×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

لمنظومة القضائية الإسرائيلية منظومة عقيمة؛ لماذا ينبغي على الفلسطينيين أن يتعاطوا معها؟*

العمال الفلسطينيون على حاجز الطيبة، تموز ٢٠١٣ (تصوير: تاداس بليندا) العمال الفلسطينيون على حاجز الطيبة، تموز ٢٠١٣ (تصوير: تاداس بليندا)

بقلم: محمود أبو رحمة**

كثيرا ما تتحول محاولات الفلسطينيين لتحصيل حقوقهم أو للتصدي للخروقات الإسرائيلية من خلال المنظومة القضائية الإسرائيلية إلى اختبار عقيم. يحصل الأمر حتى عندما ترتكب قوات الاحتلال الإسرائيلية أكثر الخروقات جدية ضد القانون الدولي، فحتى في هذه الحالات، فإنه من  النادر أن نشهد عمليات تحقيق ترقى إلى مستوى تقصي الحقيقة، أو أن نرى أية محاولات من أجل مقاضاة مرتكبي الجرائم أو تحصيل حقوق الضحايا. فهل ينبغي علينا، وبناء على انعدام مصداقية هذه المنظومة القضائية، أن نستهلك الوقت في التعامل مع هذه المنظومة؟

في رسالته إلى لجنة الخبراء التابعة لمجلس حقوق الإنسان خلال تقييمه للتحقيقات الإسرائيلية الداخلية بشأن حدوث جرائم حرب رئيسية خلال عملية الرصاص المصبوب،[i] استنتجأحد الضحايا بأن التحقيقات الإسرائيلية في الأحداث كانت:

سطحية، غير جوهرية، ومضللة للمجتمع الدولي. رغم إيماننا بأن التحقيقات لم تكن جدية فقد قررنا أن نعرض على اللجنة وأن نقدم شهادتنا، انطلاقا من قناعتنا بأننا، كمدنيين، أبرياء. لكننا كنّا مؤمنين أيضا بأننا،  في النهاية، لن نصل إلى نتيجة. وقد صدقت توقعاتنا؛ فقد ظهر بأن التحقيقات التي قامت بها إسرائيل كانت مجرد لعبة، ليس أكثر من لعبة.

تبدي إسرائيل ميلا قوياتجاه الانحياز للجيش والحفاظ على قوة ردعه على حساب الالتزامات الأساسية للأعراف الدولية. فحيثما تكون هنالك أية فرصة لإحداث خرق في الجدار الحديدي للإفلات من العقوبة، والذي لا تستطيع المحاكم وحدها التغلب عليه، فإن المشرعين الإسرائيليين يسارعون إلى منعه عبر وسائل ما يعرف بالإصلاحات التشريعية.

مع كل ما سبق، لماذا تستمر بعض مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية في نشاطاتها المضنية لتوثيق الحالات وعرضها على المحاكم الإسرائيلية وعلى منصات المنظومة القضائية الإسرائيلية الأخرى؟ هل لا تكفي الأدلة القاطعة والثابتة حول كون هذه المنظومة غير فعالة في إسناد حقوق الإنسان الفلسطيني، أو حول كونها مصممة بطريقة تجعل الطريق إلى العدالة عديمة الجدوى؟ أليس حريا بنا أن نركز على مسارات أخرى من مثال آليات الأمم المتحدة،  المحكمة الدولية، أو إمكانية الحصول على تطبيقات دولية للولاية القضائية العالمية؟

هنالك مصداقية لهذا الجدل؛ فقد صممت إسرائيل نظامها القضائي بحيث يمنحها حصانة من الانتقادات بخصوص تعاملها مع الفلسطينيين وبهدف حماية جنودها وقادتها من الملاحقة القضائية. ولقد ضممنا صوتنا إلى أصوات الهيئات غير الحكومية الأخرى في انتقاداتهاللنظام القضائي الإسرائيلي، ذلك النظام الذي يحرم الفلسطينيين من العدالة والتعويض،[ii] ورغم ذلك، فإن مركز الميزان لحقوق الإنسان، وفي أعقاب مداولات واستشارات حثيثة، قد قرر أن يواصل توثيق الحالات في المحاكم الإسرائيلية. نجد، أدناه، حججنا الداعمة لهذا الموقف، تلك الحجج التي نؤمن بأنها لا تتناقض مع المواقف التي تعارض التوجه للمحاكم.

بادئ ذي بدء، ينبغي أن نضع في حسباننا، باعتبارنا مؤسسة حقوق إنسان، بأن حقوق الضحايا تقع على  رأس سلم أولوياتنا. وبذا، فإنه من المستحيل السعي إلى حق الضحية في العدالة أو التعويض إن رفضنا الطلبات الداعية إلى تفعيل النظام القضائي. يقرر العديد من الضحايا، على الرغم من إطلاعهم بشكل معمق على المسار الطويل والمتحيز الذي نواجهه أثناء محاولاتنا إحقاق الحق من خلال المحاكم الإسرائيلية، بأنهم يرغبون في الاستمرار في الدعوى على أية حال. يصبح الأمر واجبنا، حينئذ، مساعدتهم على المحاولة، رغم  كون العملية طويلة، مكلفة، ومنهكة؛ فضلا عن ذكر كونها تتصف بالتمييز.[iii] وفي نهاية تلك العملية، إن وجود احتمال ضئيل في ضمان العدالة و/أو التعويض- يدفع بعض الأفراد إلى المواصلة في الأمر.

ثانيا، إننا نوظف، عبر استمرارنا في تسجيل القضايا والشكاوى أمام النظام القضائي الإسرائيلي، منصة أخرى لفضح الانتهاكات المستمرة والخطيرة التي تمارسها قوات الاحتلال ضد حقوق الإنسان وضد القانون الدولي. إنه من المهم بمكان فضح هذه الخروقات والتصدي لها. وتوازي هذا الأمر أهمية مسألة استخدام هذه الخروقات لاختبار قدرة المنظومة القضائية الإسرائيلية على إحقاق العدالة في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل تعديل تشريعاتهابهدف زيادة القيود أكثر وأكثر على دنوّ الفلسطينيين من العدالة و/أو التعويض. هنالك أهمية قصوى للاستمرار في تفعيل المنظومة إن كنا راغبين بالاستمرار في إلقاء الضوء  بدقة على أشكال الخلل والعوائق البنيوية القائمة في المنظومة. إن هذا الأمر ضروري لنضالنا الاستراتيجي ضد الحصانة (التحصين من العقوبة). وفي واقع الأمر، فإن كل المعلومات التي نستخدمها في تقاريرنا ومرافعاتنا، تقريبا، ترتكز على حالات واقعية يتم فيها رد دعوانا من دون تفعيل عملية قانونية لائقة ومتوافقة مع المعايير الدولية.

تعتبر الآليات القضائية الدولية عادة، آليات ’استكمالية‘؛ بمعنى، أنه يتم الاستعانة بها لدى اتضاح كون الآليات القضائية المحلية مستنفذة وغير فعالة. مجددا، صحيح بأن التجربة الفلسطينية الموثقة جيدا تستطيع بسهولة إثبات كون المنظومة القضائية الإسرائيلية قد استنفدت فيما يتعلق بحقوق الإنسان الفلسطيني، إلا أن التفعيل المستمر للمنظومة القضائية الإسرائيلية يمنح الميزان حجة أقوى لإثبات عدم قدرة إسرائيل على إحداث إصلاحات. إن السعي المستمر إلى المضي في مسارات الاعتراض القانونية التي توفرها إسرائيل يضفي مصداقية على استخدام الآليات الدولية التي قد تتمكن بنجاح من مقاضاة اسرائيل مستقبلا. ففي خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن الإشارة إلى بعض من أكثر الأمثلة نجاحا على تطبيق مبدأ التشريع الدولي على إسرائيل، وقد كنا قادرين، من خلالها، على الإثبات لمحكمة في دولة طرف ثالث بأن الفلسطينيين قد جربوا كل وسيلة ممكنة في إسرائيل أولا، وبأن كل المحاولات من هذا القبيل قد فشلت في تحقيق العدالة.

يتمحور الدفاع الإسرائيلي الأساسي عادة لدى قيام الفلسطينيين بمقاضاتها أمام المؤسسات العدلية الدولية في توليفة "الحرب": يستخدم الفلسطينيين القانون لمهاجمة إسرائيل بشكل غير مبرر. ورغم أن هذه الحجة لا تستطيع أن تنجح في المرور في أقل الاختبارات جدية، فإنها لا تلقى قبولا في العديد من الآذان. إن الميزان تكون راضية، في الواقع، إن قامت المنظومة القضائية الإسرائيلية نفسها بالتحقيق جديا في الانتهاكات، وبتقديم المنتهكين الذين يتم تشخيصهم للملاحقة القضائية وإصلاح الحال بما يتعلق بضحايا الأفعال الإجرامية. ففي هذه الحالة، لن تكون هنالك حاجة للبحث عن العدالة في مكان آخر. تقوم الميزان، عبر مواصلة تفعيل المنظومة القضائية الإسرائيلية، بإثبات كون هذه المنظومة مصممة لمنع تحقيق العدالة، وبذا فإننا نقوي موقفنا ونتمكن، بذا، من مواصلة دفاعنا عبر العالم.

وأخيرا، إن تحدي المنظومة القضائية الإسرائيلية عبر تفعيل القضايا يمكن أن يسهم في لجم الانتهاكات. فقد أشار الإعلام الإسرائيلي مرارا إلى قلق القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين في أعقاب التدخلات القانونية. ويبذل الجيش الإسرائيلي جهودا للادعاء بأنه يعمل وفقا للقانون الدولي. وفي الوقت الذي يتم فيه إثبات خطأ هذه المقولة بالنظر إلى تكرار الانتهاكات، فإن ادعاءاتهم بالـ "قانونية" المبنية على القانون الدولي يخلق فرصا لإظهار التناقضات المضحكة أمام محكمة دولية كما تبدّى في قرار محكمة العدل الدولية بأنه لا علاقة جدية بين الجدار وبين "الأمن". وأخيرا، فإننا نظهر بأن الفلسطينيين سيكونون محميين بشكل أفضل إن تم الالتزام بالقوانين الدولية؛ وهو المسعى الاستراتيجي لمؤسسات حقوق الإنسان.

إن الاعتراضات القانونية التي تقوم بها الميزان ومنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية الأخرى لم تتمكن من إحقاق أي من حقوق الضحايا الفلسطينيين للانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. بيد أنه هنالك ميزة للنقاش حول إعادة النظر في محاولة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية أمام المنظومة الإسرائيلية غير الفعالة. ومع ذلك، فإن التعامل مع النظام القانوني الإسرائيلي ينتج فوائد تكتيكية يمكن أن تسهم في تعزيز مكافحة الإفلات الإسرائيلي من العقاب وفي حماية الفلسطينيين.

* هذا المقال ترجمة للنسخة الأصلية المنشورة بالانجليزية في مجلة المجدل على الرابط:

**محمود أبو رحمة: مدير العلاقات الدولية في مركز الميزان لحقوق الإنسان- غزة.

الهوامش:


[i]العملية العسكرية الإسرائيلية التي وقعت ما بين 27 كانون أول 2008 و 17 كانون ثاني 2009. لمزيد من التفاصيل حول عواقب الخروقات التي مارستها قوات الاحتلال الاسرائيلي تجاه القانون الدولي خلال هذه العملية أنظر إلى الرابط http://www.mezan.org/upload/8941.pdf

[ii]أنظر، على سبيل المثال، البيان الصحفي المشترك بخصوص الإغلاق الفج للتحقيقات في الجرائم المرتكبة على يد المدعي العام للجيش الإسرائيلي على الرابط http://www.mezan.org/en/details.php?id=9683&ddname=Crimes&id_dept=31&id2=9&p=centerوإلى الإعلان الصحفي بخصوص تعويض عائلة في غزة http://www.mezan.org/en/details.php?id=16366&ddname=court&id_dept=9&p=center؛ وفي إعلان ملقة الذي التقى فيه عدد كبير من المنظمات غير الحكومية على عقم البحث عن العدالة في إسرائيل.

[iii]بهدف توضيح مقصدنا من الـ ’عملية‘، فإننا نرغب بتقديم مثال، إذا قام شخص تعرض لممارسة من الجيش الإسرائيلي تنتهك القانون الدولي، فإنه ينبغي توثيق الحالة بعناية بهدف إحقاق الحقيقة وبناء ملف يشتمل على أدلة. بعد إنجاز ذلك، يتم إخطار وزارة الدفاع الإسرائيلية في ظرف زمني لا يزيد عن 60 يوما من تاريخ الاعتداء. إن رفع هذا الاخطار بنجاح يتيح للضحية أن يتقدم بدعوى مدنية للتعويض عن الأضرار خلال عامين. وبالتوازي، يتم تحرير ورفع شكوى إلى المدعي العام العسكري الإسرائيلي للمطالبة بتحقيق جنائي في الحالة. ويمكن تقديم التماس ضد قرار المدعي العام العسكري إلى المحكمة العليا الاسرائيلية. وفي حالات معينة، يتم رفع قضايا مدنية باسم الضحية بهدف معالجتها. من تجربتنا في هذا المجال، فإن المدعي العام العسكري الاسرائيلي نادرا ما يقوم بالتحقيق في الحالات بشكل مناسب. وتميل المحاكم إلى رد الدعاوى المدنية بسرعة وبدون تنفيذ عملية قانونية منصفة.