المقترحات الفلسطينية للمؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة والتحركات الدولية الفلسطينية تجاه تحقيق ذلك

بقلم: عبد الحميد ابو النصر*

بعد ثلاث حروب على قطاع غزة في أقل من 6 سنوات وسقوط آلاف الشهداء ودمار هائل قُدر بالمليارات في كافة نواحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والتعليمية، والصحية، والبيئية دفعت بحياة بائسة ومستحيلة لسكان  قطاع غزة والذي كان يعاني بالأصل من حصار طوال سنوات ما بعد اندلاع انتفاضة الاقصى 2000، جاءت الحروب المتتالية والمتكررة لتزيد الوضع سوءاً. ومن خلال تجربة الدمار المتكررة وضرورة إعادة إعمار القطاع في كل مرة، فإنه من المفروض ان تكون آليات الحصر والتعويض للمتضررين واضحة، علماً بأنها لن ترجع الشهداء وهم الاكرم منا جميعا، ولكنها على الأقل تساعد الأحياء على البقاء والاستمرار بالحياة وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش لسكان القطاع.

ورغم تضارب أرقام وإحصائيات خسائر عدوان 2014 إلا أن التقدير الرسمي الذي صدر من قبل السلطة الفلسطينية يقدر الخسائر بما قيمته 4مليار دولار تقريبا، وبذلك كان يتطلب العمل على عقد مؤتمر دولي يستطيع أن يوفر هذه الأموال من أجل إعادة الإعمار. وتوضح التجارب السابقة عدم إلتزام الدول المانحة بشكل كامل بتوفير أموال إعادة الاعمار مما أعاق تنفيذ العديد من المشاريع والتي رُحّلت حتى عدوان 2014، وبالنتيجة فإن عقد مؤتمر المانحين لإعادة إعمار قطاع غزة في القاهرة كان ضرورة ملحة لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه العدوان على غزة والمساهمة في إعادة بناء ما دُمر في هيكل الحياة الفلسطينية. إلا ان إسرائيل كالعادة تحاول ربط تنفيذ الإعمار بالوضع السياسي وفرض شروط وقيود على إعادة الاعمار وفق أجندتها الاحتلالية مما يُربك المانحين بخصوص تجدد العدوان ويجعل الدول المانحة تفكر مرات عديدة قبل تحويل الأموال واشتراطهم تنفيذ التهدئة بشكل كامل بما يضمن عدم تعرض المؤسسات والبيوت الفلسطينية للدمار وتجدد الاشتباكات في الحرب.

والمطروح دائماً في أي مؤتمر إعمار هو المطالب الفلسطينية للمؤتمر وللمانحين بإعادة الحياة لقطاع غزة وضمان عيش الإنسان بكرامة توفير الأموال اللازمة لإعادة الاعمار، وفي نفس الوقت يُعتبر إعادة الإعمار بمثابة اعتراف الدول المانحة بجريمة العدوان على القطاع وتجريم إسرائيل وإحداث الضرر بالمدنين  والحياة العامة بما يخالف الأعراف الدولية على رأسها اتفاقية جنيف الرابعة. كما ويهدف إلى تسليط الضوء على المخاطر البيئية والإنسانية التي نتجت من الحرب، وتوجيه الأنظار نحو إقامة مشاريع مستدامة تضمن الخروج من ويلات الحروب الثلاثة. إلا أنه وفي مؤتمرات الاعمار في العادة ما يتم تجاهل الجانب الإنساني، حيث يتم الحديث عن الجانب المادي في التعويض ويُغيب الجانب المعنوي الإنساني الذي يعتبر مهماً لدعم متضرري الحروب خاصة النساء، والأطفال وما ترتب عن ذلك من أمراض وأعراض جانبية أثرت على نسيج الحياة.

أما على صعيد التحركات الدولية فيجب أن تنصب الجهود في عدة محاور أهمها: المحور الأول، والمتمثل في ضمان إيفاء الممولين بالتزاماتهم تجاه القطاع وعدم التخاذل كما حدث سابقا. المحور الثاني إقناع الدول المؤثرة  ومنها الاتحاد الأوربي والمجتمع الدولي - مع العلم بالانحياز الأمريكي الكامل-، بضرورة  إلزام إسرائيل بتسهيل عملية الاعمار وفتح المعابر بشكل يفي باحتياجات القطاع من مواد البناء والغذاء والمستلزمات الطبية وغيرها من احتياجات القطاع، وعدم تعطيل حركة الشاحنات والوفود المانحة والدولية. المحور الثالث يتمثل بالمسار السياسي وذلك بإلزام اسرائيل بالتهدئة ومنع تجدد أي عدوان على القطاع من شانه أي يزيد تفاقم الأوضاع سوءا، بل وهروب الأيدي المانحة مجددا من التزاماتها بذريعة فقدان ضمانات إعادة الاعمار. المحور الأهم يتمثل في استمرار الاشتباك الدبلوماسي والتحركات الفلسطينية الدولية نحو اعتراف العالم بدولة فلسطين وحدودها وحق العودة للاجئيها، ووضع حد للاحتلال الإسرائيلي لأراضي عام 1967 وفق المبادرات العربية والدولية السابقة، مما يضمن تجريم أوسع لوجود الاحتلال بعد ذلك في أي بقعة ممتدة على هذه الحدود ومنع أي عدوان من قبل الاحتلال عليها، بالإضافة إلى تفكيك الوجود الاستيطاني والعمل على قيام مشاريع اقتصادية وطنية تنهض بالوضع الفلسطيني ككل.

-----------------

عبد الحميد ابو النصر: كاتب ومفكر فلسطيني ورئيس مجلس بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية