص أي نحو (98) عائلة، وفي مخيم البريج في مدرستين ضمت (2800) شخصا أي (460) عائلة، وفي مخيم المغازي في مدرسة تضم (850) شخصا أي (140) عائلة، وفي دير البلح في مدرستين ضمت (2800) شخص أي (460) عائلة. وهؤلاء هم الذين تبقوا في مدارس الإيواء من الذين لم تعد منازلهم تصلح للسكن بعد قصفها وتدميرها.

وقد تم هذا الإجراء المؤقت في باقي المدارس دون أن يؤثر على المسيرة التعليمة، حيث تم إختيار المدارس التي لا يوجد بها فترتين دراسيتين بل فترة واحدة، من أجل استيعاب طلاب الفترة الواحدة في مدرسة على فترتين. وقد تم افتتاح العام الدراسي في 14 سبتمبر/ أيلول، إلا أن بعض المدارس في محافظة شمال غزة مازال يشغلها النازحون، ولم يفتتح فيها العام الدراسي.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

*ناهـض زقـوت:كاتب وباحث، مدير عام مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق - غزة