العدوان على غزّة: جرائم متواصلة وعدالة غائبة

مشاهد للتهجير القسري جرّاء الحرب على غزّة، آب ٢٠١٤ (تصوير: محمود الزعنون) مشاهد للتهجير القسري جرّاء الحرب على غزّة، آب ٢٠١٤ (تصوير: محمود الزعنون)

بقلم: عصام يونس*

شنت قوات الاحتلال عدواناً على قطاع غزة في السابع من تموز يوليو 2014، وكان غير مسبوق في قسوته ودمويته، وقد مهدت قوات الاحتلال لهذا العدوان في الثاني عشر من حزيران (يوليو) 2014 بعد أن أعلنت عن اختفاء ثلاثة مستوطنين في منطقة الخليل. حيث أطلقت حملة عسكرية في الخليل وقراها وتوسعت لتطال معظم مدن وقرى الضفة الغربية، وانطوت على مداهمة آلاف المساكن وتخريب محتوياتها واعتقلت مئات الفلسطينيين بما فيهم نواب في المجلس التشريعي ووزراء سابقين، كما أعادت اعتقال أكثر من خمسين فلسطينياً ممن أفرج عنهم في صفقة تبادل الأسرى في العام 2011.

وقبل الخوض في العدوان الأخير، من المهم الإشارة إلى أن هذا العدوان هو الثالث من نوعه في ظرف ست سنوات، وخلال العدوانين السابقين، ارتكبت قوات الاحتلال فظاعات فقتلت حوالي 1600 فلسطيني غالبيتهم العظمى من المدنيين، ولاسيما الأطفال والنساء والمسنين، ومئات أفراد الشرطة المدنية الذين قتلوا في الدقائق الأولى لعدوان 2008، وبالرغم من مضي ست سنوات إلا أن العدالة ولو بحدودها الدنيا لم تتحقق. كما تجدر الإشارة إلى أن العدوان الأخير جاء بعد أكثر من سبع سنوات من الحصار المشدد والمتواصل المفروض على القطاع، وغير المسبوق منذ أن احتلت إسرائيل القطاع في حزيران (يونيو) 1967، وطال بتأثيراته الكارثية مختلف مناحي حياة الغزيين، بفعل تقييدها الخطير لحركة الأفراد والبضائع من وإلى القطاع عبر تحكمها الفعلي في المعابر التي تربط القطاع مع دولة الاحتلال.

استمر العدوان الأخير لمدة واحد وخمسين يوماً، وتميز بارتكاب قوات الاحتلال لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية غير مسبوقة كماً ونوعاً في انتهاكات خطيرة ومنظمة لقواعد القانون الدولي الانساني، أبدت فيه تلك القوات تحللاً فاضحاً من التزاماتها بموجب قواعد القانون الدولي. ولم تعد هناك أي قيود على هجماتها المكثفة التي استهدفت السكان المدنيين وممتلكاتهم، حيث لم تترك حصانة لشخص أو مكان في قطاع غزة، فقد أزالت مناطق سكنية بأكملها عن الخارطة، ودمرت المنازل السكنية على رؤوس ساكنيها وخاصة الأطفال والنساء وقتلت أسر بكاملها داخل منازلها أو أثناء محاولة السكان الفرار ومغادرة مناطقهم السكنية. كما استهدفت بشكل منظم البنية التحتية والمرافق الحيوية على نحو خطير ومنظم كالمستشفيات والمدارس ودور العبادة ومحطة الكهرباء الوحيدة وشبكات توزيع الكهرباء والمياه وخزانات المياه العامة وغيرها من المرافق الأساسية.

ويمكن تفسير القسوة والدموية وعدم الاكتراث بقواعد القانون الدولي التي تميز بها العدوان، إلى الحصانة التي تمتعت فيها قوات الاحتلال وقيادتها السياسية والعسكرية خلال هجماتها واعتداءاتها السابقة، ومنذ احتلالها للأراضي الفلسطينية. فهي  لم تخضع يوماً إلى أي شكل من أشكال المحاسبة على ما ارتكبته من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يعزز شعورها بالحصانة وأنها فوق القانون، بل وأن هناك من يوفر لها الغطاء السياسي والقانوني. إن تلك الأطراف ليست فقط حالت دون محاسبتها، بل ووقفت في وجه أي ممكنات لمحاسبتها، وهو أيضاً ما يفسر استمرار العدوان على مدى 51 يوماً، في وقت كانت كل دقيقة فيها تشهد قتل أبرياء وتدمير ممتلكات ومنشآت مدنية بعضها لا غنى عنها لحياة السكان، وكان هذا السلوك يعطي إشارة واضحة بأن هناك من يمنح دولة الاحتلال كل الوقت لارتكاب المزيد من الفظائع.

لقد أشارت طبيعة الهجمات الحربية الإسرائيلية، وخاصة كثافة الهجمات الصاروخية والمدفعية التي استهدفت المدنيين والمنشآت والأعيان المدنية، إلى أنها كانت تهدف إلى ردع السكان والاقتصاص منهم أكثر من كونها ذات أهداف عسكرية مشروعة. كما تميزت الهجمات بانتهاكها لمبدأ التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية والتناسب، ولا يقف التناسب عند الموازنة بين القوة المستخدمة وطبيعة الهدف، بل ولم تكن متناسبة في أعداد الضحايا والخسائر في الممتلكات التي نشأت عنها في منطقة من بين المناطق الأكثر كثافة سكانية في العالم أعادت إلى الأذهان نموذج تدمير ضاحية بيروت الجنوبية في لبنان خلال عدوان 2006، وتسببت في تدمير أحياء بأكملها كالشجاعية وبيت حانون وخزاعة. كما أن التصريحات التي تناقلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية أكدت استخدامها أسلوب (هنيبعل)، والذي يقتضي تدمير منطقة بالكامل بغض النظر عن طبيعتها المدنية وطبيعة سكانها في حال وجود شك بأسر جنود، بما في ذلك قتل الجنود وآسريهم، وهو تماماً ما حدث في رفح التي أُبيد سكان ومباني المنطقة الشرقية منها فيما عرف بالجمعة السوداء.

وأشارت الأرقام إلى أن عدد المهجرين قسرياً ممن أجبروا على ترك منازلهم تحت وابل القصف بلغ أكثر من نصف مليون شخصاً في ظل انعدام وجود ملاجئ يأوون إليها، ما دفع وكالة الغوث إلى تحويل عدد كبير من مدارسها إلى مراكز إيواء، وكذلك فعل برنامج الغذاء العالمي، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الشؤون الاجتماعية بافتتاح عدد كبير من المدارس الحكومية كمراكز إيواء، فيما آثر المئات اللجوء إلى حدائق المستشفيات. ومع ذلك لم يشكل علم الأمم المتحدة المرفوع على مدارس الأونروا حصانة للمهجرين، فقُتل وأصيب عدد منهم جراء قصف مباشر لمدارس الوكالة الدولية في بيت حانون وجباليا وقصف مداخلها ومحيطها في رفح وخانيونس والوسطى.

تشير حصيلة أعمال الرصد والتوثيق لمؤسسات حقوق الإنسان إلى أن قوات الاحتلال قتلت خلال العدوان حوالي (2200) فلسطينياً من بينهم (540) طفل و(290) سيدة، كما هدمت ودمرت (32034) منزلاً سكنياً من بينها (8339) منزلاً دمرت كلياً في معظمها بنايات متعددة الطبقات تسكنها عائلات ممتدة، و(125) منشأة تعليمية، و(1533) منشأة تجارية، و(194) منشأة صناعية، و(1118) مركبة.

وتبدو جريمة قصف المنازل السكنية من بين الجرائم الأشد خطورة التي ارتكبتها قوات الاحتلال، سواء الهجوم المباغت على منازل سكنية مكتظة بالسكان كقصف منزل عائلة أبو جامع في المنطقة الشرقية من خانيونس وقتل 26 شخصاً من بينهم 19 طفلاً، بالإضافة إلى الهجوم العشوائي الذي استهدف مناطق سكنية بالكامل كما ورد آنفاً في الشجاعية والشعف من حي التفاح وخزاعة والزنة من بلدة بني سهيلا وبيت حانون وشرقي رفح، ما تسبب في قتل المئات تحت أنقاض المنازل أو على الطرقات بينما كانوا يحاولون الفرار من المنطقة. وقد سعت قوات الاحتلال إلى تضليل الرأي العام بادعائها إتباع وسائل مختلفة لتحذير السكان والحفاظ على أمنهم، فيما تشير الوقائع أن استخدام آلية التحذير عبر الهواتف التي طالت مناطق قطاع غزة، وكذلك المنشورات التي تلقيها الطائرات من الجو وغطت معظم مناطق غزة، بثت الرعب في قلوب السكان وأشعرتهم أن الهدف هو التخويف والردع وليس تحذيراً حقيقياً لأنه لم ينحصر في منطقة واحدة، وكانت المناطق التي يطالب السكان باللجوء إليها تتلقى تحذيرات شبيهة، لدرجة أن كثير ممن تركوا منازلهم اضطروا للعودة إليها بعد أن وصلتهم منشورات التحذير في المناطق التي لجأوا إليها.

وفي حالات كثيرة كان التحذير المباشر لسكان المنزل بمغادرته لأنه ستتم مهاجمته لا يترك مجالاً للسكان للهروب من المنزل خاصة وأن معظم المنازل المستهدفة متعددة الطبقات، وكُثرٌ من سكان تلك المنازل أصيبوا وهم على درجات السلم يحاولون المغادرة، فيما قتل كُثرٌ من سكان المنازل المجاورة وهم داخل منازلهم، وهو ما يؤكد استحالة أن يتمكن جميع سكان المنزل من إخلائه وتجاوز منطقة الخطر، لو تمكنوا من ذلك، بالابتعاد عن المنزل المستهدف ما مسافته 300 متر، وعادة ما يغادر سكان المنازل المجاورة للمنزل المستهدف في محاولة للنجاة بالحياة. ففي منطقة هي الأكثر كثافة سكانية، تكون المنازل متلاصقة، فإن قصف منزل على سبيل المثال في مخيم الشاطئ، أو أي من أحياء غزة، يعني أن ما مساحته نصف كيلو متر مربع سوف يتعرض للتدمير الكلي أو الجزئي عندما تقوم الطائرات الحربية النفاثة باستهداف منزل فيها. ناهيكم عن كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى الذي يصعب عليهم المغادرة دون مساعدة آخرين.

هذا بالإضافة لاستخدام صواريخ طائرات المراقبة التي تُستخدم لتحذير السكان ولإرشاد الطائرات النفاثة للمنزل المستهدف، التي عادةً ما تتسبب في القتل أو الإصابة، أو استخدمت في ظل كثافة أصوات الإنفجارات، فلا ينتبه لها سكان المنزل، كما حدث في جمعية بيت لاهيا لرعاية المعوقين حيث قتلت معاقات وأُصيبت أخريات وممرضاتهن ولم يكن قد سمعن صاروخ التحذير الذي استهدف أعلى بنايتهن.

ما تسعى إليه دولة الاحتلال في كل ما تقوم به هو الإيحاء بأنها تلتزم بقواعد التحذير لتجنب الخسائر الجانبية لقصفها "أهدافاً مشروعة"، وفي حقيقة الأمر هي تسعى إلى تحميل الضحية مسؤولية دمها، فمن قتل هو من يتحمل المسؤولية عن دمه لأنه لم يلتزم بتعليمات الجيش، أو أنه كان في الزمان والمكان الخطأ خلافاً لما أمرت به قوات الإحتلال، كما حدث مع الناشطة الأمريكية ريتشيل كوري والتي داستها الجرافات الإسرائيلية في رفح، وهو المنطق نفسه في كل ما ارتكب - ولم يزل - من جرائم بحق المدنيين المحميين في الأرض الفلسطينية المحتلة، فالجيش المحصن أخلاقياً لا يمكنه أن يقتل أو يدمر، بل الضحايا هم من يقتلون أنفسهم ويدمرون ممتلكاتهم، فلوم الضحية قائم في عقيدة الجيش الإسرائيلي.

كما كان قصف الأبراج السكنية جريمة ليس لها ما يبررها سوى الردع وإلحاق الأذى الشديد بالمدنيين وممتلكاتهم بشكل مقصود ومع سبق الإصرار، حيث لم يتمكن أي من السكان من أخذ متعلقاتهم الشخصية، وكما هو معروف فإن الردع والاقتصاص من المدنيين هي أفعال محظورة وتشكل جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. وهذه هي المرة الثالثة١ التي تمنع دولة الاحتلال وصول لجنة التحقيق في الجرائم التي ارتكبت في القطاع، حيث أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتاريخ 23 يوليو 2014، يقضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة 'للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وخصوصاً في قطاع غزة المحتل، في سياق العمليات العسكرية الجارية منذ 13 يونيو 2014'.

إن إصرار دولة الاحتلال على عدم التعاون مع تلك اللجان يؤكد أنها لا تقبل أن يخضع جيشها لأي شكل من أشكال التحقيق من أي جهة دولية، وهو ما يعطي التأكيد على أنها تشعر أنها فوق القانون، وهو ما ينذر بعواقب أكثر سوءاً على المدنيين إذا ما استمر هذا التسامح الدولي مع سلوك إسرائيل كقوة محتلة ترتكب جرائم وصفها القاضي "جولدستون" في تقريره بأنها ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

إن ما ارتكبته قوات الاحتلال يمثل جرائم حرب مكتملة الأركان تستوجب ملاحقة من اقترفها ومن أمر باقترافها، وعدم القيام بذلك يعني عملياً إعطاء رخصة للاحتلال للمضي قدماً في ارتكاب المزيد من الجرائم وتوفير غطاء لها، وأجزم بأن الأسوأ قادم لا محالة إذا ما استمر تمتع دولة الاحتلال وقادتها بالحصانة وإفلاتهم من العقاب في ظل تواطؤ دول نافذة في المجتمع الدولي، وفي ظل عدم توفر الإرادة الدولية لتحقيق العدالة للضحايا. إن المعطيات آنفة الذكر تجعل من التوقيع على ميثاق روما والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية رد فعل طبيعي من قبل الفلسطينيين، خاصة بعد أن حصلت فلسطين على صفة الدولة غير العضو الأمر الذي يمكنها من التوقيع على الميثاق. إن الادعاء بأن التوقيع على الميثاق والتوجه إلى محكمة الجنايات من شأنه أن يقوض عملية السلام، الميتة أصلاً، يعني التضحية بقواعد العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، وهو ما يشكل مساساً خطيرا بأسس الأمن والسلم الدوليين. إن ما روجت له ولا زالت أطراف كثيرة من أن السلام والعدالة خطان متوازيان لا يلتقيان، هو ما يعطي دولة الاحتلال المشروعية الأخلاقية لارتكاب مزيداً من جرائم الحرب. إن السلام الحقيقي هو الذي يؤسس على قواعد العدالة والشرعية القانونية والأخلاقية.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
* عصام يونس: مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في قطاع غزة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش

  1.  حيث سبق لسلطات الاحتلال أن أعلنت رفضها التعاون للجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان عام 2006 برئاسة القس الجنوب أفريقي دزموند توتو للتحقيق في جريمة العثامنة، كما رفضت التعاون مع لجنة التحقيق التي شكلت للتحقيق في عدوان 2008 -2009 برئاسة جولدستون.