بين العدو الحقيقي … والافتراضي

غزة، آب ٢٠١٤ ( تصوير:  أشرف عمرا) غزة، آب ٢٠١٤ ( تصوير: أشرف عمرا)

بقلم: د. أحمد مفلح*

خلال الحرب الأخيرة على شعبنا الفلسطيني وأهلنا في غزة (تموز/يوليو 2014) لفتني تعليقان من منظّر سياسي يعتبر نفسه وريث لينين في الفكر ومنافس أرسطو في النباهة؛ وآخر من شخص شبه أمي تحركه نشرة الأخبار المسائية من محطة تلفزيونية تابعة "للون" سياسي لبناني أقصى أدبياته وفكره هو التجييش الطائفي العصبوي فحسب ولا فكر سياسيً آخر عنده.

بالنسبة إلى التعليق الأول، كان صاحبنا المفكر يحلل أزمات المنطقة العربية وما يحصل فيها، فرأى أن المشكلة كلها هي من أصحاب الإدعاء بالمقاومة و"هذا الكلام الفاضي" المتخلفين، ولا حل إلا بالقضاء على "حماس" و"حزب الله" فهما البلاء الأكبر‼

أما بالنسبة إلى الثاني، صاحبنا البسيط والساذج فعلّق على الحرب الصهيونية على غزة، بحسب ما يسمع طبعاً، هي نتيجة "حركشة" حماس بإسرائيل، وعلى كل حال، برأيه طبعاً، "الله لا يرد حماس… فهي بالنهاية حليفة حزب الله والإيرانيين"، أي إن التخلّص منها غنيمة وهدف وأمنية.

طبعاً، هذان الموقفان ليسا ظاهرة أو حالة عابرتين، لا... هناك فكر سياسي يؤسس ويُعمل له في المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً (لبنان الذي هزم العدو الصهيوني وأخرجه لأول مرة مدحوراً مهزوماً، وهذا ما عجزت عنه أمة العرب) على تبييض صورة العدو وجعله في الترتيب بعد العدو الأول الذي بات اليوم إيران والآخر من الطائفة المختلفة (ليس بالضرورة من الدين المختلف) والحزب الآخر. فمثلاً حرب إعتداء الصهاينة على لبنان في عام 2006 هو إتفاق ضمني بين نصر الله (حزب الله) وإسرائيل لتدمير لبنان وإخراج السنّة منه! ولا أدري كيف اتفق الشيعة على ضرب السنّة من خلال تدمير مناطقهم وتشريد أهلهم في الجنوب وتقديم نحو 1300 شهيد في مقابل عدم تعرّض أي منطقة وأكاد أقول أي سنّي في لبنان؟ وهذا الكلام ليس لسان عامة الناس، بل تنظير وتحليل كوادر حزبية تشغل منصب "نائب" و"وزير" وينسحب على قاعدتهم طبعاً، واللافت أن هذا القالب الجاهز من الخطاب التشكيكي وصل إلى أبناء شعبنا، فباتت المقاومة اللبنانية "كذبة" لم تفعل شيئاً سوى أنها غطت الإنسحاب الإسرائيلي وخروجه الآمن من لبنان، وكذا تفعل حماس تخلق الذرائع لتغطي نكسات إسرائيل وتحريك الوضع الأمني لتغطي إسرائيل مشاكلها.

إضافة إلى هذه التحليلات "الوطنية"، هناك من تحرّك عنده فجأة و"التهب" حسه "القومي"، فراح يربط بين عروبته وقوميته العربية، وكأن أحداً أراد أن ينتزعها منه، والدور الإيراني في المنطقة من خلال حزب الله والمقاومة! فنسي وتناسى أن ما فعله حزب الله (بوق إيراني ومنفذ سياستها كما يقال عنه) أعاد للعرب عزتهم وأمجادهم وفتح لهم بارقة أمل بالنصر.

يطول وصف هذا الواقع الذي هو في نظري "مخيف" من وجهتين: الأولى حالة الغباشة التي تمنع بعضنا من النظر إلى الأمام وتعكس رؤيتهم؛ ولماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الضعف والوهن والسذاجة والجهل في زمن فُتحت فيه الأرض والسماء على بعضهما من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات؟

مجموعة من الأسئلة تمر في الخاطر هنا:

خطورة هذا الأمر أن هناك اليوم من يبرّئ العدو الصهيوني من جرائمه وإغتصابه فلسطين، فلولا "حركشة" حزب الله وحماس بها (إسرائيل) لكان الكيان الصهيوني حملاً مسكيناً، فنسينا تاريخه وسر وجوده وعروبة فلسطين وحق أهلها بها، ونسينا الشهداء والذكريات ومشروعات هذا العدو وحروبه ومجازره… نسينا كل شيء، يا سبحان الله بأمة لا تزال تعيش وتحارب في معارك عمرها أربعة عشر قرناً وكأنها دائرة اليوم، وتنسى حروباً لا تزال تعيشها؟ 

تماماً كما نرى اليوم ونسمع أن "داعش" صناعة المخابرات الإيرانية والسورية وحزب الله، ولولا تدخّل حزب الله في سوريا ما حصل الذي حصل في لبنان من عصابات داعش. وهنا نسأل هل كان حزب الله في العراق حيث انطلقت فعلياً داعش؟ وماذا لو لم يكن حزب الله في سوريا وعلى حدودها مع لبنان؟ وطبعاً ما يجري في سوريا ودور حزب الله فيه موضوع آخر ليس مجاله هنا. 

  •  لماذا نضحي بالإستراتيجية مقابل تكتيك صغير، لماذا نضحّي بقوة تقف إلى جانب القضية الفلسطينية (إيران) ولو لفظاً ولأطماع شخصية، لكن هذا التأييد رأيناه أتى بنصر أو فتح عهد إنتصارات أو ثبات أو على الأقل عدم هزائم، بعدما كانت (إيران) العصى التي تضرب بها القوى الإمبريالية العرب (وحينها طبعاً لم يكن لها أطماع)، بغض النظر عن مآربها التي قد أتفق مع بعض من يخافها، ولكن عدوي الأساسي اليوم وحتى تحرير فلسطين هو الوجود الصهيوني في المنطقة. 

  • لماذا لم نُشفَ من عقدة التشكيك في إنتصاراتنا وتحويلها إلى هزائم، هل لأننا اعتدنا الهزائم؟ نعم حزب الله هزم العدو الصهيوني في لبنان، وحماس هزمته في غزة، أو صمدت في وجهه، على الرغم من الثمن الغالي الذي دفعناه، فلماذا نُبلسم جراح هذا العدو ونُربّت على كتفه، بشكل مباشر أو غير مباشر، وكأننا نقول له "لا يهمك استجمع قواك واهجم مرة أخرى … المستقبل لك".

  • بناء على النقطة السابقة، هل انتصار حزب الله وحماس أربك بعض الأنظمة وكشف عوراتها؟ لقد أحرج هذا الإنتصار الأنظمة التي بانَ بأنها قوة على شعوبها فقط، حتى ولو كان إنتصاراً إيرانياً، وهم يتغنون بعروبة فلسطين؟ وإن كان ذلك لماذا نحن كشعوب نبرر لسفّاحنا ونسمع رأيه ونتبناه؟ أم هي فاتورة باتوا يدفعونها للغرب الذي حمى بعضهم من بعضهم الآخر وفرض عليهم إظهار ما يصنعونه تحت الطاولة إلى العلن ومن دون وجلٍ؟ أم أن بعض هذه الأنظمة لم تعد تخجل وصدّقت أنها دجّنت "رعاياها" وبالتالي صارت تجاهر بسياستها ومصالحها المرتبطة بالعائلة الحاكمة على اعتبار أنه لم يعد هناك شعب يحاسب، وعندما فاجأتهم حركات الشباب في بعض الدول استخدموا سلاحهم الأخير، وهو الاحتماء مباشرة بأساطير التاريخ وعواطف الناس الدينية وانتماءاتهم وبتبرير همجية العدو وضرورة التخلص من المقاومة وانتزاعها من حاضنتها وتشويهها؟ إن هذا بالأساس مطلب إسرائيلي لأن المقاومة شوّهت وهشّمت وجه قوته التي لا تقهر.

  • هل من المعقول أن نُدخل قضية فلسطين العربية والإسلامية والإنسانية والأممية في متاهات مذهبية وطائفية وفئوية ومصلحية وشخصية بهذا الشكل الرخيص، ولحساب من؟

  • عندما نشكك بالمقاومة وإنجازاتها فلحساب من هذا التشكيك؟ هل تعلمون أن أهل هذا التشكيك هم أبواق مباشرة وغير مباشرة للعدو؟ بعلمهم أو بجهلهم وسذاجتهم هم مساعدو العدو، هم الذين يتقاطعون ويلتقون مع العدو ضد المقاومة. بمعنى آخر هل سألوا هؤلاء أنفسهم من المستفيد من هذه المواقف؟

  • حسناً، المقاومة في لبنان إيرانية ولأهداف إيرانية، وفي غزة أيضاً هي بوق لإيران، لا نريدهما، أنا معكم، لكن من هو البديل، معادلة بسيطة أتمنى سماع حل لها؟ هل لديكم أيها المشككون الوطنيون والقوميون مشروعات تحرير بديلة؟ أو مقاومة بديلة؟ لا نريد الفُرس ولا "الشيعة" ولا "الإحتلال الإيراني وهلاله"، فهاتوا أعطونا بضاعتكم الوطنية؟ فهل بالتآمر على أهل فلسطين ومنعهم من دخول أراضيكم للعمل والمعيشة نحرر "ثالث الحرمين الشريفين" الذي تتباكون عليه؟ وهل بحرمان الفلسطيني من حق العمل ومن امتلاك منزل يأويه وعائلته تحمون فلسطين؟ وهل باعتباره كبش فداء كلما تعرّضت بلادكم لمشكلة لا تجدون لها حلاً تطردونه وتنكلون به وتضطهدونه وتدمرون حياته، ويتساوى سلوككم هذا مع سلوك العدو الصهيوني؟ وهل بفتح بلادكم للإسرائيليين لدخولها من دون تأشيرة دخول أو حتى من دون دفع رسوم المطارات تحاربون العدو؟ أم بالتفرج على الذبح الفلسطيني وقتل الأطفال وإغلاق الحدود وسجنهم في بقعة واحدة ليكونوا هدفاً لأعتى السلاح الأمريكي المقدم إلى إسرائيل من رصيدكم في مصارف الغرب ومن ثرواتنا الباطنية ونفطنا التي تسيطرون عليه باعتباره ملكاً خاصاً؟ أم من محطاتكم التلفزيونية التي تنقل أخبار غزة المنكوبة بعد أخبار كرة القدم وبرامج "تمييع الشباب" … كيف؟ بالله عليكم أخبرونا بديلكم المقاوم والمتعاطف مع فلسطين؟

براغماتي أنا وأناني في وطنيتي وتحرير بلدي وأهلي، نعم وألف نعم، أتحالف مع "ولاية الفقيه" ومع الشيطان ومع أحرار العالم جميعهم من أجل هدفي الأول فلسطين، لو كنتم تريدونها طبعاً، لكن واضح عدم إهتمامكم بها أيها العرب، وهنا أسمح لنفسي أن أضيف "أيها العرب السذّج".

أختلف مع حزب الله وإيران في رؤيتهما وأهدافهما وأطماعهما، نعم أختلف، ولكن ليس الآن، وليس على حساب قضيتي، قد أترك خلافاتنا لبعد التحرير، وقد أرسم حدود التحرير وحدود الأطماع، هذا طبعاً إن كنت أسلّم بهذه الأطماع التي يحكى عنها. فكيف ولماذا أؤجل صراعي مع محتل أرضي الفعلي وأشتت قوتي مع "محتلها" الإفتراضي، هذا الإحتلال غير الموجود إلا في ذهن عدوي الأساسي نفسه وهو من نقله إليكم وأغرقكم به فإرتاح مني ومن عدوته إيران، كما زرع الشقاق، وكان هذا سلاحه الجديد، بين "أهل السنة" و"أهل الشيعة"، وكيف ولماذا تؤجج قوميتي ووطنيتي في وجه "طمّاع افتراضي" وأغض الطرف عن "طامع حقيقي يسرق ثرواتي يوماً وآلاف جنوده يغتصبون أرضي؟ ولماذا وكيف أواجه بن ديني وكتابي المختلف عني في بعض تفسيراته السياسية التاريخية التي عفّى عليها الزمن، وأترك عدوي الديني الفعلي الذي تنص آيات كتابي المشترك مع من أواجهه اليوم على وجوب قتال هذا العدو؟ لماذا تفتحون معارك افتراضية من نسج الخيال والأساطير وتتركون المغتصب الفعلي والواقعي والحقيقي؟ لماذا تتسامحون مع عدو مجرم غريب وتتنكرون للأخوّة التاريخية والوطنية والقومية والدينية الحقيقية؟ لماذا ترغبون في العيش في الماضي وتتركون الحاضر والمستقبل؟   

أختلف مع "حماس"، أكيد، في شأن عقائدها ومشروعها الديني ونظرتها إلى الوراء، إلى التراث على حساب التقدم والتطور، ولا أرضى أبداً بإقامة دولتها الإسلامية والدينية، لكن ومرة أخرى ليس هذا هو تناقضي الأساس اليوم معها، ولا أرضى أن يكون شعبنا في غزة وقود هذا الخلاف والتناقض وأتركه للعدو الصهيوني كي يستبيح حياته وحريته وكرامته. لا يمكن أن أبرر للنظام المصري القبول بقتل الأطفال الغزيين لأنه يختلف مع الأخوان المسلمين، ولا أسمح لحركة فتح السكوت عن ذبح أبنائها لأن حماس نالت أصواتهم في الانتخابات، ولا أسمح لأنظمة الخليج التشكيك في إنجازات المقاومة في لبنان وفلسطين والشماتة بقتل الفلسطينيين لأنهم خائفون من إيران ومن الإخوان. فهذا العدو الصهيوني أيها "المخلوقات" (أسمح لنفسي بنعتهم مخلوقات فحسب وليس بالضرورة هم أناس أو بشر)، فغزة ليست حماس، إنها منطقة فيها أكبر كثافة سكانية في العالم، إنهم شعب وبشر يحق لهم العيش بكرامة وعزة، إنها فلسطين المحتلة، إنها عنوان عشرة ملايين لاجئ فلسطيني شردتموهم بمؤامراتكم ولمّا تزالوا، وخنقتموهم في مخيمات أو غياهب السجون وبلاد الله الواسعة البعيدة، إنهم شعب الوفاء والكرامة والبطولة الذين وسمتوهم بالإرهاب والتخريب، إنهم شعب فلسطين واسطة وطنكم وركيزة أساسية من ركائز دياناتكم السماوية. إنها فاضحة عاركم وأكاذيبكم ومقياس عزّتكم ووطنيتكم وهويتكم وتكاملكم، فلماذا تبيعونها للصهاينة تارة، ولمحاربة الأطماع الفارسية تارة أخرى، حرتم في البحث عن ذرائع التخلي عنها، فالقضية ليست تسامحكم وحبكم للسلام، فأنتم تكرهون السلام حتى بين أبنائكم في بلادكم، وسجونكم تشهد، وعداوتكم لبعضكم بعضاً تشهد، ودمار بعضكم بعضاً يشهد، أنتم حفنة من المرتزقة الذين نهبتم خيرات أوطانكم، فلا غرابة إن كانت فلسطين وأهلها وقود مشروعاتكم، ولا غرابة أن يحتال بعضكم على "ثورات الشباب" أو ما سميت الربيع العربي. لكن التغيير المجتمعي آتٍ، فمن غير المعقول أن تبقى حال الثبات هذه، فمجتمعاتنا العربية مثل أي مجتمع إنساني، تتغير، وهي قابلة للتغيير، ووقود تغييرها (الانفتاح والشباب والتطلع إلى الحرية وحب الحياة) موجودة، ولكن إعلموا عندها أن "عدوكم الحقيقي" لن يرحمكم، كما التاريخ وسنن الطبيعة. قضية واحدة قد ترحمكم وهي تسامحكم مع أهلكم وأبنائكم، ومع قضيتكم فلسطين، ومع بعضكم كعرب ومسلمين، فتسامحكم ووحدتكم وتكاملكم هي سر بقائكم ووجودكم وقوتكم، وبعدها لا نريد ناصراً لنا لا من الغرب ولا من إيران، وبعدها ننظر إلى الأمام ولم نعد نستعير من التراث حلولاً لمشاكلنا المستقبلية، كما نغلق جبهات حروب الأمس التي مر عليها أكثر من 1400 عام ولا نزال نخوضها لنتفرغ لحروب اليوم التي أكلتنا ونتحضّر لحروب قادمة سياسية وتنموية وعلمية واجتماعية وطبيعية وقومية، كلها غائبة عنا، لأننا غائبون عن التاريخ وبتنا خارجه وخارج الجغرافيا. 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*د. أحمد مفلح: باحث من فلسطين مقيم في لبنان.