الشهيد زياد أبو عين: كان قبري... فكيف أصبح قبرك

الشهيد زياد أبو عين: كان قبري... فكيف أصبح قبرك

بقلم: عيسى قراقع*

سقط القائد الشهيد الصديق زياد ابو عين واقفا كالأشجار، يداه أعلى من السماء، وصوته اكبر من صوت البرق والرعد في تلك الملحمة على ارض قرية ترمسعيا، بلد الحبيب الشهيد احمد ابو السكر، ومطلع أغاني الحصاد والميجنا، واشراقة الزيت والزيتون في ختام هذه السنة.

قتلوه وهو يمضي كأغنية مفخخة، أرادوا أن يطفئوا تلك الصورة التي نشرها واسعا في الوعي العالمي منذ أن استلم هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ، صورة دولة إسرائيل البشعة، دولة العصابات والمستوطنين، دولة خطف الأطفال وحرقهم وشنقهم، دولة تصادر وتنهب الأراضي وتغتال الأشجار والطيور، دولة الاعتداءات والاعتقالات واقتحام صلاة المؤمنين، تعدم السلام وتسفك الدماء، وقد تحولت إلى دولة السجون والمعسكرات، دولة الحواجز والأسلاك الشائكة.


قتلوه وهو يمضي قدما كصاعقة رشيقة، يفضحهم أمام العدالة الكونية، يعلن في العالمين الحقيقة، ويبتدئ حياته ومماته متكئا على التراب الأحمر، مستندا على صخرة عتيقة، ويمضي بلا قناع في أول المطر، يسقي صنوبرة الكنيسة، يغطيه الغيم وشجر الورد وهو يبتدئ الخليقة.

قتلوه وهو ينتظر المسيح في الساحة ليضيء شجرة الميلاد، شحم هذي السماء كثيف، الأولاد خائفون، لا هدايا ولا بابا نويل، الاسمنت والفولاذ والموت والاستيطان سيد المكان، عضل الأرض مستنفراً هذا العام، ودم زياد صار نشوة كوكبية، فلك من دم، صعود وهبوط، لم ينزل المسيح عن الخشبة، أعدموه واشتعلت الصلاة.

سامحيه يا بيت لحم، لم يصل زياد ابو عين إلى البلاط المقدس، لم يضيء الشمع ويستحم ببخور كنسية المهد والميلاد، سامحيه فقد ظل معلقا في طريقه إليك، غاب عن صلاة منتصف الليل، ترك ترانيمه هناك تسيل مع دمه المعطر بالياسمين، صار آية للناس والحجيج إلى فلسطين.

صديقي زياد:

أُصغي إليك الآن، التحام الليل والأرض والشمس، هو العرس الدائم بينك وبين القدس، كأن جسدك ليس لك، أخذته الزيتونة الخضراء، زرعتها في أجسادنا ورحلت، سافرت روحك وهي تمسك بيد الموت بيضاء بيضاء.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، السجان أغلق علينا الباب، غدا سنذهب إلى سجن عوفر لاستقبال الافراج عن الدفعة الرابعة، اعرف انك مشتاق إلى كريم يونس ومروان البرغوثي واحمد سعدات، واعرف انك لم تنم طول الليل، جمجمتك كانت تسهر طول الليل، دمك يفور، تتحرك من سجن إلى آخر، لم تنم على برش واحد، رئتاك تطفحان بالغاز المسيل للدموع، قلبك يدق ويدق، ولم يفتحوا بوابة المعسكر حتى الآن.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، إلى أبراجك، أنت لم تعشق ما مضى، لم تنظر خلفك، قادما من سجون أمريكا إلى سجون الاحتلال الإسرائيلي، تصرخ في وجه الجنود: هذي أرضنا وأنتم الغرباء، يضربونك في البلدة القديمة بالخليل، يدعسون عليك في أريحا، وأراك تجري بين المسافات والسجون، اليوم في كفر قدوم، اليوم في النبي صالح، اليوم في بلعين، اليوم في الخضر، اليوم في ترمسعيا، اليوم في المسجد الأقصى المبارك، وتجري، لأرى ما لا أراه، يدك ممدودة في حقول الغد، وتقول لي: الحرية لا تجيء إلا من الأمام....

صديقي زياد:

ها أنا أُصغي إليك، إضراب مفتوح عن الطعام، الجوع لا الركوع، الزنزانة ضيقة وبسمتك واسعة، الجلادون يقتادون جثث الشهداء: علي الجعفري وراسم حلاوة من سجن نفحة، السجون تثور وتشعل أغنية عسقلان، روحك عنيدة، ترتفع بك وتموت بكبرياء، وترتفع أمام بنادقهم وجرافاتهم وحقدهم، وترتفع عريسا على أيدي الملائكة والناس، تحمل مفتاحا وقنديلا، ترى حدود الدولة وحدود العودة إلى البيت والبرهان، كنت تكره أن تعود إلى الحياة أو الممات فارغ اليدين.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، حطمت حدود الخرافة ونصوص التوراة المسلحة، ذهبت بعيدا إلى الأرض والدولة، إلى اللوز والرمان وعطش التراب، فاض بك دمك وماؤك، وكنت تقول: أن أولئك الذين يظنون أن السماء وعد لهم، وأنها في طريقها إليهم، لم يعرفوا أن يرفعوا في طريقها إلا شباكا للصيد، صيد الفضاء حينا، وصيد البشر حينا آخر.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، بعيني الاثنتين رأيتك تتحرك في مخروط ضوئي، تحرث الواقع لا الخيال، الأرض تتشقق، يتطاير الغبار، انا التراب تقول لي، وفي الأرض متسع للجميع، الدم وقت، والهواء حرية، تتنفس عميقا، تمشي مع الشجر والعشب كأنك تمشي تحية للحرية، تكتب: انا التراب، لا للعبودية.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، نزور معا عوائل الاسرى المرضى، خالد الشاويش، ومنصور موقدة وناهض الأقرع ومعتصم رداد ويسري المصري ورياض العمور ومعتز عبيدو، نرقص فرحا بالإفراج عن أسير أمضى ربع قرن خلف تلك الظلمات، وتحرث معي ارض الأسئلة، نعيش معا في عائلة من الدمع والفجع، ننتظر السلام العادل والسنابل القادمة، وتقول لي: هذا الجدار سوف يزول، فاحمل فأسك واتبعني إلى الأرض الغاضبة.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، يد الله كانت معك، الرصاص من حولك، وجهك غاضب في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تشعل ماء المحيطات كمثل كبريت احمر، تشهق وتنادي، ها هم يختبأون داخل دبابة، وها هم يصوبون بنادقهم نحوك، وها هم يهاجمون صوتك العالي، تقاومهم بيد ترابية، يدك من ماء وطين وزعتر، يدك تدهن جلدة الأرض وتتجه إلى مدينة الله.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، ليس الموت أن تموت، الموت أن لا تعرف أن الروح تبقى هنا، تلبس كوفيتك السمراء متشظيا في صخرة الأرض ينبوعا... تستعد للصعود، كأن لك يدا ثالثة لاحتضان ما لا يحتضن من الغيم، ربما سيولد للحلم باب آخر، تتهيأ لقطاف الجمر، أعشاب أراها بين شفتي الأرض، الأرض تنزف حتى الموت، حتى أنت.

صديقي زياد:

ها انا أصغي إليك، نذهب فجراً، نقول للبحر الميت تجشأ الكلام والحكاية والملح القديم، قل يا بحر لهدهدك أن يبلغ الرسالة: الماء فينا لا يجف، البحر لا يحتضر، التاريخ يتحرك في أرواح أجيالنا، الآن وقبل الآن والى ما لا نهاية.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، ولدنا في أحضان السلاسل، لنا مواعيد كثيرة مع الأعراس والجنازات، اليوم كان قصيراً، تتركنا وأنت تقسم بأغلظ الإيمان: أن فرعا واحدا من غصن واحد ينتمي إلى أشجارنا أكثر إشراقاً وأكثر بهاءاً من جميع غابات الكون.

صديقي زياد:

 ها انا أُصغي إليك، خاتم الموت يمهر جسدك، فاقتلعنا وأمر الريح أن تتعهد بعدك بأشلائنا، هذي أرضنا تتخمر، هذا لحم أجدادنا وآبائنا وأبنائنا ينضج في موقدك الشتوي، قل لهم يا زياد: هكذا يرفع الفلسطينيون راية الحياة عالية، ينتشون بالأخضر والأحمر والأبيض والأسود ونشيد القمح من ساقية إلى ساقية.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، تسألني ما هي هذي السماء الإسرائيلية الرمادية التي تلبس البزة العسكرية، وما هذه القوانين العنصرية المستشرية في حياتهم، تبث السموم والكراهية، هل هم دولة بوليسية مسكونة بالشر، تحكمها الفتوى الدينية اللاهوتية ومدارس الحرب وجنرالات الموت، كأنهم يموتون ذاتيا، ولا يتركون الآخرين يعيشون، تسألني وأنت تحفر الرعد في جوف الوقت.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، تدعو إلى عودة اللاجئين من خلف الحدود، دم على الأسلاك يشع بين الورد والشمس وفي حارات المخيم، دم يتدفق من كتب الأنبياء الراجعون إلى آياتهم، الفجر يحمل أثقاله ويطوف في تجاعيد البيت.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، أرجوك لا تتوقف عن الكلام،التاريخ يمطر في أحشائك، ماء الألوهة يمطر في كلماتك وبين قدميك، يرفعه الأحرار كأنه راية السماء، وأقول لك بصراحة: ليست المعجزة من فوق، إنها التراب تحتك مفروشا على امتداد جسدك الملتهب.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، ادخل مكتبك، هنا أوراقك وظلالك وخربشاتك وضجيجك وأحلامك وأفكارك، هنا نائل ومهند وسائد ووداد وفؤاد وقدورة وعزام وحسن وزيدات، هنا شكري والبطة وعبد العال وثائر وصالح وموسى ابو عواد، وأريج ونيفين وجلوى وكوثر وإيهاب وماهر ومؤيد وأنور وجواد وأبو السعدي، هنا رام الله المفجوعة الثكلى.

وهنا معبر قلنديا ورصيف الحجارة من سجيل، أراك تدخل القدس من أبوابها السبع، والصلوات الخمس شهيدا في عليين.

صديقي زياد:

ها انا أُصغي إليك، ما أصعب الختام، ولا املك إلا أن اردد أمام نورك الساطع مرثية شاعرنا الكبير المرحوم سميح القاسم:

كان قبري

فكيف أصبح قبرك

وهو سرّي، أم انه سرّك

غبتَ عني، هل غبت عني؟

وهذا طيفك الحيُّ

بيننا يتحرك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عيسى قراقع: رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين في السلطة الوطنية الفلسطينية، عضو الهيئة العامة لمركز بديل.