×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

"استبدال اللام بالميم يكسر نمطية النكبة"

ربوع الخليل الخضراء (المصدر: palestineremembered.com) ربوع الخليل الخضراء (المصدر: palestineremembered.com)

بقلم: وسام محفوظ*

يخطر ببالي كلما وطئت قدماي ثرى هذه الأرض، نظرية نيوتن في الجاذبية الأرضية، ولا أدري لماذا بديهتي تشدني للاعتقاد بأن جاذبيتها الأرضية هي الأقوى من أي مكان آخر، رغم أن نيوتن لم يذكر شيئاً من هذا، ولكنه ارتباط القدم بالتراب... امتداد الروح. وأتساءل: هل يمكن أن تحل نظرية إبن الجليل الأعلى مروان مخول محلها بالتفسير حين قال شعراً: "عذراً منك نيوتن: ليست الجاذبية من أسقطت التفاحة، بل هي الأرض، من تحنّ إلى صغارها

مع جاذبية الأرض تتعزز جاذبية الرائحة التي تملؤ نفسي بمزيج من العبير، ابتداءً برائحة لوز آذار الذي ملأ الدنيا جمالاً ورقة، لتندس رائحته في خلايا الجسد المثخن بالجراح ويمر بالبال سؤال حتمي: أهي صدفة قدرية أم وطنية تلك التي تجعل موسم اللوز يزهر قبل حدوث النكبة؟... لتتجلى تناقضات النفس والإنسان والواقع، عصية على الفصل والتجاوز؛ بين وجع البساطة والرقة التي يصورها اللوز بزهره ورائحته، وبين ألم الأرض الدفين المستمر منذ عقود، ليتخضب الجمال بالألم، وتغدو زهرة لوز كحكاية تناقض وتواطؤ بين الذاكرة والأيام.

في آذار منذ سنين مضت، انتصفت الحياة، في أولها عايشنا موسم اللوز ومذاقه ورائحته، وفي نصفه الآخر تلطخت بقاياه على الأرض بأقدام غريب استهواه جمال اللوز وسحره، فقرر أن يكون من يحصده في العام المقبل... على طريقته.

في آذار، تتفتّق الجروح وتُرْتَق في آن، برائحة زهرة لوز تذكّر بوجودك وحقك على ترابها، وبحرمانك من التمتع بجمالها وإدراك موسمها.... يطالعني اللوز ورائحته أينما ذهبت ليستفزني ويستفز ذاكرة الأرض داخلي... وتتولد أسئلة مبهمة: ألم يولد إبن الأرض درويش في موسم اللوز وهو المترنّم المتغني، كأجمل ما تكون قصيدة، بألم جمال اللوز وسحره... في قصيدة الحياة ..."لوصف زهر اللوز" والتي ابتدأها بواو العطف ليختصر أوجاعاً دفينة سبقت هذه الواو المشبعة والمثخنة بالآلام والآمال... هو العاجز عن وصف بساطة زهرة لوز حتى بالاستعانة بموسوعة الأزهار والقاموس والبلاغة أجمع؟ وهو الحالم أبداً بحدوث معجزة، إذا ما صحت قدرة المؤلف على كتابة مقطع في وصف زهر اللوز!

يسبق آذار أيار بالتقويم الزمني، ويرتبط به بأنه حمل آخر موسم لوز قبل حدوث النكبة... في آذار يتدثّر اللوز بالأرض ويقول خبّريني... خبّريني... جودي عليّ بحكايا ذاكرتك الممتلئة بقصص يرفض سارقوا الأرض سماعها، خبريهم حكايا حقيقية عن أيام القطاف والجمال المنتشر على الأرض... وفي الأرض... قبل أن يأتي أيار؛ ليكون الدليل القائم على آخر موسم لوز عاشه الفلسطينيون قبل حدوث النكبة، ويكون السؤال الحتمي إذن: من استفاد من قطاف اللوز واستمتع بسحره ورائحته يوم تم إقصاؤنا عن هذه الأرض؟ وهل أدرك الجلاد حينها معنى وجود زهرة لوز نابتة نابضة بالحياة تدب جذورها في عمق الأرض، والتي ادعى أنها جرداء قاحلة خالية من الحياة؟ ألم يسمع زهر اللوز حينها يقول أني هنا قبلك وعايشت أصحاب الأرض وتشاركنا المواسم وتبادلنا العطاء قبل مجيئك بقرون خلت؟


يحدث أن تصاب بدوار الذاكرة كلما غادر آذار ولوزه واقترب مرور أيار، ذلك أن للوز حكاية متوارثة تروى وذاكرة عصية على النسيان مُحَرِّضة... بل، والفلسطيني دون سواه يملك ذاكرة مقيمة عصية على النسيان، تنُزّ عليه دائماً وتذكره كيف حاول ويحاول المُحتل أن يمحو ظله عن التراب، تراب الأرض، لتحل الباسيفلورا1  محل اللوز... يقول مروان: "لا تزال حية هذه البرتقالة، بيد إنها مغمورة خلف الباسيفلورا حديثة الواقع، والتي تعربشتها في الحديقة، أو تعربشتني أنا، على غفلة من والدي!".2

تعربشنا العدو وأساطيره واستيطانه إذن، لكنا ما اختفينا أبداً ولا لوزنا... خلفه. وفي آذار هذا العام، أضع كل الجراح جانباً وأقرر أن أكون متفائلة فوق كل العادة والحدود... لآذن بطرقٍ على البال لسؤالٍ واحد يبوح: من أين يجترح الفلسطينيون معجزة الأمل؟

لن نجدد عهد الألم في ذكرى النكبة هذا العام؛ بل سننظر لهوية الأمل في حياة الفلسطيني، لنحاول إيجاد تفسير وإجابة على أسئلة ملحة تطرحها معالم الفلسطيني وشموخه.

كيف يمكن للفلسطيني بعد كل سنينه العجاف المستمرة، أن يستيقظ كل صباح بأمل متجدد، ويقين مطلق بأنه يستيقظ ليطالع لوزه الذي ينتظر القطاف عبر نافذته المطلة على بحر عكا وسورها، ونسيم الجليل يلفحه ويملأ نفسه برغبة لزيارة رام الله ثم التوجه للصلاة في الأقصى والمرور على شوارع القدس ومطالعة أزقتها؟

كيف يمكن أن ترى إلى اللحظة أملاً متجدداً قطعياً في تجاعيد كهل بفعل نكبة حتمية ترهقه منذ أزل، ويؤكد وهو ما فتئ يحمل مفتاح بيته بيده كقابض على جمر يطفئه الأمل، وهو يقول بأننا عائدون؟

هل هي الحكاية وحدها ما يورّث، أم هو الأمل واللوز الذي يحكي حكاية الأمل، ما يلازم الحكاية أيضاً...؟

ويبقى السؤال، من أين ينبت هذا الأمل عند الفلسطيني وسط كل هذا التجريد والإنكار والقسوة، وهل من الممكن أن يكون هناك للأمل هوية؟

من الناحية النظرية، تشكل عناصر عدة هوية الفلسطيني، فعنصر الإنتماء لديه يبدو جليا في علاقته بأرضه وما ينبته ترابها، وبمفهوم الإنتماء يقال" أنتمي إليه أي أنتسب إليه وهذا يشترط دافع الحب والفخر والسعادة والإنتساب إليه لما يولده هذا الإنتساب من معاني العزة والشرف"3، وتجتمع المشاعر العدة تلك في داخل الفلسطيني لتشده نحو الأرض فينتسب إليها طوعاً، ويتوحد بها وتتشكل لديه الفكرة المطلقة عن الوطن بعد أن كانت فكرة مجردة، فتتخذ العلاقة التكاملية الثنائية بينهما كأداة يحملها طوال سنواته هذه، مما يبقيه صامداً في معركة صراعه مع الآخر.
كما تعرف هيام الشاذلي مفهوم الإنتماء بأنه "عاطفة متبلورة بشكل إيجابي حول موضوع ما من الموضوعات أو جماعة من الجماعات توفر له الأمن والأمان وتشبع احتياجاته المختلفة، على أن تبدأ تلك العاطفة منذ طفولة المرء الباكرة متمكنة في نفسه ليظهر الحب والتقدير والإجلال للمنتمي إليه، من خلال سلوكه ومشاعره في شكل اتزان انتمائي."4  وعاطفة الإنتماء لدى الفلسطيني بدأت باليوم التالي للنكبة، وحافظ عليها الآباء وتوارثها الأبناء؛ فالإنتماء جزء لا يتجزأ من التاريخ الشفوي والحكاية المتوارثة والتي تعتبر مبتورة دونه.

كما يرى قدري حفني أن الإنتماء "حاجة نفسية طبيعية لدى الفرد ولكنها – شأن غيرها من الحاجات النفسية الطبيعية- لا تتحقق تلقائياً وفي كل الظروف، كما أنها لا تتخذ نمطاً سلوكياً واحداً للتعبير عن نفسها، بل تتعدد تلك الأنماط اتساعاً وضيقاً، وكذلك تنافراً وتكاملاً، فقد تؤدي تنشئة الفرد إلى وأد تلك الحاجة لديه، وكف مظاهرها، كما تؤدي تلك التنشئة إلى محاصرة تلك الحاجة وإلزامها نطاق جماعة صغيرة مغلقة لا تتعداها".5  وفي محاولة جاهدة حثيثة مستمرة، يعمل الكيان الصهيوني على وأد هذا الانتماء بشتى السبل، إلا أن عاطفة الإنتماء الفلسطينية تبقى هي الأقدر على مجابهة مساعي الإحتلال لإنكاره واجتثاثه، من خلال سعيه الدائم لإثبات هويته وتثبيتها من خلال توارثها.

من ناحية أخرى، يتحدث عالم الإجتماع الفرنسي إميل دوركايم عن مصطلح آخر في كتابه )تقسيم العمل الإجتماعي( وهو مصطلح "الضمير الجمعي"، ويعرّفه على أنه" المجموع الكلي للمعتقدات والعواطف العامة بين أغلب عناصر المجتمع، والتي تشكل- في رأيه- نسقاً له طابع مميز، ويكتسب هذا الضمير العام واقعاً ملموساً، فهو يدوم خلال الزمن، ويدعم الروابط بين الأجيال، ومن منظور هذا العالم فإن الضمير الجمعي هو تعبير عن فكرة الجماعة بين المجتمع،6  وبأنه يعيش بين الأفراد ويتخلل حياتهم، إلا أنه يكتسب مزيداً من القوة والتأثير والإستقلال حينما يتحقق نوع من التماثل الواضح بين أفراد المجتمع. ويسيطر هذا الضمير العام على عقول الأفراد وأخلاقياتهم، ويتحقق لكل فرد ضميران: الأول هو الذي تشارك فيه الجماعة والثاني: خاص بالفرد ذاته.

ومن جهة أخرى، "هناك ارتباط وثيق بين الهوية والضمير الجمعي، حيث يشير مفهوم الهوية في الفلسفة إلى حقيقة الشيء من حيث تميزه عن غيره، وتسمى أيضاً وحدة الذات، وتشكل الهوية وعاء الضمير الجمعي بما يتضمن من مكونات ثابتة كالدين واللغة، وغير ثابتة كالعادات وطرق التفكير، ويتجلى الضمير الجمعي في المجتمع من خلال إحساس المجتمع بهويته، وخاصة إذا ما تعرض للعدوان، لأنه إذا لم يحافظ على هويته وتماسكها، فمن السهل على الآخر طمسها، ومن ثم القضاء عليه".7 
وفي الحالة الفلسطينية، يبدو جلياً أن تحدي الهوية "ولد من تحدي نفيها، إذ كان الرهان على تشريد الفلسطينيين من وطنهم ورميهم في المنافي سيؤدي إلى ذوبان الشعب الفلسطيني واضمحلال هويته الوطنية، وسيكون لهم أوطان أخرى، لكن هذه الهوية ممثلة بضميرها الجمعي عادت واستمدت عناصر قوتها من عملية اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه عام 1948 في عملية تحد لإثبات الوجود والذات الوطنية، بل الشخصية الوطنية الفلسطينية"8 بشتى الطرق والأشكال، لتفعل النكبة بذلك فعلها المغاير مع الفلسطيني فتغدو بمثابة المحرض على البقاء، ليثبت الفلسطيني بأنه قد قرر أن ينكب على الأمل لا الألم، ليحافظ على بقائه وهويته فيتمكن من الإستمرار ومقارعة عدوه.

يقرر إبن الأرض درويش أن يكون المستثير لنبض9  هذا الضمير، حاثاً إياه على البقاء في حالة يقظة دائمة، بربط النفس ومكوناتها بالأرض الباقية حتى بعد زوال الجسد، الذي يتحلل بعد زوال الروح ويتخضب بالأرض، لكن الروح تبقى تحوم فوق الأرض لا تغادرها، لتنبت لوزاً وزيتوناً وزعتر، إذ لا يمكن للفلسطيني أن يكون منفصلاً عنها... يعلن درويش ملء الأرض: "أنا الأرض..والأرض أنت.. أسمّي التراب امتداداً لروحي... أسمّي ضلوعي شجر"، ليأتي الرد: "أنا الأمل السهل والرحب- قالت لي الأرض... والعشب مثل التحيّة في الفجر"10، ويأخذ إبن الأرض عهداً على الإستمرار فيقول: "سنوقظ هذه الأرض التي استندت إلى دمنا، سنوقظها، ونخرج من خلاياها ضحايانا، سنغسل شعرهم بدموعنا البيضاء، نسكب فوق أيديهم حليب الروح كي يستيقظوا، ونرش فوق جفونهم أصواتنا، قوموا ارجعوا للبيت يا أحبابنا".11 
لقد ركزت نظريات الهوية على العلاقة بين الفرد والآخرين والمجتمع وعملية التواصل فيما بينهم، إلا أن الفلسطيني في هويته وانتمائه إلى نفسه فأرضه، يرتبط هو مع أرضه ليشكل أناه المتصارعة مع الآخر، فيغدو مجبولاً بالأمل وتراب الأرض مشكلاً هويته الحقيقية الفريدة التي لا تتحقق إلا بتكاملية منفردة تجمع الروح والتراب والأمل، ليشكل لهويته مصطلحاً نظرياً "فلسطينياً" ليسمى " أمل الإنتماء الجمعي الفلسطيني"، يستطيع كل فلسطيني أن يدركه ويعمل به، ليؤكد بأنه باللا وعي الفلسطيني لديه، يقرأ درويش ويفهمه تماماً حين يقول "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، ويدرك يقيناً معنى "أن تكون فلسطينياً يعني أن تصاب بأمل لا شفاء منه"، ويفهم أن الأمل لديه كنهر جار يأبى التوقف عن الجريان ليستمر في سقيا الأرض.

يجف عود اللوز وتجف آخر الثمار قبل أن يسقط على الأرض –فرحاً- لأنها ستصبح سماداً في تراب الأرض، لكي يزهر في ربيع آخر قادم، يرحل اللوز ويأتي موسم آخر، ثم ما يلبث أن يجف ويأتي من بعده آخر وآخر... أن يجف اللوز لا يعني أبداً أن يزول، فجفافه وصبره على حر الصيف ما هو إلا مقاومة عسيرة لتلد زهراً بعد نأي وسط الصخور المقحلة يملؤ الدنيا جمالاً وعبيراً وأملاً ينبئ بأنا ها هنا، سيرحل اللوز لكننا لن نودع الأمل بعودته في المواسم القادمة... ربما درويش استنبط تفاؤله منه حين قال "وبي أمل يأتي ويذهب... ولكن لن أودعه"... كبقاء الأمل متفتحاً كزهرة لوز بالعودة إلى ديارٍ شردنا منها... هو قصيدة الحلم والكفاح الطويل لقهر المستحيل والإيمان المطلق بالبقاء، وطموح شعب بأكمله وأمله للخلاص، لتكون ملحمة الصمود الطويلة للوز هي ما يمنع إحلال الباسيفلورا مكانه لتعربش على الأرض والجدران وفي كل مكان، ليؤكد اللوز بأن لا عودة إلا عودتنا لموسم لوزنا وزيتوننا وكل ما يحمله تراب أرضنا.

------------------
*وسام محفوظ: طالبة دراسات عليا في جامعة بيرزيت -دراسات دولية- تركيز لاجئين وهجرة قسرية.

المراجع:
1) أبو رمضان، هناء صلاح جمال (حق العودة لدى اللاجئين الفلسطينيين- دراسة نفسية تحليلية)، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية- غزة- كلية التربية/ قسم علم النفس، 2011
2) البرميل، حسن. دراسة بعنوان الضمير الجمعي الفلسطيني، مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات، العدد 28 (1)، تشرين الأول 2012، 297
3) درويش، محمود .قصيدة الأرض، ديوان أعراس (بيروت- لبنان: دار العودة، 1977)، 619
4) درويش، محمود. قصيدة بيروت، ديوان حصار لمدائح البحر (فلسطين- عكا: دار الأسوار، 1984)
5) مخول، مروان. أرض الباسيفلورا الحزينة (حيفا- فلسطين: مكتبة كل شيء، ط2، 2011)
6) مصباح، عامر. علم الإجتماع: الرواد والنظريات (أبو ظبي: دار الأمة، 2004)، 25
7) معجم الوسيط (1985)، 400