الخطاب العربي قبل وبعد حرب غزّة

أحد الأبراج السكنية المدمرة، غزة، آب ٢٠١٤ (المصدر: alarab24.com) أحد الأبراج السكنية المدمرة، غزة، آب ٢٠١٤ (المصدر: alarab24.com)

بقلم: أحمد أبو غوش*

دخل حمار مزرعة وأكل منها ما أكل وخرب فيها ما خرب، لام البعض الحمار وبرروا دخوله بأنه حمار ليس له قيم الحفاظ على أرض الغير، ولام ثانٍ صاحب الحمار لأنه لم يعقله، ولام ثالث صاحب المزرعة لأنه لم يُمنعّها بسياج قوي. ولام رابع البلدية لأنها سمحت بتربية الحمير في حدودها، أما الخامس فألقى اللوم على قوانين البلد التي لا تردع مثل هذه التصرفات.

إختلف الناس أيضاً حول حجم المسؤولية والتعويض عن الخسائر، فقال قائل: الحمار مسؤول وهو غير مؤهل ليتحمل المسؤولية عن تصرفاته. وقال ثانٍ: يجب عدم تعويض صاحب المزرعة لأنه لم يُمنّع مزرعته، وقال ثالث: صاحب الحمار يتحمل المسؤولية ويجب أن يعوض صاحب المزرعة، بينما قال الرابع: التسامح هو عنوان المرحلة، فلنتسامح ونتصالح. وهكذا إختلف الناس حول جزئيات الحدث فكل رآى الصورة من زاوية مختلفة، وقيّم الحدث بشكل مختلف.

إن ما حدث في غزة أكبر بكثير من مجرد دخول حمار إلى مزرعة، إذ يكفي القول أنها حرب من قبل قوة تملك جيشاً يعد من أقوى الجيوش في العالم على قطاع مزدحم بالسكان ويمكن تدميره بالكامل. فإذا كنا بصدد تحليل الخطاب العربي قبل حرب غزة وأثناءها وبعدها، يمكن القول أن كل جهة وكل فرد يرى الصورة من زاوية مختلفة، ويحكم على الأحداث إنطلاقاً من مصالحه وأهدافه التي تحكمها رؤى وأهداف وثقافة وقيم. من متابعتي لتطور الخطاب العربي، واضح أنه عزز دلالات كانت معروفة سابقا، وهي أن تبلور التطور العربي -مجتمعات وأنظمة- قطع شوطاً كبيراً في التطور بآفاق التبعية. وصارت الأنظمة العربية تعبر عن نفسها بوضوح أكثر، والتبلور القيمي عند الغالبية من الأفراد في المجتمعات العربية صار محكوماً، إما بالخوف من الأنظمة وقمعها، أو بتغليب المصالح الذاتية على المصالح الوطنية وعدم الاستعداد للمواجهة. التناقضات التي طالت الهوية الوطنية القُطرية مكنت من كشف الغطاء عن وجه الأنظمة، فصارت تقول ما كانت تخشى قوله قبل سنوات، فهي الآن محمية من جهة بأيديولوجيات تبرر المحظور، ومسلوبة الإرادة والقدرة من جهة ثانية. والمصالح القُطرية طغت بشكل واضح على المصالح القومية بصبغة النظام، وفي هكذا حالة يصبح الأعداء غير الأعداء، والأصدقاء غير الأصدقاء. أما على المستوى الفلسطيني، فقد بلغ التناقض الأيديولوجي والسياسي درجة من الحدة، بحيث جعل الحكم على الأحداث حاداً بدرجة حدة هذا التناقض.

ولكي نفهم التحولات في الخطاب العربي، يجب أن نعود إلى مراحل تطور وتبلور القوى الفاعلة في الساحة العربية على المستويين القُطري والقومي، والتي حسب رأينا مرت في مراحل هي: 

  • مرحلة المد التحرري الوطني والقومي: في هذه المرحلة كانت آثار السيطرة الاستعمارية واضحة والتناقض مع الدول الاستعمارية التي سيطرت بالقوة على الأرض العربية ملموساً. وفي ظل هذا التناقض المتفجر برز فعل نضالي إنصب على إنجاز التحرر من السيطرة الاستعمارية وآثارها المدمرة على الواقع القُطري والقومي العربيين. وتبلورت أثناء هذا النضال قوى قومية ووطنية بغض النظر عن أيديولوجيتها، فالقوى القومية والقُطرية تبنت رؤى وأيديولوجيات مختلفة لكنها كانت تتبنى إما برنامجاً قوميا أو وطنياً قطرياً، بالإضافة إلى بروز توجهات فوق قومية والتي لا تصب في الغالب لا في البعد القومي أو الوطني. وبالتأكيد، لكل من هذه القوى خطابها السياسي المميز لأنها تحاكم الأحداث انطلاقاً من رؤيتها التحليلية المتميزة المتأثرة بمصالحها وثقافتها وأهدافها وأيديولوجياتها، وكل لها مؤيدون وحلفاء في الداخل والخارج. وبشكل عام، كان الخطاب العربي، وهذا هو المهم، محكوماً بعدائه للاحتلال الصهيوني لفلسطين، وللإمبريالية التي ساندته عبر مراحل تطوره. وكان الخطاب، بسِمته العامة الرئيسية أقوى لفظياً من القدرة على الممارسة. ولم يكن أحد يجرؤ على مهادنة حدث ما، مهما كان صغيرا، في أي قُطر من الأقطار العربية. وكانت الجهات المعادية للمصالح الوطنية والقومية تتحدث، إن تجرأت، بدبلوماسية وبصوت خافت وغير مسموع لأن مثل هكذا توجهات كانت توصم في تلك الفترة بالخيانة من قبل الأفراد العاديين، فما بالكم بالمؤطرين المالكين لزمام الأمور على مستوى التأثير على الجماهير، وربما في القرار الرسمي.

وهنا يجب أن نلاحظ أن أي خطاب سياسي لا يتبعه فعل مرتبط بتحقيق إنجازات على مستواه ومرتبط به، يفشل جماهيرياً، ويسقط أصحابه، وكان حدوث نكسات وهزائم لأصحاب خطاب سياسي ما يؤدي حتماً إلى بروز خطاب آخر على حسابه.

  • مرحلة ما بعد هزيمة حزيران 1967: كشفت الهزيمة عن الهوة بين القدرة على الفعل والخطاب السياسي، فأضعفت بعد فترة ليست طويلة الخطاب التحرري والقومي وعززت الخطاب القائم على أن أمريكا تملك كل مفاتيح الحل، وأن الدبلوماسية هي أسلوبه. بالمقابل، ولأن حركة الجماهير كانت ما تزال متأثرة بخطاب المرحلة السابقة، أي الخطابات الوطنية التحررية والقومية، برزت تيارات النضال الوطني المستقل عن الأنظمة وظلت جزر قُطرية تؤمن بالخطاب السياسي بسماته السابقة. لكن هذا الخطاب، بشكل عام، عانى من الخفوت مع كل هزيمة واجهها أصحاب هذا الخطاب، كل في قطره أو على المستوى القومي. 
  • مرحلة هيمنة القطب الواحد بعد عام 1991: يؤخذ ميزان القوى الدولي عادة بعين الاعتبار في ميزان القوى في أي ساحة من الساحات، وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي عام 1991 تحول العالم إلى نظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فتأثرت قوى الثورة في العديد من الساحات الدولية بهذا التحول. ولأن الساحة العربية في مركز اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها، نشطت الأخيرة بشكل مُكثف لتجيير التطور في هذه الساحة لمصلحتها، حتى أصبحت اللاعب الفعال الأساسي فيها. فتم غزو العراق وعُقد إتفاق أوسلو وتفجرت إنتفاضات الربيع العربي، وتم تغيير نظام القذافي بقوة حلف الناتو، وسادت فعلاً في هذه الساحة إستراتيجية "الفوضى الخلاقة" التي تبنتها الولايات المتحدة. فتجزأ الوطن العربي المُجزأ، وساد الصراع الطائفي، وبرزت الأزمات الاقتصادية وتعاظمت، وحدث إنقسام عميق على كافة المستويات في معظم الأقطار العربية. في ظل التدهور الحاد في الأقطار العربية ومع تعاظم تبعيتها، سقط تقريباً الخطاب الوطني في معظم هذه الأقطار، وبعد أوسلو التقى خطاب جزء مهم من فصائل الثورة الفلسطينية مع الخطاب العربي المتراجع، فالتحول السياسي في قيادة م.ت.ف جعلها تتماثل في خطابها مع خطاب الأنظمة العربية التابعة، وتعززت العلاقات الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة بهذه الأنظمة فكانت إسرائيل المستفيد الأول من التحولات الجارية في المنطقة.
في المرحلة السابقة حدث متغير إقليمي مهم، وهو قيام الثورة الإيرانية، فتعاظمت قدرة إيران وتحولت إلى قوة إقليمية مهمة. وحققت تركيا تقدما ملموسا بحيث أصبحت لاعباً مهماً على الساحة الإقليمية. في هذه المرحلة ضعف الخطاب اليساري وانتصرت البرجوازيات التابعة على القوى القومية والوطنية في الأقطار العربية. وتمايزت الخطابات السياسية من حيث منطلقاتها ومن حيث التمترس في موقع من مواقع التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، بحيث أثر كل ذلك على الخطاب السياسي حدة ومضموناً
  •  مرحلة الربيع العربي: أنتجت التطورات السابقة أزمات قُطرية أهم مسبباتها كانت تبعية الأنظمة القُطرية العربية سياسياً واقتصاديا. لقد تبنت هذه الدول تنموياً وصايا واشنطن القائمة على تبني سياسة اقتصاد السوق، وتشجيع القطاع الخاص والانفتاح التجاري على العالم، فأدى ذلك إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية التي كانت تعاني منها الأقطار العربية أصلاً. وبالتالي، تعاظمت ديونها وزادت نسبة البطالة فيها في ظل وضع حدث فيه تطور في جزر للقوى البشرية على المستويين التعليمي والصحي، فأدت الأزمات المتراكمة والمتراكبة في ظل عجز الأنظمة إلى قيام هبات جماهيرية. وتمثلت السمة الأساسية لهذه الانتفاضات أو الهبات الجماهيرية في عفويتها فحصدت نتائجها القوى المؤطرة، وعلى رأسها تنظيم الأخوان المسلمين. وفي كل قُطر، وبسبب تفاوت ردات الفعل ونهج الأخوان المسلمين في السلطة، حدثت ردات فعل مختلفة. وبشكل عام، عمقت هذه الإنتفاضات الأزمات الاقتصادية، وخلقت أزمات سياسية من نوع آخر، وبرزت تحالفات وتناقضات جديدة أربكت الخطاب السياسي للعديد من القوى الفاعلة في الساحات العربية.


الخطاب السياسي أثناء الحرب على غزة وبعدها: إن ما ميّز الخطاب العربي الرسمي أثناء الحرب على غزة هو وضوح مهادنة الأنظمة العربية لإسرائيل التي لم تعد في هذا الخطاب دولة العدو الصهيوني. ولم يرقَ إلى مستوى الشجب والاستنكار الذين كانا ديدن هذا الخطاب في المراحل السابقة بتفاوت النبرة، ولأول مرة صرّح ساسة إسرائيل بأنهم بنو علاقة مع أكثر من نظام عربي وتأكد ذلك من خلال الصمت الفاضح على التدمير والقتل الذي مارسته إسرائيل أثناء قصفها لقطاع غزة. ولأول مرة سمعنا معلقين وجهات إعلامية عربية تهاجم الفلسطينيين وتحملهم المسؤولية عن هذه الحرب دون أن تٌردع، ولأول مرة أيضاً لم تتخذ الجامعة العربية ولو موقفاً شاجباً ومستنكراً إلا بعد أيام طويلة من هذه الحرب، وكأن بعض المؤثرين في قرار الجامعة العربية كانوا ينتظرون حدثا ما، وعندما لم يتحقق ذلك، وبعد التحرك الجماهيري والرسمي في العديد من الدول غير العربية وإنذهال الجماهير العربية، برز تحرك متأخر لم يكن لفظاً ولا ممارسة على مستوى الحدث. وظلت مصر ونظامها الجديد تغلق معابرها التي تشكل متنفساً وحيداً لسكان قطاع غزة معظم أيام الحرب، وما زالت هذه المعابر مغلقة لأشهر طويلة بعد انتهائها.

 ورغم الوحدة التي بدت في الساحة الفلسطينية من خلال التفاوض لوقف إطلاق النار، كان الانقسام الفلسطيني واضحاً بين نهجين وخطين متناقضين، ولم نسمع تأييداً واضحاً للمقاومة في غزة إلا من حزب الله وإيران والنظام السوري ونسبياً من الجزائر. وكانت حالة قطر متميزة من حيث علاقتها المتناقضة مع حماس وقربها من مركز القرار الدولي الصديق لإسرائيل. وقد ساعد ذلك على تعميق الانقسام في الخطاب العربي، فمن جهة كانت تؤيد وتدعم الشعب الفلسطيني كأنه تأييد ودعم لحركة حماس الذي جعل موقف مصر مثلاً خافتاً بسبب العلاقة بين حماس ونظام الأخوان في مصر، وبسبب تحميلها جزء من مسؤولية ما كان يحدث في سيناء.

من خلال تحليل الخطاب العربي في هذه المرحلة بدا واضحاً من لغة ونبرة هذا الخطاب ما يلي:

  1. التأكيد على أن الدمار والخسائر البشرية في هذه الحرب يعنيان هزيمة للفلسطينيين.
  2. ربط ما يحدث في غزة بأجندات خارجية والإشارة أحياناً بوضوح إلى دور إيران في هذه الحرب، وكان ذلك تبرئة للدور الإسرائيلي التاريخي في التدمير والقتل ضد الشعب الفلسطيني.
  3. إرتبط الموقف العربي الرسمي بشكل واضح بالموقف الأمريكي والدبلوماسية الأمريكية للحل، على عكس ما كان يحدث في السابق بإبراز موقفاً ولو لفظياً يُساند الشعب الفلسطيني في مثل هكذا حروب.
  4. بدا واضحاً أن أغلب الأنظمة العربية تخوفت من صمود الشعب الفلسطيني في غزة، لأن ذلك يدعم الموقف السوري ونتائج الصراع الدائر في الوطن العربي بين نهجين متناقضين. لذلك تكيف الخطاب العربي الرسمي مع هذه التخوفات ولم يخجل من صمته الذي يمكن تفسيره بالانحياز لإسرائيل وحلفائها.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
*أحمد أبو غوش: باحث وكاتب فلسطيني