×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

يهودية الدولة في ميزان الدولة القومية والعلمانية والعولمة

مستعمر يعتدي على راعي أغنام فلسطيني، جبال جنوب الخليل، أيلول ٢٠١٢ (المصدر: ActiveStills.org) مستعمر يعتدي على راعي أغنام فلسطيني، جبال جنوب الخليل، أيلول ٢٠١٢ (المصدر: ActiveStills.org)

بقلم: احمد ابو غوش*

من العنوان يبرز مدى التعقيد في هذا المقال، لأن العلمنة والقومية موضوعان معقدان بحد ذاتهما، وتناولهما يفترض نقاش سيرورة تطور تاريخي طويل للبشرية، والعلاقة بينهما، وهذا ما لا يتسع له مقال؛إلا إذا كان مضغوطا ومكثفا. لذلك سننطلق من مجمل فرضيات، ربما يختلف معها البعض، لكنني أعتقد أنها ستوفر كثيرا من المساحة والجهد، وستسهل تناول العلاقة بين تطور الدولة على أساس القومية، والعوامل الخارجية المؤثرة عليها، وتأثرها تحديدا بالعولمة، النزعة المسيطرة، في هذه المرحلة من التطور البشري، وموقع الدولة اليهودية في ظل هذا التطور.

التطور التاريخي للمجموعات البشرية حدث على أساس اثنو- اجتماعي، بدأ بالتشكل الإثني، وارتقى إلى تطور اجتماعي أثر وتأثر بالتطورين الاقتصادي والسياسي وبالبنية الفكرية والأيديولوجية التي يفرزها هذا التطور. لقد تطورت المجتمعات البشرية من تشكيل اثني هو القبيلة إلى تشكيلات اثنو- اجتماعية. أبرزها، اتحاد القبائل، القومية، الأمة. والعوامل المشكلة للقومية وهي اللغة والثقافة والتاريخ المشترك والاقتصاد المشترك والمصالح المشتركة هي نفسها العوامل المشكلة للأمة، لكنها في حالة الأمة أكثر تطورا وتبلورا وأنضج، بحيث تساعد على تشكل جماعة اثنو- اجتماعية أنضج وأكثر تبلورا. والدولة في حالة الأمة هي الدولة الحديثة، بينما كانت في ظل القومية تبدأ بتشكل الدولة على أساس قومي وتنتهي في الغالب بتشكيل إمبراطورية إذا صمدت أمام مد الغزو الإمبراطوري والذي نجم عنه في العادة تدمير للعديد من الإثنيات الصغيرة والقوميات الناشئة ودمجها في قوميتها.

 المشترك بين الدول الرأسمالية القائمة على وجود أمة أو قوميات متطورة إلى أمم والقوميات القديمة هو بقاء نزعة السيطرة والنهب الخارجي، إلا أن هذا النهب نزع إلى إبقاء الأمم أثناء نهبها بالسيطرة عليها ولاحقا بالهيمنة عليها ليظل النهب متجددا. النهب المتجدد يقوم على التأثير على بنية الأمم المستعمرة أو المهيمن عليها، وهذا هو العامل الذي دفع باتجاه العولمة اقتصاديا وثقافيا. فالنمط الرأسمالي يحتاج إلى إبقاء الاستمرار في النمو فاعلا ليظل قادرا على الحياة، وقد استخدم أدوات أيديولوجية والتفوق التقني والقدرة على التهديد باستخدام القوة واستخدامها أحيانا ليظل مهيمنا. عدم التوازن في القدرة الاقتصادية والقوة والسماح بتوازن متفاوت ولكن قابل للنمو مكن من وجود مركز مسيطر ومهيمن يستطيع خلق نهب مستمر ومتطور أيضا. فتشكل العالم على أساس قوى عظمى وأخرى حليفة وتابعة وغيرها مهيمن عليها في ظل ما يمكن تسميته عدو دائم للديمقراطية والحرية كأدوات للهيمنة. في ظل هذا النوع من الهيمنة يحدث تبلور بنيوي تابع في الدول الأفقر والأكثر تخلفا يساهم في بقاء وتيرة النهب والهيمنة، حيث يظهر في هذه الدول بنيات تابعة تقبل بالهيمنة بسبب خلل في تشكلها البنيوي.

 في تشكل الأمم الحديثة، لم توحد اللغة أمتين لهما نفس اللغة، وبعض الدول الحديثة قامت واستقرت رغم تعدد اللغات والإثنيات، والنزعة القومية والوطنية والرغبة في إقامة كيان منفصل لم تمنعها عشرات العقود من السيطرة، وبعض الجماعات  الأثنو- اجتماعية لم تظل موحدة بسبب البعد الجغرافي، والأمم الجديدة التي قامت على الاستيطان في العالم الجديد قامت وتطورت رغم وجود تنوع اثني وديني فيها. أما إسرائيل التي قامت على الاستيطان في قلب العالم القديم، وتحديدا في منطقة حدث فيها تطور حضاري طويل، فما زالت تعاني من اللااستقرار ولم يكتمل نموها كقومية وهنالك مخاطر كبيرة تهددها. وفي تشكل الدول الحديثة لم يكن للدين دور رئيس؛ ودليل ذلك تشكل العديد من الدول المسيحية والعديد من الدول الإسلامية. ولم يأخذ الدين دورا موازيا للغة والثقافة المشتركة والواقع الاقتصادي المشترك والمصالح المشتركة في تشكيل الأمم والقوميات، ورغم ذلك ظل يؤثر من زاوية تأثيره على العوامل السابقة، وكانت الدول العظمى مزاجية في قبول أو رفض احتساب الدين كعامل يحدد دعمها أو رفضها لقيام الدول الحديثة على أساس الدين. ففي الهند دعمت بريطانيا انقسام المسلمين في باكستان على أساس ديني، ورفضت دعوات الانقسام على هذا الأساس في ايرلندا. وعندما نشأت الحركة الصهيونية عوملت على أساس أنها حركة قومية، وهي من الحركات القليلة التي اعتبرت الدين كعامل مساعد في تشكيل "القومية العبرية" مع ان قياداتها كانت علمانية. وعندما قامت دولة إسرائيل على أرض فلسطين اعتبر تيار ديني يهودي أن قيامها حرام، واعتبرت حركات دينية اخرى أنه يجب أن تستفيد من قيامها في تعليم الدين او تعميقه بين اليهود. ومن قاد وما زال يقود الواقع في إسرائيل هم العلمانيون الذين يجيرون الدين لخدمة أهدافهم، ويستخدمون الدين اليهودي وما يبرزه من ثقافة في خدمة توحيد اليهود داخليا وخارجيا. في إسرائيل انقسام عمودي بين الشرقيين والغربيين، وبين العرب واليهود، والعرب مسيحيون ومسلمون ودروز، والشرقيون عراقيون ومصريون ومغاربة وفرس وكرد ويمن وغيرهم. والغربيون موزعون على العديد من الإثنيات المختلفة وصار أبرزهم الروس. كل له ثقافته ولغته الأصلية وثقافته الممتدة إلى جذور سابقة، ويشتركون في أن هؤلاء يتبنون الدين اليهودي. فهل إسرائيل دولة يهودية؟

 في عالم اليوم تناقضات وصراعات بين الأمم والدول بسبب الخلاف على المصالح والموارد والحدود. وفي العديد من الدول تناقضات وصراعات مختلفة أهمها: الطبقية، والإثنية، والعرقية، والأقتصادية، والطائفية، والقومية، وهنالك أيضا صراع بسبب الدين لكنه الأقل انتشارا. المهم هنا أن هذه التناقضات عادة تبرز بين، وفي الدول الأكثر تخلفا. فالدولة الحديثة حلت منذ زمن معظم التناقضات داخلها ويتعايش مواطنوها في مجتمعات متناغمة ومتفاهمة رغم الاختلاف بين اعراقها وأديانها، وغالبا ما تتفاخر الدول والأمم بأنها ديمقراطية ومتحضرة. وقد سمعنا قادة إسرائيل يتفاخرون بأن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. فإذا كانت الديمقراطية هي أهم سمة للدولة القومية الحديثة التي تقوم على المواطنة وحق الاعتقاد والتعايش والتناغم بين سكانها بغض النظر عن العرق واللون والدين، لماذا يطالب قادة إسرائيل باعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة؟ وماذا يعني ذلك؟

 لقد حاولت الدول أن تشكل لنفسها هوية، كما يحمل الأفراد هوية أو هويات، فبعض الدول ديمقراطية وأخرى تقدمية وغيرها متحضرة، وبعض الدول مسيحية أو إسلامية أو بوذية أو وثنية وغيرها علمانية، وبعض الدول جمهورية وغيرها ملكية، وبعض الدول متقدمة وغيرها متخلفة. ولكننا لم نسمع أن دولة أو أمة طالبت الغير بأن يعترفوا بأنها ملكية أو جمهورية أو تقدمية أو علمانية. الدول تختار هويتها ويتعامل العالم معها على أساس هذه الهوية، فإما أن يقبلها أو يرفضها، ومن حق كل دولة أو أمة أن تختار ما تشاء من الهويات، لكن ليس من حقها أن تجبر الناس على الاعتراف بهذه الهوية. فالسائد في العالم الحديث أن الأمم والدول تطالب الغير بالاعتراف باستقلالها وسيادتها لكنها لا تطالبها بالاعتراف بهويتها.

حدود الدول لم ترسمها الحدود الديموغرافية للأمم والقوميات والشعوب، بل كانت نتيجة لتفاعل اثنو- اجتماعي وتطور متفاوت حسم موازين القوى وأثر بطرق مختلفة وعبر تطور طويل في رسم معالم الدول القائمة اليوم. فبعض القوميات، وبالذات القديمة، سيطرت في مراحل من حياتها على مساحات شاسعة من العالم، في مرحلة كانت سنابك الخيل هي التي ترسم الحدود. لذلك، تعربت شعوب وتفرنست أخرى، وعانت قوميات وشعوب من البطش والقتل التدمير فاضمحلت، وانتعشت وسادت قوميات في مراحل مختلفة. وفي هذا العصر، تداخلت الاثنيات والأعراق والأديان في الدول ولهذا السبب توجد دول تسود فيها أكثر من لغة ودول لها لغة واحدة. ما نود أن نشير إليه هنا أن العالم حكم في السابق وفي الحاضر بموازين قوى مختلفة ومتفاوته أثر على تشكل قومياته وأممه وشعوبه وبالتالي دوله، وعانى دائما  جزء من العالم من الظلم والاضطهاد، فبعض الأمم قسمت إلى دول، وبعض الدول ضمت بالقوة أقليات من قوميات وإثنيات أخرى. والخلاصة أن حدود الدول لم ترسم حسب مصالح الشعوب والأمم بل حسب موازين والقوى ومصالح الدول العظمى.

  في عالم النهب المباشر والمدمر الذي ساد قديما وحديثا وتشكلت في ظله الإمبراطوريات كانت السمات الأساسية للعالم هي الظلم والقهر للأضعف. وفي عالم اليوم الأكثر تقدما ما زالت هذه السمات موجودة رغم حدوثها "بنعومة"، فما زالت القوة هي التي تحكم العالم، ومازال الظلم والقهر والبطش بمصالح الشعوب الأكثر تخلفا سائدا. عالم اليوم فيه أيضا إمبراطوريات تسود بالهيمنة وما زال نهب الآخرين هو عامل أساسي في ترف الغير. وما زالت القوة هي التي تحكم العلاقات بين الدول، وإن كان ذلك بصورة أقل وحشية من السابق. فالعولمة نهج يقوم على تخطي الحدود ونهبها من خلال التطور غير المتكافئ  والتبادل غير المتكافئ. وفي ظله السيطرة بالقوة الاقتصادية هي أدوات النهب، وأهم أدواتها الهيمنة الأيديولوجية والثقافية والقيمية. العولمة باختصار دعوة إلى حرية الأفراد ورأس المال في ظل توازن بين الأفراد والدول يجبر الضعيف على الخضوع للقوي. والعولمة من زاوية أخرى فتح الأبواب أمام القوى الاقتصادية العظمى لتنهب، فهي تتحدث عن الحق في المساواة بين أطراف متفاوتة القدرة، لذلك هي الديموقراطية "بين الذئاب والدجاج"، وهي اختراق لحدود الأمم والقوميات بجيوش المال وإمبراطورياته. والأهم أن شكل العولمة انفتاح وعالم بلا حدود، والمستفيد هي الدول الأقوى والأقدر وأدوات الحرب هي اقتصادية. وفي ظل العولمة تكون العودة للسيطرة والبطش بالقوة العسكرية ممكنة ويتكرر بين فترة وأخرى عندما لا تنفع الطرق غير المباشرة في تحقيق ذلك. وفي ظل هذا الواقع ستذوي الأمم والشعوب الأضعف لصالح الأمم الأقوى والأقدر، وستتغرب نسبة متزايدة من البشر وتقبل بهيمنة الدول الأعظم.

في ظل التحول إلى العولمة هيمنت  مجموعة دول قوية على العالم، وقبل ذلك برز تطور في شكل السيطرة والهيمنة كما برز تطور في شكل النفوذ العالمي. ففي ظل الإمبراطوريات القديمة كان العالم محكوما بإمبراطوريتين وأخرى تتشكل على محيطها ومستعدة للإنقضاض عليها في حالة ضعفها. بينما في التاريخ المعاصر وتشكل الدول الرأسمالية الاستعمارية ظلت نزعة السيطرة الإمبراطورية قائمة كما قلنا، وكان العالم خماسي القوى، ثم تحول إلى عالم ثنائي القوى، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي أصبح العالم أحادي القوى وهذا لن يدوم طويلا، وها هو يعود ليتشكل من جديد إلى عالم متعدد القوى. التشكل وإعادة التشكل جاء في الغالب بعد صراع وحروب مدمرة، واستخدم في الصراع والتناقض دولا شريكة وأخرى منابة. ونذكر هنا أن إسرائيل قامت بقرار من دول المركز وظهرت دعوات لإقامتها قبل تشكل الحركة الصهيونية، وعندما قامت بدعم ومساندة بريطانيا تسابقت عدة دول على دعمها للاستفادة من دورها كقاعدة متقدمة للدول الاستعمارية في المنطقة العربية. وأخيرا وفي ظل السيطرة الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية على العالم أصبحت إسرائيل دولة شريكة لها، بل وشراكتها إستراتيجية. وبالإضافة إلى قوة إسرائيل العسكرية ساعدها في ظل العولمة أن العديد من الشركات متعددة الجنسيات والكارتيلات العالمية هي يهودية، مما عاظم دورها وساعدها على تقوية نفوذها لدى الدول العظمى. واليوم في ظل اعادة التبلور في عالم متعدد القوى تزداد مكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، وتحصل على كل الدعم الممكن. وهي لذلك لا تخشى مما تطرحه وتطالب به. فلو طالبت أية دولة بما تطالب به إسرائيل في ظروف التشكل والتبلور العالمي الجديد في التوجه نحو توسيع العولمة لاتهمت بالفاشية، لكنها وهي تفعل ذلك تدرك مدى حاجة الولايات المتحدة لها ولدورها، ولا تخشى ان تتخذ الحكومات المسيطرة في العالم موقفا حادا من موقفها الشاذ المؤثر على التطور الدولي كما تريده دول المركز الغربية. إلا أن الجديد في ظل العولمة هو القدرة على التواصل بين أفراد العالم وعدم قدرة الأنظمة الرسمية على إخفاء وتزوير ما يحدث في العالم عن الأفراد. من هنا تواجه إسرائيل مأزقا مهما في هذه المرحلة والمراحل القادمة سينجم عنه قدرة الأفراد في العديد من الدول على اتخاذ موقف من دولة أو جهة ما بسبب مواقفها. من هنا نلاحظ مدى تأثر العديد من قوى العالم السياسية الشعبية والمؤطرة، حتى في دول المركز بالمواقف السلبية من ممارسات إسرائيل القمعية ضد الشعب الفلسطيني، وستتسع دائرة المعتقدين بأن إسرائيل دولة أبرتهايدية، وستتسع دائرة الشجب والتعرض لمواقف إسرائيل التي تحولها وبسرعة إلى دولة تصنف بتزايد بأنها عنصرية رغم كل الطنطنات عن ديمقراطيتها.

في مقال سابق أشرنا إلى أزمة إسرائيل في كل الحلول المحتملة لحل للقضية الفلسطينية رغم عدم عدالتها. فهي في حالة عدم قيام حل سياسي للقضية الفلسطينية ستمارس مزيدا من القمع للشعب الفلسطيني، وفي حالة قيام حل على أساس دولتين ستظل تعاني من أزمة وجود أقلية عربية تتكاثر في كيانها، وبممارسة التمييز العنصري ضد فلسطينيي سنة 1948 ستظل دولة أبرتهايدية، إلا إذا كانت ديمقراطية بحق، وإذا حدث ذلك، وهذا مستبعد، ستنتهي إسرائيل كدولة صهيونية. وبما أنها ستبقى دولة تمييز عنصري ستظل في موقع الاتهام بالعنصرية. يهودية الدولة مطلب لإفشال الحلول السياسية، وإذا حدث أن وافق الفلسطينيون عليه، سيزيل عن إسرائيل هذه التهمة غير المقبولة عالميا مهما حاولت دول المركز تجميل إسرائيل وتسويقها عالميا كدولة من المعسكر الديمقراطي.

-------------

*احمد ابو غوش: كاتب فلسطيني وباحث في قضايا الهوية والمواطنة والقومية.