×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

النكبة من الرومانسية إلى الفعالية الثورية

لاجئون فلسطينيون من سوريا يعبرون الحدود الفلسطينية، أيار ٢٠١١ (المصدر: الأيام) لاجئون فلسطينيون من سوريا يعبرون الحدود الفلسطينية، أيار ٢٠١١ (المصدر: الأيام)

بقلم: عيسى قراقع

في الذكرى الـ 66 لنكبة الشعب الفلسطيني ينبغي علينا مراجعة خطاب النكبة الذي ظل على مدار سنوات طويلة يأخذ طابعا رومانسيا وتذكارياً ومنصباً على محل القرية الفلسطينية؛ أرضها المسلوبة والرومانسية الجمالية لبيوتها المدمرة، مصحوباً بالحنين وبصورة المفتاح والحكايات المتدرجة في صراع زمني لحفظ الذاكرة وتحصين الأجيال فكرياً ووطنياً.

وبرغم أهمية كل ذلك، فان نكبة فلسطين بكل تجليات المأساة البشرية التي حملتها فهي تحمل إمكانيات ثورية تلقائية تفرضها طبيعة النكبة التي تمثل واقعاً مشتعلاً في ذاته. واقع من هذا النوع يتميز بطرق في التفكير والشعور والعمل خارج إرادة الفرد، وينطوي على قوة إرغام تفرض ذاتها على الفرد. لذلك كان على المفكر الذي يتعرض لتفسير وتعليل النكبة ان ينظر إليها في طبيعتها، ويحاول ان يكشف عنها وعن المنطق الذي يسودها ويدفعها.

ومن هنا فان التفسير الانقلابي للنكبة ضروري؛ ليس لأنه يكشف عن طبيعتها الثورية فحسب، بل لأنه يساعد على الإسراع في نقل تلك الطبيعة وإمكاناتها إلى الواقع.

ان النكبة تنطوي على إمكانات ثورية تلقائية تفرضها طبيعة النكبة ذاتها. فالكاتب الماركسي غوركي في قصة الأم يروي كيف ان امرأة عجوزاً في ظل الحكم القيصري، خائفة مستكينة للقدر، دون أمل أو رجاء، تصبح ثورية لا تقهر؛ لأنها أدركت عن طريق ابنها الثوري، البطل في سبيل الاشتراكية، مصدر آلام الشعب، وانه بالإمكان وضع نهاية له.

ان الفكر العربي حول النكبة ظل تأريخاً أو تفسيراً لها بأسباب عسكرية وسياسية فعجز عن الكشف عن طبيعتها الثورية او عن طرحها على صعيد نظري ثوري يعللها ويكشف عن أسبابها البعيدة الأولى التي قدمت لها وهيأت للأسباب العسكرية السياسية. فمن المؤلم حقاً ان الكارثة لم تهز الفكر العربي بعنف كاف لتوليد علامات استفهام كبرى حول وجوده، ولإعادة النظر في قضايا حياته الأولى، فلم تؤد إلى ظهور نتاج ذي طابع فلسفي اجتماعي ثوري في تعليلاتها وتفسيرها وعجزت حتى عن خلق الفكر الثوري الذي يقف أمام الوجود العربي التقليدي القائم فيتساءل عن معناه ككل، عن مبرراته، عن صحة استمراره وصحة القواعد والأسس التي يقوم عليها.

يقول الفيلسوف مونتسكيو في كتابه "أفكار حول أسباب نهوض وسقوط الإمبراطورية الرومانية": ليس هو القدر الذي يسود العالم فهناك أسباب عامة أخلاقية أو مادية تؤدي إلى خراب دولة ما وسقوطها. ومن هذه الفلسفة وجدنا ان فكر ما بعد النكبة كان في الواقع مندهشاً في عجزه الثوري، مثيراً في الطابع الصحفي الذي يميز معظمه، وقد امتاز بالقصور في فتح آفاق كبيرة وجديدة أمام الخيال الثوري، ولم يسهم أي إسهام فعال في توسيع وتعميق الروح الثورية الصحيحة.

ان نكبة فرنسا أنتجت أدب سارتر ومارلوبونتي وميشو وكامو ومارلو وسان اكزوبري ومئات غيرهم، فسنين الأزمة التي تقدمت النكبة ورافقتها، وجاءت بعدها فرضت على المفكرين الفرنسيين تحققاً ثورياً في جميع أفكارهم حول العالم. ونكبة ألمانيا عند احتلال فرنسا الثورة لها أنتجت فخته وهيجل ومئات غيرهم، لذلك قيل ان المثالية الألمانية هي نظرية الثورة الفرنسية.

وهذا القول لا يعني ان كانْت وهيجل أعطيا ترجمة نظرية للثورة، بل كتبا فلسفتهما إلى حد بعيد كجواب على التحدي الكبير الذي واجهتهم به والذي جابههم بضرورة تنظيم المجتمع والدولة على أساس عقلاني. وكثير من المؤرخين رأوا ان انتصار ألمانيا على فرنسا عام 1813-1815 كان نتيجة إحياء جديد للروح القومية حققه مفكرون أمثال شتاين وآرانت وياهن وفخته وهيجل، والدور نفسه قام به المفكرون النازيون بعد الحرب العالمية الأولى.

المفكرون اليهود كانوا المسؤولين الأول عن الصهيونية وهم مؤسسيها وقادتها، المفكرون الطليان قاموا بالدور ذاته، والمفكرون الروس كانوا وراء كل ثورة روسية.

ان وزارة الثقافة الإسرائيلية تخشى المفكرين الجدد في إسرائيل وكتاباتهم الانقلابية على المفاهيم التقليدية الإسرائيلية للنكبة، لهذا استبعدت كتبهم من التدريس في الجامعات والمدارس وعززت من الإنتاج الفكري والفني الصهيوني الذي ينكر الوجود العربي الفلسطيني على ارض فلسطين.

ان دور المفكرين الثوريين في صنع التاريخ والحركات الثورية لا يحتاج في الواقع إلى تدليل أو برهان فسياق التاريخ يثبت ذلك. وقد كتب الفيلسوف هوفر في كتابه "المؤمن الحقيقي" ان القادة الثوريين لا يتحركون، لا يقودون الحركات الثورية، هذا العمل التمهيدي في تقويض دعائم أي نظام، في تلقيح الجماهير بفكرة التحول، في خلق الاستعداد للإيمان الجديد عمل يمكن ان يتحقق على يد مفكرين وخطباء ثوريين معروفين ومعترف بهم.

المفكرون العرب لم يحققوا لأنفسهم هذا الدور ولم يرتقوا إلى مستوى النكبة، نتاج ما بعد النكبة الفكري يعلن بوضوح عن الفقر الثوري المخجل الذي ينطوي عليه.

لا نريد ان نظل نتكلم عن النكبة وكأنها كانت نتيجة لتلك الحرب المسرحية أو لتلك المواقف السياسية العسكرية للحكومات العربية وطبقاتها الحاكمة.

ان فكر النكبة درج حتى الآن على الطريقة التي رافقت معظم "الفكر الثوري" طريقة التبشير: يجب ان نصنع كذا، ان نقول كذا، ان نغير ونبدل كذاً وكذا، إلى ما لا نهاية، معتمداً بذلك تخريجات لفظية وعبارات منمقة دون ان يقف ويتساءل كيف يمكن او نصل إلى صنع او تغيير كذا وكذا...

يقول محمود درويش: سيموت جدي كمداً وهو يطل على حياته التي يعيشها الآخرون، وعلى أرضه التي سقاها بدموع جلده ليورثها لأبنائه، ستقتله رائحة الجغرافيا المنكسرة على أطلال الزمان، لان حق العودة من رصيف الشارع إلى الرصيف الآخر لا يتحقق إلا بمرور ألفي عاممن غياب يكفي لتطابق الخرافة من الحادثة.

-----------------------------------------

  • عيسى قراقع: وزير شؤون الاسرى والمحررين، كاتب وأديب، عضو الجمعية العامة لمركز بديل.