×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

بعد 66 عاماً على النكبة: ماذا بقي من القضية الفلسطينية غير الذكريات والآمال؟

مسيرة العودة السنوية، قرية لوبيا المهجرة، أيار ٢٠١٤ (تصوير: تغريد سليمان)‬ مسيرة العودة السنوية، قرية لوبيا المهجرة، أيار ٢٠١٤ (تصوير: تغريد سليمان)‬

بقلم: د. أحمد مفلح*

هناك من سيعتبر هذا الكلام – الوراد في المقال - "ساذجاً"، إن لم يعتبره "خيانة"، على اعتبار أن شعبنا لا يزال يضحي ومستعد على التضحية دائماً في سبيل تحرير وطنه والعودة. ربما تكون احكامي قاسية، ولكن ليس في الحقائق الملموسة اي تجني، وما الغصة الا لان المقصود هنا هو القضية الفلسطينية ببعدها الوطني، والقومي، الدولي والاسلامي، والرسمي والاهلي والشعبي... فماذا قدم القيمون على كل مستوى من هذه المستويات للقضية حتى تبقى حية؟

على الصعيد الدولي

يطول الشرح هنا، ونختصر بالقول أن ليس هناك قضية شغلت الأمم المتحدة مثلما شغلتها القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لا قضية أُهملت في أدراج هذه المنظمة الدولية مثل فلسطين. فهناك مئات القرارات أو الآلاف التي صدرت بخصوص القضية ولم ينفذ منها إلا ما يخدم المحتل! ازدواجية وتناقض غير مفهومين، منظمة تدعو في قراراتها ومواثيقها إلى تأكيد حرية الشعـوب في تقـرير مصيرها والعيش بكرامة، وترفض حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، هذا الحق الذي صوتت عليه هذه المنظمة الدولية نفسها، كما هي المنظمة نفسها. فعلى سبيل المثال أصدرت أكثر من ثلاثين قراراً في شأن حق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، ومن هذه القرارات ما كررته نحو مئتي مرة (القرار 194)، لكنها لا تنفذه. وهذه المنظمة نفسها التي ترعى حقوق الإنسان ومستعدة لاتخاذ الخطوات الردعية والعقابية والحربية بحق الدول التي تنتهك هذه الحقوق والديمقراطية، والشعب الفلسطيني مشرد ويُذبح أمامها غير قادرة على مواجهة "الفيتو الأمريكي"!

قيل إن "الأمم المتحدة" باتت فرعاً من وزارة الخارجية الأمريكية التي من ضمن أهدافها رعاية المصالح الإسرائيلية، فإلى أي حد هذا الكلام صحيح؟ وها نحن بتنا نسمع بـ"الفيتو" الروسي والصيني مثلاً في القضية السورية، بمعنى هناك من يؤثر في قرارات الأمم المتحدة ولو في الحد الأدنى، ولو من بين مئات قرارات الفيتو الأمريكي رُمي فيتو روسي أو صيني، ما يعني أن هناك مجال للتأثير ولو بالحد الأدنى في هذه القرارات. فلماذا لم يتحقق ذلك في حالنا؟ ببساطة، لاننا لم نكن نحن العرب والمسلمين ومحبي السلام والمدافعين عن الحق جديين في اخلاصنا للقضية الفلسطينية وشعبها. فهذا وجه آخر من وجوه النضال لو ركزنا بصدق وجدية وصلابة عليه طوال 66 عاماً لكان ترك أثراً ما، اكيد أفضل من اللاتأثير الذي تعيشه القضية اليوم في أروقة الأمم المتحدة.

لا نقول هذا الكلام اعتباطاً، مرت فترات إيجابية كثيرة للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة انعكست في بعض القرارات، لكن هذه القرارات لم تجد من يتابعها ويذكّر بها ويستخدمها خير استخدام، فضاعت أو تبدّلت. على سبيل المثال القرار (3379 بتاريخ 10/11/1975) الذيجاء في فقرته الأخيرة "أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"،وطالب جميع دول العالم بمقاومة الأيديولوجية الصهيونية التي بحسب ما جاء فيه تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين. ألم يكن هذا سلاحاً أممياً في أيدينا، لكننا نحن تحايلنا عليه ودفناه واعترفنا بالعدو الصهيوني، وفرضنا على الأمم المتحدة بشكل غير مباشر، أو ربما "رجوناها" فألغته بموجب القرار 46/86 في 16 /12/1991 في إثر قبولنا بـ "مفاوضات السلام"؟

بعض المتغيرات علينا التنبّه إليها في حركة صدور القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، عدا عن المصالح الدولية التي لا شك فيها، فهناك علاقة واضحة بين قوتنا والقرارات الإيجابية، بمعنى القوة والإصرار يفرض نفسه في الأمم المتحدة، فمثلاً القرار رقم 2535 (10/12/1969) الذي جاء فيه "إن الجمعية العامة إذ تقر أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين نشأت عن إنكار حقوقهم الثابتة التي لا يمكن التخلي عنها والمقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تعود وتؤكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين".والقرار رقم 2672 (8/12/1970) الذي أكد بوضوح وتفصيل حق الشعب الفلسطيني في استعادة كامل حقوقه، وجاء فيه "ضرورة الأخذ بمبدأ تساوي الشعوب في الحقوق وحقها في تقرير المصير المكرس في المادتين 1 و55 من ميثاق الأمم المتحدة، والمعاد تأكيده في الإعلان الخاص بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقاً للميثاق". ومثلهما القرارات 2628 (4/11/1970)؛ و2649 (30/11/1970)؛ و2728 (6/12/1971)؛ 3236 (22/11/ 1974)؛ 3276 (6/1976) ... وغيرها من القرارات التي تبحث حق العودة للفلسطينيين وتقرير مصيرهم، نلاحظ أنها جاءت في عز قوتنا وفرض وجودنا المقاوم، بعد معركة الكرامة مثلاً، مقابل إلغاء قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية، وتوقف أي قرار في هذا الشأن بعد دخولنا "السلام" وتخلينا عن كفاحنا المسلح والاعتراف بالعدو الصهيوني... وهذه مفارقة أولى.

على الصعيد العربي والإسلامي

 لأسباب موضوعية تاريخية وجغرافية وتنموية وثقافية ودينية وإنسانية تعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب جميعهم، أو على الأقل الدول المحيطة بفلسطين وتتأثر بها بشكل أو بآخر (مصر والأردن وسوريا ولبنان ودول الخليج)، ما يعني أن على هذه الدول دعم الفلسطينيين ورعايتهم من أجل تحرير فلسطين التي هي واسطة التكامل بينهم، عدا عن البعد الإنساني والأخوي والديني والقومي تجاه الفلسطينيين. ما يجري هو العكس؛ إذ لا تكتفي هذه الأنظمة في كف يدها عن القضية، بل راحت تتوسل إسرائيل السلام بمسميات وذرائع مختلفة، وقمعت المقاومة الفلسطينية وساهمت في القضاء عليها بشتى السُبُل: الأمني والعسكري والسياسي والافساد المالي والحصار الجغرافي والشطب الثقافي والتربوي حيث محت اسم فلسطين وقضيتها من مناهجها التربوية وبرامجها الإعلامية ومجلاتها الثقافية، وراحت الرقابة السوداء فيها تفعل فعلها تجاه فلسطين وأهلها.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد في شطب القضية، بل تمادت هذه الأنظمة في شطب إنسانية الإنسان الفلسطيني من خلال القرارات العنصرية التي تتخذ بحق هذا الإنسان، والتي حرمته من أبسط حقوق العيش التي تنص عليها القوانين والأعراف الوضعية والدينية. فاستبدلت حقوق الإنسان تجاه الفلسطيني بحقوق المواطن الذي يحمل جنسية هذا البلد أو ذاك. حُرم معاملته بصفته مواطناً يعيش في هذا البلد عليه واجبات وله حقوق، واختزلت هذه المعاملة ببعدها الأمني، ومُنع من العمل والتوظيف والتملك ودُكّت مخيماته ودمّرت (كما هو الحال في لبنان)، وجرّد من هويته وجواز سفره (الأردن)، وأعطي حقوق العمل والتوظيف والتملك لكن سلبت منه حقوقه السياسية (سوريا)، وحُرم حقوقه السياسية وهويته الوطنية (مصر)، ومُنع من دخول أراضيها عاملاً أو زائراً إلا بشروط تعجيزية (دول الخليج). باختصار الفلسطيني عند الأنظمة العربية متهم ومنبوذ وخطر على أمنهم القومي. لماذا؟ جميعنا نعرف الجواب لذا لا داعي لتكراره.

لا نجافي الحقيقة إن قلنا إن هذا السلوك العنصري الرسمي تجاه الفلسطينيين أضعف القضية، إن لم نقل خدم العدو، لأنه أدى أو فرض أو دفع الفلسطيني إلى البحث عن أي منفذ للهروب بعيداً من هذا العسف إلى الدول الغربية، الهروب بعيداً من فلسطين وجوارها، وبعيداً من الانتماء العربي "الكاذب"، فخلت الساحة من أبنائها الذين هم مستقبل القضية وأملها. هرب الأبناء يحملون ذكريات الأهل وأمل التحرير والعودة والحرية، وصار دربها بعيداً.

انتظر الفلسطيني الذي كان يميز بين الشعوب والنظام، "ربيعاً عربياً" علّه يجد فيه حريته وحقوقه وقضيته، لكنه سرعان ما اكتشف زيف هذا الربيع وغوغائية هذه الشعوب وهشاشة ثقافتها وذاكرتها وانتمائها، اقتصر دورهم على تغيير أشخاص أو استبدالهم بأتعس، وتبيّن أن "فاقد الشيء يريد أن يُعطيه"، فمحارب الديمقراطية في مجتمعه يريدها في مجتمع جاره! وزادت تعاسة الفلسطيني وخاب أمله، ففلسطين لم تذكر في الربيع العربي، ودفعت بعض المخيمات في سوريا ثمنه (دمار مخيم اليرموك والرمل ومخيم جرمانا وجزء من سبينه وخان الشيح، ورفض لبنان استقبال اللاجئين الفلسطينيين من سوريا)، وكما في ليبيا ومصر...

أما على صعيد الحركات الإسلامية التي وصل بعضها إلى الحكم في مصر مثلاً فكان هدفها واضحاً وهو السلطة ولو نسّقت مع الأمريكان، وأرسلت رسائلها باتجاه لاسرائيل باحترامها تعهدات الإدارة السابقة معه، وزادت بأنها باتت توحي لشركائها الفلسطينيين للتخفيف من لهجة المقاومة. ومن جهة أخرى بات الجهاد والاستشهاد وأقصى ما يطمح إليه الجهادي الإسلامي هو الموت في سوريا وخرابها وأكل قلوب البشر هناك، أما فلسطين، وبعد 66 عاماً فلم نسمع يوماً عن صيحة جهاد لها من هذه الحركات التكفيرية، ربما كانوا ينتظرون قيام الخلافة والدولة الإسلامية حتى يصبح الجهاد شرعياً. والسؤال هل عادت هذه الخلافة وأقيمت الدولة الإسلامية حتى بات الجهاد في سوريا فرضًا وواجباً؟ حقيقة لا أعرف، خصوصاً وانه بات عندي شك في أهداف هذا الربيع ودوافعه.   

على الصعيد الوطني

كان من المفترض وضع هذا العنوان قبل الدولي والعربي، لأن الفلسطينيين هم الأولى والأحرص في صيانة قضيتهم وعليهم تقع الملامة في أي هزّة تصيبها في وهن وضعف ومقتل. لكن للأسف انقلب هذا الواجب ونراهم، أو بعضهم، هم المجرمون الذين قتلوا قضيتهم بين شرذمة الأيديولوجيا وضياع وحدة الهدف وهو أضعف الإيمان، وبين الفساد والبحث عن سلطة والتخلي عن الدور التعبوي والثقافي والتربوي لوكالة نخرها الفساد والشك والتجهيل وتحويل القضية إلى مجرد إغاثة وكيس طحين. ولا ننسى هنا العادات الاجتماعية البالية التي استجدت في المجتمع الفلسطيني باسم الدين والعقيدة والشريعة.

عناوين لا يمكن الانتهاء منها بمجلدات لو أردنا بحثها بالتفصيل، لكن ما نريد قوله هنا هو أننا حسبنا التنوّع الأيديولوجي غنى وثراء وثقافة، وهو كذلك، ولكن في الساحة الفلسطينية نظراً إلى "طيشنا" وربما قلة صمودنا أمام الإغراءات المادية والفساد، تحوّل هذا التنوّع إلى تشرذم وانقسام وضياع الهدف وبالتالي تحديد العدو. ضاعت القضية بين فتح وحماس، وعلى ماذا مختلفين؟ في العلن والبروبغاندا والمزايدة الإعلامية والعاطفية خلاف في شأن المقاومة، أو طريقة مقاربة حل القضية الفلسطينية بين "مقاوم" و"مفرط"، أو بين "ديمقراطي/منفتح" و"متعصب"... وكلها عناوين لمكاسب "سلطوية". فتح تعتبر نفسها صاحب الحق التاريخي في الحكم والسلطة، وحماس منذ اعلانها وولوجها في مشاريع "الهدنة" انكشف زيف مشروع المقاومة وثبتت لديها وجهة السلطة...

 لم تتوقف مفاسد ونواقص فصائلنا عند هذا الحد، بل تراها تمادت في إلغاء دورها التعبوي والتربوي والثقافي، وتركت أجيال المستقبل، مستقبل القضية لوكالة، بغض النظر عن دلالتها الرمزية بأنها شاهد على النكبة، تُقرئ أطفالنا ما يحلو لموظفيها "المدسوسين" و"الفاسدين" أصلاً تاريخًا مزوّراً وعلماً بالياً، فساد الجهل في زمن العلم، وباتت مدارس الأونروا مصدر تسرّب وعطالة وطفولة مشرّدة، ولا يندى لقادتنا جبين، ولا يتدخل أحدهم إلا لطلب وظيفة لقريب منه. فاستبدلت ثقافة التعبئة من أجل القضية بالضياع ، والمقاومة بـ "السلام" أو الاستسلام، والكرامة بالذل، وصاحب الرقم الوطني والهوية والقضية باللاجئ صاحب رقم الإعاشة بالفلسطيني... فأين دور هذه الفصائل؟

وزيادة في التراجع والتراخي والفساد والإفساد ولّد كل فصيل وفرّخ جمعية وهيئة تُحسب أنها مجتمع مدني، دجاجة تبيض ذهباً من هذا الأجنبي أو ذاك الذي كان جده إن لم يكن هو، ودولته وحزبه شاهداً على قيام اسرائيل إن لم يكن مشاركاً به بطريقة أو أخرى، وتحول المجتمع المدني إلى مجتمع فساد أخلاقي ومالي وسياسي ولعبة نلهو بها في وقت تتعاظم قوة العدو وبطشه. فتحولت القضية إلى برامج عمل أو مخطط لبرنامج هبات ودعم و""Proposalوباتت القضية "اقتراحات" ومشاريع "استعطاء" وممَن؟

هذا لا يعني أن عامة المجتمع أحسن حالاً، وبتنا نسمع بعادات وتقاليد مغمسة بطبقة رقيقة من سلوك شائن يسمى "عقيدة" و"شريعة" وهي سلاح الدين والعادات والتقاليد حتى في أيام الدولة الإسلامية الأولى منه براء. وعلى سبيل المثال كان بيدنا سلاح يخيف العدو ويُقلق راحته، وهو سلاح نظيف ورخيص وممتع في الوقت نفسه... ومؤثر، هو سلاح الديموغرافيا. كنا نراهن عليه، كما يراهن العدو القضاء على فاعليته وتأثيره، وللأسف في طريقه إلى العزل ليس بسبب قدرة العدو على مواجهته، بل بغبائنا وجهلنا، حيث بتنا نضع العراقيل أما تسهيل الزواج والإنجاب بسبب رفع المهمور ووضع الشروط على الشاب الذي يريد الزواج، حتى زادت العنوسة وهرب الشبان من المخيمات والوطن ولجأوا إلى الغرب، فلماذا تخلينا عن هذا السلاح؟ تقولون لي العادات والتقاليد والشريعة، اقول لكم ابحثوا عن مصدر تلقينكم هذه الفتات المغلوطة عن تفسير الشريعة...

ما العمل؟

مسكين هذا السؤال، نطرحه دائماً ولا نحترمه، نجيب عنه، ولكن أجوبتنا ربما تكون نزهة استجمام رديئة ومغمة، لذا لا جواب عندي هنا سوى التمني من كل قارئ أن يغمض عينية ويتفكر أين وصلت قضيتنا؟ قضية فلسطين، كل فلسطين بما تحمله من أبعاد تاريخية ودينية وسياسية وتنموية وثقافية وإنسانية، قضية الأمم الحرة كلها، والعرب بأديانهم وطوائفهم ومذاهبهم وأيديولوجياتهم وشيعهم وشرذماتهم كلها، وقضية الفلسطينيين بوجودهم وكرامتهم؟ وقسماً أن لا أحد في هذه الدنيا يحترمنا أو يعمل لأجل قضيتنا إلا متى فرضنا أنفسنا بصدقنا وقوة انتمائنا وإخلاصنا لقضيتنا، لا الأمم المتحدة ولا العرب ولا المسلمين ولا حتى فصائلنا نفسها يعملون لنا أي إنجاز إن لم نكن أقوياء، والقوة هنا لا تعني البلطجية وتقتيل أنفسنا، بل قوة الانتماء، لفلسطين طبعاً.

------------

*د. احمد مفلح: باحث فلسطيني مقيم في لبنان.