الأرض والثقافة الوطنية

أراضي قرية الخضر، جنوب بيت لحم، آذار ٢٠١٣ (©مركز بديل) أراضي قرية الخضر، جنوب بيت لحم، آذار ٢٠١٣ (©مركز بديل)

بقلم: عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل)*

شكّلت الحربُ العالميةُ الثانيةُ، رغم مآسيها، وقفَ الاستعمار المباشر، وإشارةً لبداية نهاية القائم منه، فصارت الشعوبُ المستعمرة تستقل شعبا إثر آخر. وكانت فلسطين هي الاستثناء الوحيد، حيث استلمها الاستعمارُ البريطاني من الاستعمار التركي، وسلمها للاستعمار الصهيوني متعدد الجنسيات.
ونظرا لتوقّف الاستعمار المباشر، لم تعد الأرض من أهداف الحروب إلا إذا كانت الحربُ حربَ حدود (توسع هنا او هناكأي صارت الأرض هي مجال الحرب والصراع وليست هدفهما؛ وكانت فلسطين أيضا هي الاستثناء. فالأرض هنا هي أساس الصراع، وهي هدفه ومجاله منذ انطلقت الحركة الصهيونية، بل منذ إرهاصاتها الأولى (في ذروة الاستعمار العالمي في بداية القرن التاسع عشر) وحتى يوم أمس. فالقضية الفلسطينية هي قضية الأرض، فالعدوان هو لاغتصاب الأرض، والدفاع هو للاحتفاظ بها؛ وعندما وقع الاحتلال كانت المقاومة لاستردادها.

الأرض في اللغة العربية وفي ثقافة الفلسطينيين

الأرض في اللغة العربية هي الكوكب الذي نعيش عليه، وهي عكس السماء. ولم تُستعمل في الأدب العربي القديم ولا في القرآن الكريم إلا بهذا المعنى. "والأرض بعد ذلك دحاها" (النازعات 30)، "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة..." (البقرة30أو بمعنى اسم جنس "قال أنه يقول بقرة لا ذلول تثير الأرض..." (البقرة71)، "كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها..." (الروم9)، "...ولا تعثوا في الأرض مفسدين" (البقرة 60)، "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها. ..." (البقرة 205)، "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغَما كثيراً وسعة. .." (النساء 010).
ومن الجدير بالإشارة إليه هنا أن الآلهة في الديانات الوثنية ترتبط بأرض محددة لا تبارحها حيث لا تُعبد إلا هناك. أما رب العالمين في الإسلام فهو رب الكون ومنه الأرض بعامتها، وهو في كل مكان ويُـعبد في كل مكان.
والأرض بمعنى الوطن، في الأدب العربي، يحل محلها مفهومان وهما: "الديار" أو "الحياض". والديار هي جمع دار وهي محل السكن، أما الحياض فهي جمع حوض وهو مجتمع الماء سواء كان سطحياً أو عميقاً. وهذا أمر طبيعي، فرغم أن الإسلام منذ فجر الدعوة انتصر للقوى الحضرية التي كانت تقاوم النمط الرعوي في المعيشة والإنتاج، وسعى (توجيها وتشريعاً) لتحضير القوى البدوية (الأعرابية) التي لم يرها مؤهلة (أن بقيت على حالتها تلك) لتمثل قيم الرسالة الإسلامية، إلا أن الأعرابي بقي لا يهمه من الأرض (باعتباره غير مزارع) إلا الدار التي يسكنها، وحوض الماء الذي يرده فيشرب منه ويسقي أغنامه. وقد وردت الحياض بمعنى الوطن وافتخر الشعراء القدامى بـ"الذود عن الحياض". وتأثير هذه السيكلوجيا الرعوية ما زال ماثلاً حتى اليوم في شعراء العربية بإشهارهم سيوفهم للذود عن الحياض.
ومصطلح وطن لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة وبصيغة الجمع لتعني مواقع أو مجالات في قوله تعالى: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة. ..." (التوبة 25). ولم نعثر بمصطلح وطن بالمعنى الدارج حالياً عند أحد قبل الجاحظ (775-868) في كتابه البيان والتبيين حيث أشار إلى أهمية الأوطان، وفضيلة محبتها والتمسك بها مهما كان وضعها، وقدسية الدفاع عنها.
وفي اللهجة الفلسطينية يأتي مصطلح الأرض أو "الوطاة" ليعني المعنى العام والخاص، أي الأرض كاسم جنس وكملكية، سواء كانت خاصة أو مشاع للأسرة أو القبيلة أو القرية.
وكان العديد من الفلسطينيين، كأخوتهم في سوريا الكبرى، يتهرّبون من تسجيل الأرض باسمهم في الطابو العثماني ليتفادوا دفع الضرائب الباهظة التي لا قبل لهم بها. ولذلك بقيت مساحات شاسعة في فلسطين مشاعاً أو مسجلة باسم "مقطعجية" أو"ملتزمين" يقيمون في المدن الفلسطينية أو في بيروت أو دمشق، واكتفى أصحابها بحق الاستعمال.
ورغم ضعف السيكلوجيا الفردية بتملك الأرض آنذاك، فإن الذاكرة الشعبية الفلسطينية تحمل قداسة خاصة للأرض، فهم يعتقدون أن أرض فلسطين مقدسة لسببين: الأول لأن الله باركها دون غيرها فجعلها مهبط الرسل جميعاً ومسرى آخرهم (محمد صلى الله عليه وسلم) ومعراجه، فهي بوابة الأرض إلى السماء. والثاني لأنها مجبولة التربة بدم الشهداء المدافعين عنها (تاريخياً) ضد الغزاة منذ العبرانيين قبل الميلاد وحتى الإسرائيليين قبل أيام، ويعتقد الريفيون منهم أن ذلك هو سبب احمرار تربتها المسمّاة "سَمَكَة".
ومنذ بداية الهجرة الاستيطانية اليهودية في فلسطين تطور لدى الفلسطينيين مفهوم الأرض فصارت ثلاثية الأبعاد: جغرافي واقتصادي واجتماعي، كما لاحظ عادل يحيى.
ونما التمسك بأرضهم الخاصة وتقديسها، وشيئا فشيئا صاروا ينظرون لها كجزء من شرفهم، وأصبح التخلي عنه معيبا، وتداولوا مقولة، سرعان ما أصبحت من المقولات العامة جدا "الأرض كالعرض، تدنيسهما عار، والتخلي عنهما مذلة".

النشاط الصهيوني للاستيلاء على الأرض قبل الحرب
الحركة الصهيونية، إضافة إلى أنها حركة استعمارية احلالية عنصرية، هي أيضاً حركة شاذة. ووصفُها بالشاذة ليس إلا توصيفاً دقيقاً لواقعها. فالحركة الطبيعية (مهما كانت أيدلوجيتها وسياستها) هي حركة تنمو بين شعب يعيش على أرضه. أما الحركة الصهيونية فأنشئت لتحصل على أرض بوسائل مختلفة، لتهجّر إليها شعباً من بلاد مختلفة بطرق مختلفة. أي أن المسار الطبيعي هو أرض فشعب فحركة، أما المسار الصهيوني الشاذ فكان حركة فأرضاً فشعبا. والانقسام الطبقي كان شاذاً أيضاً، فالطبقة العاملة اليهودية الإسرائيلية (الصهيونية) كانت وليدة الفكرة، ففكرة الخلق سبقت الوجود بعكس نشوء الطبقات في أي بلد آخر حيث ظهرت الطبقة العاملة قبل الفكرة أو الإيدلوجيا.
تعلقت الطبقة العاملة في إسرائيل بفكرة الصهيونية والاستيطان، ولذلك كان حزب العمل الإسرائيلي هو قائد العدوان والاستيطان والتوسع، وكان الكيبوتس لا يقل عن الموشاف أو الموشافا تشدداً ضد العرب وتمسكاً بالصهيونية والعنصرية. فقد قامت الطبقة البرجوازية اليهودية بسلب الأرض، وقامت الطبقة العاملة اليهودية بسلب العمل، وتشعر الطبقتان معاً أن مصلحتهما مع الاحتلال.
وقد شدد دافيد بن غوريون على حصر العمل في المستوطنات اليهودية بالأيدي اليهودية، ويقول: "أن عملية امتلاك الأرض بالأموال لا تعتبر إنقاذاً بالمعنى القومي طالما الأرض لا تُستغل بأيدي اليهود، كما وأن انبعاث الشعب لا يمكن تصوره بدون عمل في الأرض..."؛ وقد ابتدع بن غوريون ما أسماه "دين العمل" لتحويل اليهود الى امة كغيرها من الأمم، وكما يقول "ارسكين شليدر" في كتابه "تهويد فلسطين" فإن "الاستيلاء على الأرض وطرد السكان ليس ناجماً عن طبع شرير عند اليهود، بل هو من مقتضيات إقامة الكيان الصهيوني الذي ما كان ليقوم إلا بأرض أكثر، وعرب أقل".
لقد كتب الزعيم الصهيوني "اوسيشكين" في عام 1904 "بدون حق ملكية الأرض لا تكون فلسطين يهودية أبداً، مهما كان عدد اليهود في المدن والقرى". ودستور الوكالة اليهودية ينص على أن "تُمتلك الأراضي كملك للشعب اليهودي، وتُسجل الأراضي المشتراة على اسم الصندوق القومي اليهودي، وتبقى مسجلة باسمه إلى الأبد كي تظل الأملاك ملكاً للأمة اليهودية غير قابلة للانتقال، ويؤجر الصندوق هذه الأرض إلى أمد طويل للأفراد اليهود. وإذا توفي المستأجر اليهودي ولم يكن وريثه يهوديا، فعلى الوارث أن ينقل حقوقه ليهودي، وإلا فيسترد الصندوق الأرض دون أن يكون للوارث حق الاعتراض". والحركة الصهيونية كما عرّفها بن غوريون "هي الاستيطان". ويقول فيصل الحسيني الأرض والسكان هما الهدفان التوأمان للحركة الصهيونية لخلق "حقائق" يهودية على الأرض الفلسطينية، ويرتكزان مباشرة على التهجير والاستيطان. والسياسة الصهيونية ما زالت تتصاعد حدتها حتى اليوم.
ولم تتغير طبيعة الصهيونية لا بعد قيام دولة إسرائيل (1948) ولا بعد توسعها (1967)، فهذا شمعون بيريز (حينما كان وزيرا للدفاع) يقول: "إن الحكومة الإسرائيلية ليست حكومة قانون فقط، بل هي حكومة استيطان أيضاً" (جريدة دافار الإسرائيلية 12/12/1975). أما الحاخام يوحنان فريد فيقول أن: "الاستيطان يعلو فوق القانون لأنه روح إسرائيل" (جريدة هآرتس الإسرائيلية 15/10/1974).
ورغم أن وعد بلفور وصك الانتداب كلفا بريطانيا بتوفير الظروف الملائمة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وقانونياً لإقامة الوطن القومي اليهودي، ورغم تعهد بريطانيا ببذل قصارى جهدها والتزامها بالتعاون مع الوكالة اليهودية في هذا المجال، إلا أن رئيس الأخيرة يقول عام 1919: "أنني أومن أن الدولة اليهودية ستقوم في فلسطين، ولكن ليس عبر التصاريح والمواقف السياسية بل عبر عرق ودماء الشعب اليهودي، وما القوانين والمواقف والتصاريح إلا مفاتيح ذهبية تسمح بتدفق ذلك العرق والدم إلى هذه الأرض". وأجمعت المنظمات الصهيونية المسلحة الثلاث (هاجاناه وإتسل وليحي) على "أن دولة إسرائيل ستقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة، وهي: الهجرة والاستيطان ونمو القدرة العسكرية، وإذا ما حاولت سلطات الانتداب البريطاني التعرّض لأي من هذه الأعمدة، حينذاك فقط، يجب التصدّي لهذه المحاولة". ويرى بعضُ المفكرين أن هتلر اكبر عدو لليهود في التاريخ، كان أعظم (دون وعي أو قصد) نصير لإسرائيل، حيث ساعد اضطهادُه لليهود على تحوّل تردد اليهود الغربيين المترددين إلى تأييد للحركة الصهيونية؛ أما يهود المانيا والبلدان الأوروبية التي كانت عرضة للاحتلال الالماني فقد تدافعوا للهجرة الى فلسطين، وساعدت كلُّ الدول الأوروبية على ذلك، وخاصة بريطانيا.
واعتبر العديدُ من الدارسين أن الفضل في قيام إسرائيل بحدود هدنة عام 1949 يرجع الى ثلاثة عوامل: سياسة الانتداب البريطاني المحابية للصهيونية والملتزمة بوعد بلفور، والدعم الأمريكي المالي والإعلامي والسياسي بعد الحرب العالمية الثانية، والمجازر الدموية التي ارتكبتها القوات العسكرية اليهودية في بعض القرى الفلسطينية؛ فهذه الفواعل الثلاث عملت على تهجير الفلسطينيين خارج فلسطين، واحلال اليهود محلهم، والسيطرة على الأرض. وكأن وليام بيل (المندوب الأمريكي الخاص في مصر)، في تقريره عام1850، كان يستقرئ المستقبل حين قال: "إن إقامة كومنولث يهودي في فلسطين تنسجم مع المصالح الحيوية الأمريكية، لأن كومنولثا يهودياً في فلسطين سوف يتطور ليصبح مركزاً أمامياً للأمركة في الشرق" .

النشاط الفلسطيني للحفاظ على الأرض
يؤكد العديد من الباحثين، ومنهم بعض المؤرخين الإسرائيليين الجدد ان الحقيقة ليست كما تزعم الأدبيات الصهيونية. فقد قاوم الفلسطينيون الاستيطان واستملاك الأراضي والتهجير منذ بدأت ملامحه. ففي عام 1910 وعام 1920 قاوموا بيع الأراضي للمؤسسات اليهودية رغم ان البيع كان بدون علمهم من قبل عائلة سرسق التي لم ير الفلاحون أفرادها. لقد قاوم الفلاحون آنذاك طردهم من الأرض اكثر من مقاومتهم بيعها لأنهم أصلا لا يملكونها. ومقاومة الشعب الفلسطيني للهجرة اليهودية والاستيطان سبقت تاسيس الحركة الصهيونية، ولكنها تصاعدت و تجذرت بعدها. ففي عام 1891 أرسل عدد من وجهاء البلاد برقية بتوقيعهم من القدس الى اسطنبول تطالب السلطات العثمانية بمنع اليهود الروس من دخول فلسطين وحصولهم على الأراضي. وفي عام 1908 هاجم الفلاحون المستوطنين في منطقة طبرية، وأرسل وجهاء المدن الفلسطينية المختلفة برقيات احتجاج الى الصدر الأعظم (رئيس الوزراءوكتبت الصحف (وخاصة نجيب نصار في جريدة الكرمل) مقالات تندد بالحركة الصهيونية وتدين تساهل السلطات الرسمية معها، و تحذّر من عواقب استيطانها .
وفي 1910 تصاعد النشاط الفلسطيني ضد الاستيطان والهجرة وخاصة اثر بيع الثري البيروتي اميل سرسق أراض واسعة قرب طبرية. وازداد القلق الفلسطيني من الاستيطان اليهودي بعد الاحتلال الانجليزي نظرا لما لاحظوه من ممالأة بريطانيا للصهيونية من وعد بلفور إلى صك الانتداب مرورا بتعيين هربرت صوموئيل مندوبا ساميا. فتطورت نشاطات الفلسطينيين لمنع الاستيطان وبيع الأراضي والهجرة.
و قد استخدم الفلاحون وفقراء المدن العنف ضد المستوطنين اليهود، أما النخبة فتنادت عام 1920 لتشكيل اللجنة التنفيذية لتوحيد الجهود السياسية السلمية للتأثير في السياسة البريطانية لوقف دعمها للحركة الصهيونية. واكدت اللجنة التنفيذية على رفضها المطلق لفكرة الوطن القومي اليهودي، وأدانت تبني بريطانيا له وما ترتب على ذلك من سياسات وإجراءات. وفي عام 1923 عرضت حكومة بريطانيا على اللجنة التنفيذية تشكيل "وكالة عربية" تعترف بها بريطانيا على غرار الوكالة اليهودية. ولكن، وبما أن الحكومة البريطانية ستستشير الوكالة العربية فيما يخص المشاريع الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالوسط العربي فقط، اما فيما يخص الهجرة اليهودية والاستيطان فالوكالة اليهودية هي المعاون والمستشار، فقد رفضتها اللجنة التنفيذية عندما عُرضت عليها لان الأولوية لديها هي لوقف الهجرة اليهودية وليس للمشاريع الاقتصادية والاجتماعية. وقال رئيس اللجنة موسى كاظم الحسيني "نحن غير معنيين (الان) بنوع ومستوى المجتمع الذي سنبنيه، إنما نحن معنيون بحماية الأرض التي سنبني عليها مجتمعنا" .
وفي تلك الفترة، انقسم الفلسطينيون إلى ثلاث تيارات ذات هدف واحد وهو منع الهجرة اليهودية والاستيطان: التيار الأول يرى أن السبيل إلى ذلك هو المقاومة العنيفة ضد الانتداب البريطاني والمؤسسات الصهيونية وخاصة ذات العلاقة بالهجرة والاستيطان. وكان الفلاحون وفقراء المدن هم أنصار هذا التيار. أما التيار الثاني فكان يرى أن السبيل السياسي هو الأنجع، و يتمثل هذا الأسلوب بالضغط السياسي والشعبي السلمي على بريطانيا لتغير سياستها المحابية لليهود. وأنصار هذا التيار وقادته هم "الافندية" الوطنيون، اي أبناء الطبقة الارستقراطية والملاك الكبار، و يمثلهم المجلسيون (أنصار المجلس الإسلامي الأعلىوكانت قيادة هذا التيار لموسى كاظم الحسيني ثم من بعده للحاج أمين الحسيني.
اما التيار الثالث، فيرى انه لا سبيل لتغيير سياسة بريطانيا بالمعارضة والضغط ، والسبيل الأنجع لذلك التغيير هو التعاون مع السلطات البريطانية والتفاهم معها وإقناعها ان مصلحة بريطانيا مع العرب وليس مع اليهود. وأصحاب هذا التيار هم البرجوازيون والتجار ووكلاء الشركات (الكومبرادور) بزعامة راغب النشاشيبي. وما زالت هذه التيارات الثلاث في فلسطين، ولكن بخصوص العلاقة مع أمريكا باعتبار أنها حلت محل بريطانيا.
وفي عام 1929، انفلتت زمام الأمور من النخبة، واندلعت انتفاضة آب في كل من القدس وحيفا ويافا وصفد والخليل، وأُطلق عليها في حينها "هبة البراقواعتبرتها الأدبيات الماركسية "هبة الفلاحين". وكانت حصيلة تلك الانتفاضة 133 قتيلا من اليهود و116 شهيدا من الفلسطينيين، وسقط عدد كثير من الجرحى من الطرفين ومن قوات الأمن البريطانية .
وكانت حركة عز الدين القسام (1934) أول حركة فلسطينية آمنت بالعنف لا ضد اليهود فقط بل وضد الانجليز باعتبارهم محتلين ومتواطئين مع اليهود. وتطور هذا الوضع ليُتوج بالثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) التي خاضت كفاحا مسلحا ضد المستوطنين والمهاجرين وضد السلطات البريطانية وكل من يسهل انتقال الأراضي لليهود بشكل رسمي او شخصياجنبيا كان ام عربيا.
ولتهدئة الأوضاع، أصدرت بريطانيا (1939) مذكرة سُميت بالكتاب الأبيض، كان اهم ما في تلك المذكرة تقييد هجرة اليهود وانتقال الأراضي لهم.
ورغم انهيار الثورة وتشتت قادتها وإعدام بعضهم إلا أن النشاط الفلسطيني تواصلَ ضد الاستيطان والهجرة، وضد القوات الصهيونية المسلحة شبه الرسمية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تشكّل منعطف جديد للنشاط الصهيوني وللنشاط الفلسطيني في مسألة استقدام المهاجرين والاستيلاء على الأرض للطرف الأول، والتمسك بالأرض للطرف الثاني.
حتى نيسان 1947، كان ميزان القوى متعادلاً أو مائلاً نحو العرب حول مسألة الهجرة والأرض. رغم احتضان الانتداب البريطاني للحركة الصهيونية، ورغم الدعم الأمريكي المطلق للنشاطات الصهيونية المختلفة، فلم تستطع الحركة الصهيونية أن تمتلك إلا 6% من الأرض، ولم تستطع أن تُدخل من اليهود إلى فلسطين أكثر من 33% من سكانها.
كان الواقع هكذا لأن وسائل الصهيونية لامتلاك الأرض واستقدام المهاجرين كانت التحايل والإغراء بالمال، وقد استطاع الفلسطينيون الصمود النسبي أمام تلك الوسائل. أما بعد ان قررت بريطانيا إنهاء انتدابها، وبدأت بعرض القضية على الأمم المتحدة (نيسان 1947) لجأت الحركة الصهيونية للعنف، للقوة العسكرية التي لم يستطع الفلسطينيون الصمود أمامها لعدة عوامل، وأهمها انعدام السلاح والذخيرة، والافتقار للخبرة، وقلة الدعم. يضاف إلى ذلك تآمر الدول العربية وخاصة المجاورة منها.
----------------
* عبد الفتاح القلقيلي (ابو نائل): كاتب وباحث فلسطيني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في م.ت.ف، وعضو الهيئة العامة لمركز بديل.
---------------

المراجع

المراجع العربية

1-القلقيلي، عبد الفتاح (2004) الأرض في ذاكرة الفلسطينيين إصدار شمل-مركزاللاجئين والشتات الفلسطيني – رام الله
2- يحيى، عادل (1998) اللاجئون الفلسطينيون 1948-1998 (تاريخ شفوي) . البيرة: المؤسسة الفلسطينية للتبادل الثقافي.
3- اونج، والتر. ج (1994) الشفاهية والكتابية. الكويت: سلسلة عالم المعرفة . شباط، رقم182. ترجمة حسن البنا عز الدين.
4- الأنصاري، محمد جابر(1999) التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام. القاهرة: دار الشروق. الطبعة الثانية.
5- المسيري، عبد الوهاب (1999) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . القاهرة: دار الشروق. الطبعة الأولى. المجلد 7.
6- بحيري، مروان (1983) الحركة الصهيونية منذ نشأتها حتى نشوب الحرب العالمية الأولى. دراسات عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني. بغداد: اتحاد الجامعات العربية. المجلد الخامس.
7- محارب، عبد الحفيظ (1973) "سياسة العمل العبري بين الأمس واليوم" شؤون فلسطينية. آب، العدد 24.
8- قهوجي، حبيب (1978) استراتيجية الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة. دمشق: إصدار منشورات الطلائع (دائرة الإعلام) بالتعاون مع مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية. الطبعة الأولى.
9- المسيري، عبد الوهاب (2001) الصهيونية والعنف . القاهرة: دار الشروق . الطبعة الأولى.
10- جمعية الدراسات العربية (1997) القدس: مركز أبحاث الأراضي. تشرين أول.
11- صالح، محمد حسن (1971) "أوراق بيل الأمريكية والصراع حول فلسطين" . شؤون فلسطينية. تموز، العدد3.
12- الكيالي، عبد الوهاب (1999) تاريخ فلسطين الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الحادية عشرة.
13- مازروي، علي الأمين (2006) قوة الثقافة في السياسة الدولية، تعريب زيد أبو العلا، الطبعة الاولى، مطبعة الامل- غزة.
14- محارب، عبد الحفيظ (1981) التنظيمات الصهيونية المسلحة (1937- 1948)، مركز الابحاث التابع لمنظة التحرير الفلسطينية- بيروت، الطبعة الاولى.
15- البديري، هند (1998)أراضي فلسطين : بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ. القاهرة : منشورات جامعة الدول العربية.
16- رشيد، فايز (1997) تزوير التاريخ . في الرد على كتاب نتنياهو "مكان تحت الشمس". عمان. أيار، الطبعة الأولى.
17- السفري، عيسى (1937) فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية. يافا: مكتبة فلسطين الجديدة.
18- صالح، حسن عبد القادر(1990) " الأوضاع الديموغرافية للشعب الفلسطيني". الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني. المجلد الأول.
19- ضاهر، مسعود(1980) "ملكية الأرض الفلسطينية أبان الانتداب البريطاني" . قضايا عربية. تشرين الثاني.
20- حنفي،ساري(2001)هنا وهناك.نحو تحليل للعلاقات بين الشتات الفلسطيني والمركز. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية "مواطن" ومؤسسة الدراسات المقدسية.
21- فرسون، سميح؛ ترجمة عطا عبد الوهاب (2003) فلسطين والفلسطينيون. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. نيسان.
22- القلقيلي، نائلة (2003) "صيرورة المؤسسة السياسية الوطنية الفلسطينية" من اللجنة إلى الدولة. أطروحة دكتوراه في الأكاديمية الدبلوماسية الروسية. موسكو. نيسان.


المراجع الإنجليزية
Hirst, David (1977) the Gun and the Olive Branch: The Roots of Violence in the Middle East. London:Faber and Faber.