×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

واقع المساعدة القانونية في محاكم الاحتلال العسكرية*

محكمة عوفر العسكرية، آذار ٢٠١٣ (المصدر: www.jbcnews.net) محكمة عوفر العسكرية، آذار ٢٠١٣ (المصدر: www.jbcnews.net)

بقلم:رندة وهبة**

تواصل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني سبر التناقضات المتمثلة في تقديم خدمات إلى المجتمع في ذات الوقت الذي تحافظ فيه على مبادئها السياسية الأساسية، في حين تفاقم الأمر بسبب مفاوضات أوسلو اعتبارا من عام 1993. إن الاتفاقات الموقعة ما بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل تصعّب، على نحو متزايد، تطبيق منظمات حقوق الإنسان المحلية تنفيذ مهمتها المتمثلة في المساءلة في المجالين المحلي والدولي.

إن مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، باعتبارها منظمة حقوق إنسان فلسطينية، تواصل الدعوة إلى مقاطعة محاكم الاحتلال العسكرية على أساس كونها غير شرعية وغير متسقة مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة. ورغم هذا النقص في الثقة في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، فإن الضمير تواصل العمل من خلال هذه المحاكم من أجل توفير خدمات الاستجابة الفورية للأسرى السياسيين الذين يتم إخضاعهم لأحكامها. يصبح السؤال، إذن، كيف يمكن لمنظمة تقوم بتقديم الخدمات القانونية على شاكلة الضمير أن تتغلب على المعضلة المتمثلة في العمل ضمن منظومة تهدف المنظمة إلى تفكيكها؟

تظهر تجربة الضمير بأن المساعدة القانونية للمعتقلين والموقوفين قد تطورت بشكل كبير على مستويات عدة خلال العقدين الماضيين. لربما كان أهم هذه التطورات وأكثرها استدامة هو مفهوم المساعدة القانونية ذاته، والذي يمتد إلى ما وراء توفير الخدمات القانونية المجانية. فمنذ تأسيسها سنة 1992، سعت الضمير إلى دمج توجهات جديدة في عملها بما يشمل الأبحاث وتوثيق الانتهاكات المتعلقة بالأسرى، وجهود المرافعة والضغط من أجل تغيير الرأي العام الدولي. إن مسؤوليات رفع مستوى الوعي المجتمعي والحق في التعليم الذي كان ذات مرة متبنى من قبل الفصائل السياسية قد تم استيعابه على يد منظمات المساعدة القانونية، ما أدى إلى توسيع دورها ومسؤوليتها داخل المجتمع المدني. ورغم التطورات، والخبرة والمسؤولية المتزايدتان، فإن منظمات المساعدة القانونية لم تقم بإجراء تغييرات ملموسة على أحكام المحاكم العسكرية، خاصة فيما يتعلق بإجراء محاكم عادلة للمعتقلين والحفاظ على كرامتهم وحقوقهم.

إن الحق الأساسي في محاكمة عادلة كما هو مذكور في القانون الدولي هو أمر يتم الاستهانة به بشكل دائم من قبل المحاكم العسكرية الإسرائيلية، بما يشمل الحق في لوائح اتهام، الحق في الإعداد لدفاع فعّال، الحق في المحكمة من دون تأخير مفرط، الحق في التفسير والترجمة والحق في افتراض البراءة. وبذلك، فقليلا ما يتم إلغاء القضايا في المحاكم العسكرية، فيما يحاول المدعون العامون تخفيف العبء على أنفسهم عبر المرور بسرعة على القضايا (معدل الاستماع القضائي للقضية هو ثلاثة دقائق)، ما يسهل استمرار اعتقال الفلسطينيين. بالنظر إلى معدل الإدانة الذي يصل إلى 99.7 بالمئة والأحكام القاسية وغير المتناسبة مع التهم، يختار محامو الدفاع الفلسطينيين وموكلوهم المساومات والصفقات بدلا من الخوض في الإجراءات القضائية المرهقة. إن إبرام صفقات الادعاء يسهم أيضا في تجريم حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بحكم كون الصفقات تتطلب الإقرار بـ "الذنب" نيابة عن المعتقل. من خلال الاستمرار في العمل داخل المحاكم العسكرية، أصبح دور المساعدة القانونية والمنظمات الخدماتية الأخرى يعمل ضمن منطق الاحتلال، وهو ما يعفي إسرائيل، في نهاية المطاف، من المحاسبة والامتثال لقانون حقوق الإنسان الدولي والمعايير الدولية المتعلقة بالمحاكمات العادلة.

بالإضافة إلى هذه الانتهاكات المعتادة والمنهجية للحق في محاكمة عادلة، فإن العقبة الأساسية الموجودة أمام منظمات المساعدة القانونية موجودة بشكل بنيوي داخل النظام الذي هو غير شرعي وفقا لكل من القانون الدولي ومبادئ حركة التحرر الوطني الفلسطيني، والتي لا تعترف بسلطة الاحتلال. وفقا للمواد 64 و 66 من اتفاقية جنيف الرابعة، فإن السلطة القضائية للمحاكم العسكرية ينبغي أن تكون محصورة في الانتهاكات الخطيرة التي تتسبب في خطر على أمن الدولة، بينما ينبغي أن تعالج في إطار النظام القضائي الفلسطيني. ومهما يكن من أمر، فإن الخرق المباشر للقانون الدولي، يتمثل في عرض قضايا "الإخلال بالنظام العام"، "مخالفات نظام السير"، " التسلل"، و "الجرائم" بالإضافة إلى "الجنايات الأمنية" في محكمتي عوفر وسالم العسكريتين في الضفة الغربية. إن زيادة التأكيد على الانتهاكات الواقعة خارج إطار الجنايات الأمنية المعتاد يشير إلى التلاعب في اختصاص المحاكم العسكرية. يظهر في التقرير السنوي للمحكمة العسكرية الصادر مؤخرا (2012)، أن 44 بالمئة من الملفات المتعلقة بمخالفات نظام السير تشكل الحصة الأكبر من الملفات المفتوحة. أما ثاني أكبر حصة من هذه الملفات (19 بالمئة) فهي "التسلل"، وهي التهم الملصقة بأولئك الذين يتم الإمساك بهم خارج الضفة الغربية، بما يشمل القدس، من دون تصريح. ويظهر التقرير زيادة بنسبة 15 بالمئة عن العام 2011 في عدد حالات "التسلل". الأشد إثارة للقلق، هو نسبة ارتفاع تصل إلى 19 بالمئة من حالات "الإخلال بالنظام العام" عن العام 2011، وتشمل هذه التهم الانتساب إلى تنظيمات، تنظيم مظاهرات أو أي شكل من أشكال الاحتجاج، ما يؤكد على تجريم النشاط المدني والسياسي في الضفة الغربية.

إن إساءة استغلال المحاكم العسكرية ليست ثابتة فقط بتجريمها للحقوق الأساسية المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية للشعب الفلسطيني، لكنها أيضا تبرز إلى العلن في الاستغلال الاقتصادي خلال السنوات الماضية.  فجيش الاحتلال يدير نظاما من العقوبات الاقتصادية على أولئك المحكومين، حيث يغرمهم عادة بآلاف الشواقل على قضايا بسيطة كمخالفات السير. في العام 2012 وحده تم دفع13,229,170 شاقلا (3,704,168 دولارا أميركيا) للمحاكم العسكرية، في ارتفاع مهول مقارنة بالسنوات الخمس الماضية. وتتحمل عائلات المعتقلين هذه الغرامات، إضافة الى وزارة شؤون الأسرى والمحررين ومنظمات خدمية أخرى. هذه الإحصائية تمثل استغلال المحاكم العسكرية للسكان الفلسطينيين وتشير إلى إساءة استغلال السيطرة على الحياة اليومية للفلسطينيين عبر خنق محاولاتهم في تحقيق تقرير المصير.

بات من الواضح من هذه الأرقام ومن تجارب منظمات المساعدة القانونية بأن العدالة لا يمكن أن تتحقق للسجناء الفلسطينيين من داخل المحاكم العسكرية. إن الاستمرار في المرافعة أمام المحاكم العسكرية يسهم في تدعيم شرعيتها وشرعية الاوامر العسكرية وفقا لما هو معمول به في الأرض الفلسطينية المحتلة. لهذا، فإنه من الضروري والعاجل أن يتم بناء إستراتيجية وطنية للدفاع عن المعتقلين والموقفين،  ويجب دراسة خيار المقاطعة الجماعية للمحاكمات العسكرية بجدية. فخلال الانتفاضة الثانية، وحينما كان الآلاف من الفلسطينيين يذوون في معتقلات الاحتلال، كان من الممكن لمقاطعة شاملة للمحكمة أن تحيل إلى انهيار المنظومة كاملة وفورا بالنظر إلى الارتفاع الكبير في تعداد نزلاء السجون. إن هذه الإستراتيجية ستتطلب مشاركة شعبية وحكومية واسعة، وتشمل المعتقلين والموقوفين وعائلاتهم بالإضافة إلى منظمات المساعدة القانونية والمحامين المستقلين ومنظمة التحرير الفلسطينية وكافة فصائل العمل الوطني، هذه هي الإستراتيجية الوحيدة التي يمكنها أن تحطم قيود المحكمة العسكرية بشكل فعال. إن رفض الاعتراف بشرعية المحاكم العسكرية بإمكانه أن يزيل مكونا أساسيا من مكونات الكولونيالية والاحتلال عن الأرض الفلسطينية، ذلك المكون الذي يتكئ عليه الاحتلال بشكل ممنهج للسيطرة على السكان. ويمكن تحقيق هذه الإمكانية عبر خلق إستراتيجية موحدة وملتزمة.

------------

* هذا المقال ترجمة للنسخة الأصلية المنشورة بالانجليزية في مجلة المجدل على الرابط:www.badil.org/al-majdal

** رندة وهبة: هي مسؤولة المناصرة في مؤسسة الضمير