تجارب بناء قرى العودة على الأراضي المصادرة أو المهددة بالمصادرة: عين حجلة نموذجاً

قرية عين ديرحجلة، أريحا، شباط ٢٠١٤ (تصوير: سامر نزال) قرية عين ديرحجلة، أريحا، شباط ٢٠١٤ (تصوير: سامر نزال)

إعداد: اللجنة التنسيقية للمقاومة الشعبية

تقديــــــــــــم

أعلن مئات الفلسطينيين بتاريخ 31 من كانون الثاني عن مبادرة لإعمار قرية "عين حجلة" على أراضي الكنيسة التابعة لدير حجلة في منطقة الأغوار الفلسطينية. وجاءت فعالية المقاومة الشعبية وإقامة القرية لتناهض القرارات الإسرائيلية بتهويد وضم الأغوار من قبل الكيان الإسرائيلي. وأعلن المشاركون في يومهم الأول تمسكهم التام بكامل الأرض الفلسطينية المحتلة ورفضهم لخطة الإطار "خطة كيري" والقائمة على إقامة دولة فلسطينية ممسوخة يتضمنها الاعتراف بيهودية الكيان الإسرائيلي الهادفة إلى تحويل الفلسطينيين- أصحاب الحق في الوجود على الأراضي المحتلة عام 1948- إلى سكان وزائرين بالإمكان ترحيلهم في كل وقت. وأكد المشاركون على وحدة شعبنا الفلسطيني ونضاله أينما تواجد.

ووجه المتواجدون في القرية دعوة لبقية الشعب الفلسطيني نصت على التالي: "نحن بنات وأبناء قرية عين حجلة ندعو أبناء شعبنا للانضمام والمشاركة بإعمار هذه القرية، لنحافظ ونتمسك بحقوقنا وتاريخنا وتراثنا وعروبة أرضنا، فكونوا يا بنات وأبناء فلسطين ملحا لهذه الأرض مصلحين لها وثابتين عليها". ومنذ إصدار الدعوة في اليوم الأول انطلقت مجموعات شبابية ونشطاء عدة إلى القرية ليكونوا جزءا من هذا العمل الفلسطيني.

تمكن أهالي القرية من المشاركين فيها من الصمود والبقاء في القرية لسبعة أيام تخللها العديد من التفاصيل اليومية لحياة قرية فلسطينية. كان الاحتلال الإسرائيلي متواجدا على مشارف القرية باستمرار لمنع دخول الأغطية والطعام والشراب إلى القرية، ولكن أهالي القرية كانوا للاحتلال بالمرصاد ينطلقون بمجموعة واحدة نحو مشارف القرية لاسترجاع كل ما تمت مصادرته وتحرير من اعتقل في القرية وتشكيل سلسلة بشرية تتصدى لمحاولات الاحتلال اقتحام القرية بشكل يومي.

تبدد القلق من اقتحام القرية وإخلائها بعد اليوم الثالث، وشكل أهالي القرية فرقا تختص بمهات مختلفة لتسيير الأمور الحياتية في القرية. فتشكل فريق للحماية والسهر الليلي للعناية بامر أمان وحماية القرية من مداهمات الجيش الليلية، وفريق آخر لإدارة اللوجستيات وتوزيع الطعام والشراب على أهالي القرية. كما وتشكل فريق لتنسيق الأنشطة اليومية للقرية من زراعة الأشجار واستصلاح للأرض وأنشطة تثقيفية وحوارية وموسيقية تبدد برد الأغوار الليلي مع شاي يصنع على نار الحطب. وبالإضافة إلى الفرق المتشكلة من أهالي القرية فقد قدم أهالي الأغوار وأريحا دعما كبيرا في كسر الحصار وإيصال الطعام والماء لأهالي القرية المحاصرين عبر الطرق الفرعية الواصلة للقرية.

في اليوم السابع في القرية ازداد أهاليها وساكنوها، وكان من المتوقع زيارة الآلاف للقرية اثر الدعوة لإقامة صلاة الجمعة في القرية بتاريخ 7 شباط والدعوة لإقامة القداس يوم الأحد 9 شباط، ولكن الاحتلال استبق الحدث، فبدد هذا الوجود الفلسطيني القوي في الأغوار فلم يكتفِ بحصار القرية؛ بل قام بإخلاء كل من فيها بعنف وهمجية. أدت عملية الاخلاء إلى إصابة ما يقارب 40 شخص من أهالي القرية بما فيهم الصحافة والطواقم الطبية التي تواجدت في القرية وقت الإخلاء.

هكذا قضى الاحتلال على تواجد قرية عين حجلة في الأغوار وأعلنها منطقة عسكرية مغلقة لمدة شهر، ولكنه لم يقض على الفكرة والحالة التي عاشها أبناء القرية في عين حجلة فتحولت الحالة إلى انتماء وإرادة بالعودة، فبدأت قرى وفعاليات مشابهة تتبلور لتنتشر بذلك إلى كل المدن والقرى الفلسطينية، ولتشكل بذلك وصلة نحو التحرر من قيود الاحتلال وقمعه اليومي للشعب الفلسطيني.

آراء أهالي عين حجلة بالقرية وفكرتها:

الناشطة ديانا الزير:
تواجدنا في عين حجلة بهدف إقامة القرية، والجهود التي بذلها كافة النشطاء- ومن أعتبرهم أهلا للقرية - كان تواجدا مميزا للمقاومة الشعبية في الأغوار الفلسطينية، وتأكيداً على عروبة أرض فلسطين. تعتبر فعالية إقامة وإحياء قرية عين حجلة حجراً أساسيا في عمل المقاومة الشعبية في الأغوار الفلسطينية على وجه التحديد، خصوصا في ظل الأنظمة العنصرية التي يفرضها الكيان الإسرائيلي من تهويد للأرض وإمكانية ضم الأغوار.
أهالي القرية كانوا من الشباب والكبار والنساء والأطفال، جاءوا من كل أنحاء فلسطين ليؤكدوا على صمود كل فلسطيني أينما تواجد. فقد عشنا في عين حجلة كأبناء قرية واحدة متعاونين ومتفقين على هدفنا في الدفاع عن فلسطين وشعبها بوجه الاحتلال ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي.
الحالة التي شكلتها عين حجلة كانت بمثابة الانطلاق من مرحلة البقاء على قيد الحياة التي يعيشها الشعب الفلسطيني إلى مرحلة المواجهة اليومية والمبادرة إلى طرق جديدة في المقاومة الشعبية، وبذلك تحول العمل من فعاليات بمستوى ردود للأفعال إلى فعاليات مبادرة ترتبط بالواقع وتواجه الاحتلال الإسرائيلي وعنجهيته بتفاصيل حياتنا اليومية. وربما صمود أهالي القرية في عين حجلة شكل لدينا شعورا بالانتصار والانتماء إلى ما هو أكبر من قطعة أرض، ذلك الانتماء المتشكل بعد مقارعة يومية للاحتلال ليتحول ابن الفصيل والحزب أو المستقل وابن المدينة والقرية والمخيم إلى أهالي قرية واحدة يتشاركون طعامهم وشرابهم وإرادتهم في البقاء داخل القرية. وربما جاء إخلاء القرية من قبل قوات الاحتلال بشكل مفاجئ وعنيف، ولكنه أعادنا جميعا إلى واقعنا الأقوى، واقع الاحتلال، ذلك الواقع الذي يتطلب قيام استراتيجيات جديدة للمقاومة الشعبية لنرفع من خلالها سقف العمل الشعبي ليكون أسلوب حياة لدى الفلسطيني والفلسطينية أينما تواجدوا دون أن يقتصر على مجموعة شبابية أو فصيل سياسي أو منطقة جغرافية معينة.
ولعل تجربة عين حجلة لا تقارن بنكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 من حيث المعاناة والتشريد، ولكنها تحمل نفس المعاني والنتائج، فنكبتنا كشعب لم تتوقف ولن تتوقف إلا بعودة اللاجئين وتحرير الأرض الكاملة.

الناشط يوسف شرقاوي:

حقق المتواجدون في قرية عين حجلة نجاحاً لا بأس به، وهو بأن الفلسطيني قادر على التسلل إلى أي موقع والثبات والصمود فيه كنخب، ولكن النخب في المقاومة الشعبية تعتبر سلاحا ذا حدين: فالتجربة قد تنجح في بدايتها، ولكن دون التفاف جماهيري حول التجربة قد يؤدي إلى فشلها. وعليه يكون ثبات المقاومة الشعبية في الشارع رهن بمستوى الإيمان التام لدى المشاركين بانتزاع الحق الفلسطيني من خلال المقاومة، وهذا الإيمان بالمقاومة يأتي نتيجة تراكمات ثقافية عليها أن تترسخ في ذهن النشطاء. وهذه الثقافة لا تأتي إلا نتيجة وضع استراتيجيات عمل وتحالف اوسع في الشارع الفلسطيني، والتي تهدف إلى تعميم المقاومة الشعبية من خلال قيادة ميدانية لها خبرة في التعامل مع الاحتلال وجها لوجه. وعلى القيادة المتواجدة في فعاليات المقاومة الشعبية الابتعاد وعدم الإفراط في الظهور الإعلامي والتركيز على بناء خلايا مقاومة شعبية في الأماكن المختلفة لتجابه تفكير العدو وأهدافه بطريقة صائبة لإفشال كل ما يطمح اليه.
الناشط رجائي أبو خليل:
عين حجلة كانت وبشكل مصغر وأقل تعقيدا مثالا للقضية الفلسطينية بعيدا عن رؤية بعض القادة السياسيين وفقاعة اوسلو ودولة المؤسسات الوهمية، والتي غيبت القضايا الأساسية للشعب الفلسطيني وأهمها قضية اللاجئين.
أولا، فكرة إعادة إعمار قرية فلسطينية في الأغوار عزز لدينا روح الإنسانية والعمل الوطني سوياً. أهدافنا في القرية كانت واضحة، وهي فلسطين بعيدة عن المكاسب والطموحات السياسية الشخصية. التواصل والتعاون الذي شعرنا به في عين حجلة بين فئات شبابية مختلفة يحملون مضامين وخلفيات سياسية متعددة، وضعنا جميعا في مكان واحد ومواجهة واحدة ضد الاحتلال. فمثلاً الاحتكاك المباشر مع الاحتلال والانتصارات الرمزية الصغيرة التي كان يحققها من في القرية كانت حاجة ضرورية وحيوية وفكرتها واضحة بوضع الاحتلال في المواجهة، والتي هي جزء أساسي من الطريق للتحرير.
عين حجلة عملت بشكل أساسي على إيصال رسالة صمود ومقاومة فلسطينية، فنحن لن نسمح بتهويد الأغوار أو غيرها من أراضينا، فالكلمة الأخيرة تعود للشارع الفلسطيني ومطلبه المتمسك بالأرض. شعرنا بانتماء كبير لعين حجلة وكأننا لاجئين هجرنا منها وقت إخلاء القرية. مثال عين حجلة صغير بالمقارنة بمعاناة الشعب الفلسطيني، ولكنها مثلت لنا حالة مصغرة عما يحدث من معاناة ووحدة في الصمود والتمسك بالأرض والحقوق.
الناشط ورد دريدي:
ذهبنا إلى عين حجلة في الأغوار الفلسطينية لنرسل رسالة للعالم أجمع بأننا كفلسطينيين أصحاب حق في هذه الأرض وفي اعمارها. والاعتداءات التعسفية التي تلقاها المبادرون من أهالي قرية عين حجلة من قبل الاحتلال لا تدل إلا على عجز الاحتلال أمام إرادة الشباب القوية.
الناشط محمود زواهرة:
عين حجله هي الطريق نحو الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الثالثة والتي ستؤدي إلى نيل الشعب الفلسطيني حقوقه من جهة، وإنهاء الاحتلال من جهة أخرى. أعطت قرية عين حجلة من تواجدوا فيها سويا لمدة أسبوع أجواء وحدة وطنية حقيقية بعيدا عن المناكفات السياسية. فكانت عين حجلة الفرصة للتشبيك مع الأحزاب السياسية والجامعات والمجموعات الشبابية المختلفة. وكانت الطريق الأقصر لإقناع الناس بالمقاومة الشعبية وفاعليتها. عين حجلة هي المفتاح للانتفاضة الثالثة وعنوان تحد وصمود آخر في سلسة الصمود الفلسطيني.
النشاط سامر نزال- صحفي
برأيي قرية عين حجلة نجحت في إيصال رسالتها بشكل فعال للعالم بأن الأغوار أراض فلسطينية وبأن الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه وعلى المستوى الرسمي والشعبي لن يقبل بأي حلول تتضمن التنازل عنها لصالح الاحتلال. التوقيت الذي اقيمت فيه الفعالية كان مهما؛ خاصة في الوقت الذي يطرح فيه ما يسمى باتفاق الإطار وإمكانية ضم الأغوار وذلك في ظل استمرار عمليات التهجير و الهدم بحق سكان الأغوار الفلسطينيين يومياً بحجة التدريبات العسكرية او لصالح الاستيطان الذي لم يتوقف رغم كل مساعي السلام المزعومة .
الناشط كرم سليم:
عندما شاركنا بفعالية عين حجلة لم نكن نتوقع البقاء في الأرض لأكثر من يومين، وكنا نعلم بأن الاحتلال لن يتركنا؛ بل سيحاول تضييق فكرة البقاء علينا قدر الإمكان. وبعد أن تمكنا من البقاء في القرية لأكثر من ثلاثة أيام بدأت تتشكل لدينا مشاعر انتماء للقرية. كلنا شعرنا بأن عين حجلة هي قريتنا وعندما كان الاحتلال يقوم باعتقال أحد من القرية أو مصادرة الماء والطعام من القادمين كنا جميعا نهرع للنجدة والدفاع عن مصلحة من في القرية. أحسسنا بأننا جميعا ننتمي لهذه القرية؛ وتواجدنا سويا أعطانا القوة والتحدي والمعرفة بأننا وبإرادتنا نستطيع صنع المستحيل. علمنا بأنه بإمكاننا فتح الحواجز بعدد صغير من المشاركين، وبإمكاننا التصدي وتحدي الاحتلال وفرض ما نريد.
كلنا في عين حجلة كنا يدا واحدة ضد الاحتلال، وإن شاء الله سنعود للقرية " ولكن بدون قلاية بندورة وحمص".
الناشطة مريم برغوثي:
تمكنت قرية عين حجلة من تجميع الفلسطينيين من كافة أنحاء فلسطين التاريخية لتصبح رمزا للوحدة والقضية، ولهذا سنعود للقرية دون اكتراث لمحتل ومستعمر وسنعمل على فرض حقنا في كل أراضي فلسطين كافة كما فعلنا في عين حجلة ولعلها تكون خطوة أولى في سبيل عودة جميع الفلسطينيين إلى أراضيهم المسلوبة