×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

لجان المخيمات: لها وعليها

مخيم برج الشمالي، لبنان 2012 )المصدر: مركز بديل( مخيم برج الشمالي، لبنان 2012 )المصدر: مركز بديل(

بقلم: خالد منصور*

    اذكر قبل سنوات، وفي خضم معمعان الحديث عن الانتخابات العامة والمحلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، كيف كان هناك صوت عال في المخيمات يقول: لسنا مجتمعا فلسطينيا آخر ... وما ينطبق على الجميع يجب أن ينطبق علينا ... ونحن بحاجة للانتخابات كي يكون للاجئ الساكن في المخيم دورا في اختيار من يمثله، ليسهر على مصالحه ويعزز صموده ويخفف من مشاكله... لكن وللأسف الشديد لم يجد هذا الصوت من يسمعه ويستجيب له في حينها.

 لقد جرت الانتخابات المحلية في عموم مناطق الضفة الغربية واستثنت القيادة الفلسطينية المخيمات ولم تضع حتى قانون خاص لانتخابات المخيمات كما طالب به اللاجئون. ثم رأى البعض في دائرة شؤون اللاجئين- ولأهداف أخرى- إجراء شكل مختلف جدا من الانتخابات في المخيمات؛ شكل أفضل من التعيين، ولكنه في نفس الوقت يتضمن تكييفا للديمقراطية ليخدم أهدافا معينة. وأمام إصرار دائرة شؤون اللاجئين على هذا الشكل المجتزأ، جرت الانتخابات بمشاركة ما لا يزيد عن 5% من السكان، وتشكلت لجان جديدة هي في معظمها نفس اللجان القديمة، مع بعض الإضافات والقليل من التغييرات. وكان ذلك متوقعا لان التحكم باختيار من سيختارون اللجان الجديدة تم بعناية كبيرة، لتخرج النتائج كما يشاء أصحاب القرارـ وللحقيقة يمكن القول أن "التنافس" كان محصورا ما بين مجموعات من نفس اللون السياسي، ولم يطرأ تغيير ملموس على "حصص" الألوان السياسية الأخرى.

ومن المؤكد انه ومع تراجع الدور الذي تلعبه وكالة الغوث في المخيمات، وسياسة التقليصات الثابتة التي تتبعها، فقد أصبح العبء الواقع على اللجان الشعبية اكبر، وأصبحت تلك اللجان عنوانا لهموم اللاجئين- وهو ما كنا قد حذرنا منه؛ أي من أن تأخذ اللجان الشعبية دور الوكالة في بعض المجالات، وتصبح هي مقدم آخر للخدمات يعفي الوكالة من مسؤوليتها، ويسهل عليها الانسحاب من ملف اللاجئين كما تطمح بعض الجهات الدولية. هذا الدور أيضا جعل اللجان تواجه ضغوطا من بعض المراكز في المخيمات، التي جعلت التأثير في اللجان أو احتوائها هدفا لها، ومن تلك الجهات كانت أجهزة الأمن- التي أراد البعض منها أن يكون حاضرا في تلك اللجان، حتى لو قام بتفريغ بعض منتسبيه لتلك اللجان - وهو الذي يتنافي مع أسس العمل الشعبي- ليبقى لاعبا أساسيا في تحديد سياسات وتوجهات تلك اللجان. ومن الطبيعي أن يكون لهذا التنافس ومحاولات الاستقطاب أثرا كبيرا على عمل تلك اللجان، لجهة إشغالها في قضايا بعيدة عن المهمة التي وجدت من اجلها. ومن الملاحظ أن تلك الآثار تتباين من لجنة وأخرى، لعدة أسباب أهمها ظروف نشأة وتشكيل تلك اللجان. فهناك لجان كانت بالحقيقة امتدادا للجان الشعبية التي تشكلت إبان الانتفاضة الأولى، وقد نشأت من رحم معاناة المخيمات زمن الاحتلال، فكانت تلك اللجان أكثر نجاحا وأكثر استعصاء على التدخلات الخارجية، وحافظت على علاقة قوية مع جمهور المخيمات وقدمت انجازات كبيرة يمكن تلمسها بوضوح.

وبسبب قرب اللجان من جمهور اللاجئين في المخيمات فقد كان لزاما عليها تبني هموم ومطالب سكان المخيمات المتنامية وكان عليها ان تتجه للبحث عن مصادر لتلبية احتياجاتهم؛ الأمر الذي جعلها تتجه لنسج علاقات مع كل تلك الجهات، التي تمتلك المصادر سواء كانت جهات حكومية كهيئات المحافظات والدوائر والوزارات، أو هيئات العمل الأهلي والمؤسسات والجمعيات المتخصصة في الدعم الإنساني، وذلك تحت ضغط الحاجة لتلبية مطالب السكان التي لم تعد وكالة الغوث تلبيها. وقد تباينت تلك العلاقات ما بين لجنة وأخرى، ففي حين أصرت بعض اللجان على أن تكون العلاقة نديّة، إلا أن لجانا أخرى قبلت على نفسها مشاركة الآخرين بقراراتها، وهو ما جعلها أيضا عرضة للضغوط من خلال استخدام تلك الجهات للمساعدات والدعم كورقة ضغط عليها. لكن وعلى العموم فقد واصلت اللجان النضال ضد الهيمنة والاستحواذ للحفاظ على استقلاليتها، وتمسكت بموقف اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية عبر دائرة شؤون اللاجئين هي مرجعيتها.

ورغم أن طبيعة العلاقة بين اللجان ودائرة شؤون اللاجئين ما زالت قوية، إلا أن الدائرة تعاملت في كثير من الأحيان والمواقف مع اللجان بنفس الأسلوب الذي تعاملت به الجهات الحكومية الأخرى مع اللجان؛ أي بالإملاء كما حدث عندما فرضت شكل الانتخابات. وقد تجلى ذلك في وقوف كلٌّ من لجان المخيمات ودائرة شؤون اللاجئين على طرفي نقيض في الموقف من إضرابات العاملين في الوكالة، ومن الاحتجاجات الشعبية التي نظمتها اللجان ضد سياسة تقليص الخدمات التي تنفذها وكالة الغوث... فدائرة اللاجئين وكما فعلت السلطة الوطنية اتخذت موقفا سلبيا من حركات الاحتجاج ضد الوكالة، وهو ما قوبل باستهجان واستنكار كبيرين من قبل اللاجئين وأطرهم الوطنية والاجتماعية في المخيمات.

لكن اخطر ما تواجهه اللجان اليوم وفي هذه المرحلة الخطيرة التي تتكثف فيها المؤامرات لتصفية حق العودة، والتي تتطلب وحدة الموقف في صفوف اللاجئين، هو الصراع ليس في اللجان وإنما عليها، باعتبارها هيئات تحظى بنوع من الشرعية. فقد لوحظ في الآونة الأخيرة سعي بعض القيادات من المخيمات وخارجها لاحتواء اللجان من خارجها وامتطائها لتحقيق أهداف خاصة ولاستخدامها كأداة لتعزيز مراكز قوة ونفوذ. وقد لوحظ ذلك في قيام البعض بتوظيف اللجان في معركته من اجل تحسين مكانته لدى صناع القرار في الهيئات الوطنية العليا.

وقد كان توجيه السلطة الوطنية حملات أمنية إلى بعض المخيمات محطة بارزة للحكم على أهلية وقدرات لجان المخيمات. وهو حدث وضع اللجان أيضا في موقع صعب، ليس لان هذه اللجان ترفض تطبيق القانون وفرض النظام، أو لأنها توافق على تحويل المخيمات إلى مربعات أمنية كما كان البعض يريد، أو لجعلها أوكارا للفوضى والفلتان والجريمة والمخدرات والخارجين عن القانون، ولكن لان اللجان تؤمن دوما بان وضع المخيمات بحاجة لمعالجات اقتصادية اجتماعية ثقافية أكثر من المعالجات الأمنية البحتة. فاللجان ومن تجربتها مع الحملات الأمنية كانت تعرف أن الحملات بالعادة محدودة الأثر ومحدودة الزمن، وهي - أي اللجان- كانت قد طالبت ومنذ سنوات أجهزة السلطة بالتعامل الحازم مع كل مثيري الفوضى والقلاقل ومرتكبي الجرائم والجنايات. في المقابل، كانت السلطة تتباطأ وتتلكأ بالاستجابة لهذه المطالبات، وتتساهل بشكل لافت مع رموز الفلتان المعروفين جيدا للجمهور، والذين يتلقى جزء منهم راتبا من السلطة ويدور جزء آخر منهم في فلكها. وعلى الاقل، ليس لأحد أن يدعي أنهم غير معروفين لجيش مندوبي أجهزة امن السلطة (وما أكثرهم في المخيمات)، والشواهد على التساهل معهم، كثيرة، حيث كانت السلطة تقوم بالإفراج عنهم بعد ساعات أو أيام قليلة من اعتقالهم، وقد جرت العادة ان يتم ذلك بعد تدخل ووساطة بعض القيادات الذين – بشكل ما- على صلة بهم.

وعلى الرغم من تشابه الموقف من الحملات في معظم اللجان؛ إلا انه كان هناك في بعض اللجان تباين، حيث حرّض البعض عليها وسعى من خلال استغلال نقد الشارع لأخطائها ليركب موجة انتقاد السلطة ومعارضتها. بيد أن الموقف العام داخل اللجان لم يحد كثيرا عن المطالبة بان يكون السهر على تطبيق القانون واجتثاث جذور من يلعبون بأمن المواطن هو السياسة الدائمة للحكومة وأجهزتها، لا أن يكون على شكل حملات محدودة الزمن والأهداف، إضافة إلى التشديد على أن تجري المعالجات الأمنية في ظل تنفيذ سياسات اقتصادية اجتماعية ومعالجات لكل أسباب العنف والتمرد على منابع المشكلة لاجتثاثها من جذورها. ولكن تركيبة اللجان والضغوط الممارسة عليها ومحاولات امتطائها اضعف من مكانة اللجان ولم يسمح لها بان تأخذ دورها القيادي كما يجب. هذا على الرغم من أنها وجهت بعض الانتقادات للحملات الأمنية من حيث شكلها الاستعراضي أحيانا، وأسلوب تنفيذها الذي شابه الكثير من الأخطاء أحيانا أخرى، وانتقائيتها غير المبررة في أحيان أخرى.

 وبالإجمال يمكن القول أن اللجان الشعبية في المخيمات أصبحت عناوين هامة وحقيقية لسكان المخيمات، وعناوين كذلك أمام كل الجهات الحكومية وغير الحكومية، وعلى الصعيدين: المحلي والخارجي. وقد اكتسبت اللجان خبرات جيدة بالعمل الشعبي، وحققت انجازات هامة كثيرة على صعيد الخدمات للاجئين وسبل تحسين ظروف حياتهم، وخاصة في مجال البنى التحتية... لكنها تواجه اليوم أكثر من أي وقت مضى ضغوطا من اجل إخراجها عن الهدف الذي تشكلت من اجله، لدفعها لتحل محل وكالة الغوث، ولتصبح جهازا بديلا لها يقدم الخدمات للسكان مثل أي مجلس حكم محلي في القرى والبلدات والمدن، كما وتواجه تحديات كثيرة أخرى أهمها محاولة البعض امتطائها لتحقيق مآرب سياسة وشخصية.

بيد ان اللجان أيضا عجزت عن تحقيق بعض أهدافها الأخرى مثل استنهاض العمل الشعبي في المخيمات، وتفعيل المؤسسات الموجودة فيها (وهذا ليس بالمطلق)، حيث انه من الواضح أن باقي المؤسسات الفاعلة في المخيمات تعاني من مشاكل خانقة، وحالة من الترهل، وتعيش حياة ديمقراطية شكلية هي الأخرى.

ويبقى السؤال الأهم:

هل ستكون هذه اللجان قائدة للنضال في المخيمات فيما لو واجه حق العودة وقضية اللاجئين خطرا حقيقيا كما يلوح بالأفق... أم ستعتبر تلك اللجان نفسها- وهي المؤلفة في معظمها من نفس اللون السياسي الحاكم- جزءا من ذلك النظام السياسي الحاكم؟

------------------------------------

* خالد منصور:عضو المكتب السياسي - مسؤول ملف اللاجئين في حزب الشعب.