احيــاء ذكــرى فلسطيــن فــي لبنـــان

احيــاء ذكــرى فلسطيــن فــي لبنـــان


قراءة في كتاب "ابطال و شهداء فلسطين: سياسات احياء الذكرى الوطنية" لليلى خليلي
على مدى الاشهر القليلة الماضية، وجد الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم مُجبرين على النزوح مرة اخرى نتيجة لحالة عدم الاستقرار والصراع الدائر في مخيم نهر البارد للاجئين. وفي حين يتشارك الفلسطينيون بنوع مألوف من التهجير القسري والتوق الى الوطن، بمن فيهم من لا يزال يرابط داخل فلسطين التاريخية، فإن ثمة عوامل تساهم في إحداث فروقات في تجارب التهجير التي يمر بها الفلسطينيون، كبلد المنفى، والطبقة الإجتماعية والجنس والفرص التعليمية المتاحة لهؤلاء اللاجئين.يطالب اللاجئون الفلسطينيون والمساندون الدوليون لهم بتطبيق حقهم بالعودة الى ديارهم التي هجروا منها، بغض النظر عن وضعهم أو أماكن لجوئهم الحالية. الا ان ذلك لا يعني انه من غير المجدي تعزيز الفهم للظروف الخاصة والمتغيرة التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون، والطبيعة الديناميكية للصراعات الحاصلة في مختلف المناطق.

يمثل الكتاب الجديد للباحثة ليلى خليلي والمبني على بحث لرسالة الدكتوراة أجري في مخيم برج البراجنة للاجئين في بيروت، دراسة متبصرة في التغيرات الديناميكية الحاصلة في احياء الذكرى الوطنية الفلسطينية في مخيمات لبنان. وعلى الرغم من كونه عملا اكاديميا، فإن الوضوح في الكتابة يمكن القارئ المهتم، والذي لا يتعامل عادة مع نصوص علم الاجتماع وعلم الانسان-الانثروبولوجيا، من الخوض بسهولة في غمار مقاطع كبيرة من الكتاب. ولمصلحة المدافع عن حق العودة للشعب الفلسطيني، أقول بأن لدى هذا الكتاب منظورين أساسيين للطرح. الأول، من خلال الاستماع للشهادات الشفوية لسكان المخيم عوضا عن النخبة السياسية، حيث يعرض الكتاب تحليلا مفصلا للتحولات الدرامية في السياسات الوطنية الفلسطينية في لبنان منذ العام 1948 حتى يومنا هذا. والثاني، يلتمس الكتاب الدور الناشط للمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية ودور المُمولين الخارجيين في قولبة الحوار والرواية الفلسطينية والتي تعد من القوى الديناميكية التي غالبا ما يهملها الناشطون.  

ووفقا لملفات أحد الأعداد الحديثة لفصلية "المجدل" الصادرة عن مركز بديل بالانكليزية، فقد أصبح التاريخ الشفوي من الأساليب والمناهج الآخذة في الانتشار والمستعملة للتوثيق، والتي تعمل على بناء وإغناء تاريخ فلسطيني بديل، وهو التاريخ الذي غالبا ما تم تهميشه من قبل الرواية الصهيونية. كما ويعد كتاب "ابطال وشهداء فلسطين" تحدي آخر للذين يجادلون في كون المصادر الشفوية واساليب البحث الديمغرافي غير قادرة على تقديم السلطة السياسية والنظرة المتفحصة المرفقين بتحليل المصادر المكتوبة.

من خلال عملها في المجتمعات الفلسطينية في المخيمات اللبنانية، توضح خليلي أنه بعيدا عن حالة الاستقرار الدائم، فإن عملية احياء الذكرى الوطنية تعد عملية ديناميكية متغيرة. وفي المناطق اللبنانية الدامية، فإن الذين يسقطون في النزاعات والذين كان من الممكن سابقا احياء ذكراهم كأبطال معارك، أصبحوا يخلدون في الآونة الاخيرة على انهم شهداء و ضحايا ابرياء للمجازر المرتكبة.

في الفترة الممتدة ما بين 1969-1982، والتي تعرف باسم فترة الثورة، كانت الفصائل السياسية هي المسؤولة عن شؤون مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، عن طريق ممثليها في اللجان الشعبية في المخيمات. وحتى العام 1982، الذي شهد طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، كان الفصيل العسكري الفلسطيني المدرب يتولى مسؤولية حماية المخيمات الى جانب صراعه العسكري الناشط ضد اسرائيل وأمل العودة الى فلسطين المتولد لديه.

في سبعينيات القرن الماضي، جسّد الصراع الوطني الفلسطيني في روايته الخاصة المتوفرة لمعالجة موضوع التحرير الذي يتخطى الحدود القومية العلمانية المعاصرة. وهي الروح التي جسدها تشي جيفارا وفرانتز فانون والصراع ضد الاستعمار سواء في الجزائر او فيتنام. وتصف مقابلات خليلي وقراءاتها لإصدارات الفصائل المعاصرة فترة من الزمن كان الانضمام لمنظمة سياسية وطنية وحمل السلاح من اجل فلسطين يعد دلالة للنضج والحكمة في صفوف الشباب، وأن يصبح المرء من الحماة والمدافعين فإن ذلك مؤشرا واضحا على الشجاعة الذكورية. كما أعتبر، على مدى أعوام الثورة الفلسطينية، من يقتل أو يلقى حتفه من اجل القضية الوطنية الفلسطينية بطلا، والذي يسقط في نزاع مسلح فقد سقط على ارض المعركة.

ننتقل سريعا الى المصافحة المصيرية بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاق رابين في البيت الأبيض، حيث ترافقت مع وجود مجتمع فلسطيني لاجئ في لبنان (باستثناء من تم نفيه الى تونس) قد أنهكه عقد من الحصار.  في حقبة ما بعد العام 1993، فقد طغى جو مختلف على احياء الذكرى الوطنية في مخيمات لبنان. وتبقى الرواية المسيطرة هي تلك التي تروي قصص المجازر والشهداء، عن اولائك الذين ذبحوا في سنوات القصف المدفعي على مخيم  شاتيلا، وعن الضحايا الأبرياء الذين لقوا حتفهم وهم يصارعون الفقر في المنفى. وفي حين تحيي الجماعات الاسلامية ذكري شهدائها الأبطال، يعد الحوار العلماني المتعدي لحدود القومية لغة ناطقة بانتهاكات حقوق الانسان، والتي تركز على الابرياء الذين يسقطون ضحايا للديكتاتوريين المتوحشين واباطرة الحرب والميليشيات. منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، لم تعد الفصائل الوطنية السياسية المسلحة في أعوام السبعينيات هي المنظمات المسؤولة عن توجيه المخيمات الفلسطينية في لبنان وعن قولبة وتمثيل الفلسطينيين، بل أصبحت المنظمات الدولية غير الحكومية  والممولة دوليا، والتي تم تشكيلها فيما تلا اتفاقية اوسلو هي المسؤولة عن ذلك.

وفي حين يواظب الاعلام على الخوض في غمار النقاش الدائم عن دور النضال العسكري في الشرق الاوسط المعاصر، تشير خليلي الى الدور الناشط الذي تقوم به المنظمات الدولية غير الحكومية في تشكيل الحوار الوطني والرواية الفلسطينية، حيث يعد هذا الكتاب بحثا متعمقا في سياسات المنظمات الدولية غير الحكومية المتعلقة بالجماعات المهددة والمضطهدة، وبشكل خاص المؤسسات التي تمولهم، وهو ما يعد من الحاجات الملحة في عالمنا اليوم.

يصنف عمل خليلي الطريقة التي تتبعها المنظمات الدولية غير الحكومية  للتغلغل في حياة الفلسطينيين في لبنان، تماما كما كانت الفصائل السياسية للثورة تفعل من قبل. ويظهر في الكتاب دور الكاتبة لا يقتصر فقط على توثيق اعتبار قتلى ما بعد 1993 "ضحايا وشهداء" واعتبار عمليات القتل "مجازر"، بل تناقش الدور الحرج الذي تلعبه برامج المنظمات الدولية غير الحكومية في تغيير الرواية الوطنية. وفي عالم يسيطر عليه جورج بوش، يتم تخصيص نوع مميز من التمويل للبرامج المعنية "بشكل وهمي" بنشر الديمقراطية، وهو نوع من الديمقراطية الذي يستعمل في الواقع لكبح اي نوع من التحديات الجذرية والأصلية لشعوب الشرق الاوسط وفلسطين تحديدا وذلك في محاولة لتشكيل دولهم وتجمعاتهم الخاصة بهم. إن هذا التأثير ومسألة دور التمويل وهدف المنظمات الدولية غير الحكومية التي يحفزها هذا الكتاب لم يكن على هذا القدر من الاهمية من قبل.

_________________

ايزابيل هامفريز هي مرشحة لنيل شهادة الدكتوراة من جامعة سوري في بريطانيا، وعنوان رسالتها "المهجرون الفلسطينيون داخليا في منطقة الجليل".

 

المزيد في هذه الفئة : « حكايــة الــرأس الأحمــــر