×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

يهودية الدولة كفكرة عنصرية: قراءة سياسية تاريخية أيدلوجية

يتجلّى الاستعمار والعنصرية في مدينة الخليل، ٢٠١٤ (المصدر: alarabalyawm.net) يتجلّى الاستعمار والعنصرية في مدينة الخليل، ٢٠١٤ (المصدر: alarabalyawm.net)

بقلم: عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل)

بداية دعوني أقارن بين اسماء الدول في اطار القانون الدولي واسماء الاشخاص في اطار القانون المدني.

مما لا شك فيه أن الأسماء من أهم عوامل تحديد الهوية، رغم أن أسماء الأشخاص غالبا ما تكون بلا معنى حقيقي، سواء في إطار الصفات او في اطار السلوك، فقد تعطى فتاة اسم "جميلة" وهي ليست أبشع أخواتها فقط، بل أبشع بنات جيلها، وقد يعطى ولد اسم أديب وهو أوقح ابناء جيله. اما أسماء الدول فغالبا ما تكون ذات معنى حقيقي، سواء كانت سياسة تلك الدولة (وسياسة الدولة هنا تقابل سلوك الشخص) تتماشى مع اسمها أم لا، فمثلا قد يكون اسم الدولة الديمقراطية بينما نظامها ديكتاتوري.

ورغم ان أسماء الأشخاص ليست ذات دلالة، ورغم أن القانون المدني لا يقيد الأهل باختيار أسماء أبنائهم، الا انه لا يقبل الأسماء الجارحة للآداب العامة، او التي توحي إيحاءات غير مقبولة، كما ان القانون المدني اجاز للشخص إن يغير اسمه بعد سن الرشد ان كان اسمه لا يعجبه ايحاءه او رنينه.

أما أسماء الدول، فرغم ان القانون الدولي لا يشترط ان يتطابق اسم الدولة على مضمون سياستها إلا انه يجب ان يشترط لقبولها في المجتمع الدولي أن لا يكون الاسم ذا دلالات محرمة في القانون الدولي. ونستطيع القول ان أسماء الدول في إطار القانون الدولي كأسماء الأحزاب في اطار القانون الوطني، فكما انه لا يجوز في المانيا (مثلا) ان يُعترف بحزب نازي يجب ان لا يُعترف بـ"دولة اليهود" في الشرق الأوسط لان الاعتراف بإسرائيل "دولة اليهود" يعني الإقرار أن أهل البلد (الفلسطينيين) في اسرائيل ليسوا مواطنين، بل مقيمين فقط، ويعني كذلك إن اليهود الفرنسيين ليسوا فرنسيين بل جالية يهودية في فرنسا...

ونظرا لشذوذ مسألة "يهودية الدولة" وخطورتها سأتتبعها تاريخيا، وأيدلوجيا، وسياسيا.

 

تاريخيا:

كان عبد الحفيظ محارب اكثر الباحثين تتبعا لتاريخية اسم دولة اسرائيل منذ إنشائها.

تتلخص الفكرة، التي توصل إليها هرتسل، في أن مناهضة اليهود، في مختلف المجتمعات وبخاصة الأوروبية هي معطى قائم بذاته. ومن الأفضل لليهود و'الأغيار' ولمصلحتهم، التخلص من ذلك عن طريق سلخ يهود العالم من نسيج مجتمعاتهم، عن طريق الهجرة، وجمعهم في منطقة خاصة بهم. واعتبر الفريق الصهيوني فلسطين وجوارها (أرض إسرائيل) منطقة التجمع المرجوّة. وقد أضفت الحركة الصهيونية، فيما بعد، على عملية جمع معظم يهود العالم في المنطقة، التي أطلقت عليها اسم 'أرض إسرائيل'، طابعاً قومياً، واعتبرتها بمثابة تحرّر قومي، وصولاً إلى اعتبار ذاتها بمثابة حركة تحرّر قومي للشعب اليهودي.

في العام 1897 نجح هرتسل، مع مجموعة من أنصاره، في عقد مؤتمر في مدينة بازل في سويسرا، تردّدت بين جنباته الدعوة لإقامة دولة يهودية نموذجية، تشكل ملجأ آمناً لليهود. وتمخّض عنه توصيات بإقامة هيئات ومؤسسات لإخراج الفكرة إلى حيّز التنفيذ في "أرض إسرائيل". وكانت الفقرة التي ختم بها كتابه: "ستكون لليهود دولتهم".

ولكن ما اسم هذه الدولة؟

في الرابع عشر من أيار العام 1948، قبل يوم من انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، أعلن بن غوريون رئيس الوكالة اليهودية، قيام "دولة إسرائيل"، وفقاً لقرار الأمم المتحدة (29/11/1947) القاضي بإقامة دولتين في فلسطين،عربية وأخرى يهودية.

قبل ذلك بيومين (12/5/1948)، عقدت الإدارة القومية (غدت بعد الإعلان حكومة مؤقتة) اجتماعاً في تل أبيب، لتدارس موضوع إعلان الدولة، ووضع اللمسات الأخيرة عليه. دارت نقاشات مطولة حول الاسم الذي ستحمله الدولة، وهي بمثابة الحلقة الأخيرة للنقاشات التي كانت تدور بين الحين والآخر، قبيل صدور قرار التقسيم، وفي أعقابه حول اسم الدولة، دون التوصل إلى نتيجة.

طرح على جدول أعمال الإدارة عدد من الأسماء، مستمدّة من مفاهيم ورموز توراتية، أهمها:دولة يهودا، ودولة صهيون، ودولة أرض إسرائيل،  دولة عابر.

خضعت هذه الأسماء لنقاشات مطولة، واستبعدت الواحدة تلو الأخرى، لكونها تحدث خلطاً في المفاهيم، فضلاً عن إثارتها مشاكل تتعلق بالمواطنة والأيديولوجية.

وحسم رئيس الوكالة اليهودية، دافيد بن غوريون، الأمر عندما طرح أمام أعضاء الإدارة اقتراحاً بأن يكون اسم الدولة التي سيعلن عن قيامها، رسمياً "دولة إسرائيل"، وحظي الاقتراح بأكثرية الأصوات.

كان من الطبيعي أن يحدث تماثل بين الدولة كفكرة "دولة اليهود" والدولة كتجسيد "دولة إسرائيل"، لكونهما يحملان معنى واحد: دولة لليهود حصراً أينما كانوا وحيثما وجدوا، داخل إطارها أو خارجه.

بعد مضي نحو عامين على قيامها، أقدمت إسرائيل (بصفتها دولة اليهود حيثما وجدوا، ولتشكلها كمجتمع مهاجرين ومستوطنين، تبلور من خلال ست موجات من الهجرة) على إصدار قانون العودة (5/7/1950) بعد مصادقة الكنيست عليه، وينص على أن من حق اليهودي "العودة" إلى إسرائيل، واكتساب جنسيتها بمجرد وصوله إليها.

لا شك بأن هذا القانون، وكذلك قانون الجنسية للعام 1952 والتعديلات التي أحدثت عليه لاحقاً، هو بمثابة القانون الأساسي الذي يحدّد في شكل واضح طابع إسرائيل كدولة "الشعب اليهودي" مع إضفاء الشرعية عليه. وهذا يُخرجُ  غير اليهود (ومعظمهم من سكان البلاد الأصليين) من إطارها على الرغم من حملهم مواطنتها، ما عرّضهم لمختلف أنواع التمييز في مجالات مختلفة، فضلاً عن أعمال السطو على أراضيهم، التي أخذت شكل مصادرة "لأغراض أمنية" لتقام عليها مستوطنات لصالح "العائدين".

لذا، كان من الطبيعي أن تلحق بالصهيونية وتعلق بها وصمة العنصرية، كإدانة ليس من قبل المتأذّين منها فقط، وإنما أيضاً من قبل هيئات ومؤسسات إقليمية ودولية (عام 1975).

ايدلوجيا:

هل اليهودية دين، وبذلك يكون اليهود طائفة؟ ام اليهود شعب؟

هذا التساؤل كان وما زال قائما، وهنالك اجابات متعددة ومتناقضة، وحكاية يهودية دولة اسرائيل تخدم الايدولوجيا القائلة بان اليهود امة كغيرها من الامم، مع ان العديد من المفكرين والباحثين حتى اليهود المتنورين (ومنهم شلومو ساند) يعتقدون انه لا وجود للشعب اليهودي تاريخيا، وانه مصطلح ظهر في القرن التاسع عشر كرد فعل على أفكار الوسط الأوروبي، وما ترتب عليها من ملاحقات لليهود، فلم يكن غريباً أن يظهر بين اليهود، وبخاصة بين الوسط اليهودي المندمج، بعد أن عانى من حائط الصد الذي شكلته الأوساط اللاسامية الأوروبية أمام الراغبين من اليهود في الاندماج في نسيج مجتمعاتهم، من يقول إن اليهودية فضلاً عن كونها معتقداً دينياً، هي أيضاً أمة وجنس وقومية. ومن بين من نادى بذلك ودعا إليه ثيودور هرتسل زعيم الحركة الصهيونية. وقد نجحت حركته فيما بعد في إحداث انقلاب في الفهم تجاه اليهودية، إذ لم تعد كالسابق بمثابة دين واتباعها طائفة دينية، وإنما غدت وفق الفهم الجديد بمثابة دين وقومية في الوقت نفسه. لذا، اعتبرها البعض، لنجاحها في إحداث انقلاب في الفهم، بمثابة ثورة.

تعد الحركتان، الصهيونية واللاسامية، من المنظور التاريخي، بمثابة ظاهرتين أوروبيتين، منسجمتين إلى حد كبير بالأهداف، وإن كانتا متناقضتين بالدوافع. فقد التقتا عند ضرورة إيجاد حل لمجموع التجمعات اليهودية في العالم، ولم تكتفيا بوضع حلول منفردة لهذا التجمع أو ذاك، واعتبرتا أتباع اليهودية أمّة وجنساً وقومية، وعملتا على عدم اندماجهم في النسيج الوطني لمجتمعاتهم. وتمخضت معاناتهما الفكرية عن خلق فكرة "الغرس"، أي جمع اليهود من مختلف الأصقاع. ففي العام 1878 عرض جوزيه إيشتوسي، وهو من مشاهير المعادين لليهود، مشروع قرار على البرلمان المجري، يدعو فيه إلى تأييد ودعم إقامة دولة يهودية في فلسطين. وعرض مشروع القرار نفسه في مؤتمر برلين المنعقد في تلك الفترة، بهدف دفعه إلى حيّز التنفيذ، وكسب جهات أوسع إلى جانبه.

سياسيا:

تجنب آباء دولة اسرائيل تسميتها بدولة اليهود او الدولة اليهودية، ولكنهم (ومن تبعهم الى يومنا هذا) مارسو الحكم وقوننوه وشرعوه لتكون اسرائيل دولة اليهود فقط من نشيدها الى قانونها الاساسي وقوانين الجنسية والتملك والبناء. ولكن لماذا الآن تصر القيادة الحالية على الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل؟

ويجيب دافيد بارزيلاي في جريدة معاريف (2/4/2014): "كما هو معروف فقد كان التخوف في حينه أن تقرر الدول بانه إذا كان لليهود دولة، فيجدر بهم أن يغادروا وينتقلوا للسكن فيها بل وان يفرضوا ذلك على مواطنيهم اليهود. تخوف آخر كان أن المحافل المناهضة لليهود ستتهم يهود الشتات، ولا سيما يهود الولايات المتحدة بالولاء المزدوج. الادعاء بان اليهود سيكونون مطالبين بان يغادروا بيوتهم في الولايات المتحدة أو في أوروبا كونه يوجد لليهود وطن قومي في اسرائيل لم يعد واقعيا في القرن الـ 21 حيث أنه حتى الهجرة السكانية كالمكسيكيين الى الولايات المتحدة والمسلمين إلى أوروبا لا تجرّ طلبا بان يعودوا الى وطنهم. وبالتأكيد يوجد اجماع بان مثل هذا الطلب ليس واقعيا".

اما التقدير الاستراتيجي الذي اصدره مركز الزيتونة (في تموز 2009) فيرى ان اسرائيل  تهدف، في الحد الأدنى، من طرح هذا الأمر على طاولة التفاوض، إلى انتزاع تنازلات فلسطينية في القضايا المركزية مقابل سحبه من التداول، كما جرى خلال لقاء أنابوليس. إضافة لذلك، ثمة أهداف سياسية أخرى أهمها:

- إلحاق فلسطينيي 48 بالدولة الفلسطينية، مع إبقائهم في أماكن سكناهم الحالية في مقابل بقاء المستوطنات في الضفة الغربية.

- شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي شرّدوا منها في العام 1948، على اعتبار أن لا منطق في عودة هؤلاء إلى الدولة اليهودية.

- إعطاء "إسرائيل" الحق في البحث عن أمن هذه الدولة وفق منطق "دولة آمنة لليهود"، مما يعني تبرير رفض العودة إلى حدود 1967، باعتبارها حدوداً غير آمنة، وهو الأمر المرجح. خاصة في ظل موافقة المفاوض الفلسطيني على مبدأ تبادل الأراضي.

- ينسف هذا الأمر، وبأثر رجعي، حق الشعب الفلسطيني في المقاومة. فإذا كانت الدولة يهودية، وكان لهذه الدولة الحق في هذه الأرض، فلماذا يقاوم ذلك الشعب الفلسطيني؟ ولماذا يتصدى لها؟ طالما تم الإقرار بيهودية الدولة من قبل القيادات الفلسطينية والعربية.

- إطلاق يد "إسرائيل" للتنكيل بفلسطينيي 48، (بعد رفضهم للاسرلة، ورفعهم لشعار دولة لكل مواطنيها) ومواصلة التمييز بحقهم على كل المستويات، وفرض الترانسفير عليهم سياسياً اقتصادياً واجتماعياً، وصولاً إلى دفعهم إلى ما يسمى "الهجرة الطوعية" في أحسن الأحوال، وفي أسوأ الأحوال القبول بـ"الأسرلة"، والانصياع للطابع اليهودي للدولة، والقبول بالمواطنة من الدرجة الثالثة.

- إحياء نظرية الوطن البديل من جديد، خاصة مع طرح فكرة الحكم الذاتي الموسع للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، كما قد يحيى فكرة العودة إلى واقع ما قبل 1967، حيث تعود غزة للإشراف المصري والضفة (منقوصة) للإشراف الأردني، ولا مانع من وجود قيادة فلسطينية صورية. مع العلم بأن هذا الأمر قد يزيد التوتر بين الفلسطينيين أنفسهم، وكذلك مع أشقائهم العرب في الأردن، في ظل غياب الإستراتيجية الفلسطينية العربية الموحدة في إدارة الصراع مع "إسرائيل".

------------------

*عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل): كاتب وباحث فلسطيني، له مؤلفات عديدة، الامين العام للمجلس الاعلى للتربية والثقافة والعلوم في م.ت.ف، وعضو الهيئة العامة لمركز بديل.