×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 485

التنظيم الذاتي في المخيمات*

بوستر للفنان حافظ عمر بوستر للفنان حافظ عمر

بقلم: د. روز ماري صايغ**

على مرّ عقود خلت، عاين الباحثون لاجئي المخيمات من خلال المؤسسات المُهيمِنة، كوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، الحكومة المضيفة، والحركة الوطنية الفلسطينية. لقد أغفلت هذه البحوث الاهتمام بالتنظيمات الذاتية المحلية، بمعنى، تلك الحالات التي يبادر إليها سكان المخيم على طريقتهم بدون توجيهات خارجية. إن إهمال المبادرات المحلية هو أيضا نتاج للخطاب الوطني الفلسطيني، الذي طالما تعامل مع مخيمات اللاجئين كشواهد على النكبة، ومناطق "حاجة"، وأهداف للتجنيد أو للدراسة المكثفة. مثل هذه المبادرات والفعاليات السياسية الشعبية نادرا ما تلاحظ من قبل أشخاص من خارج المخيم، ليس لأنها لا تحدث، ولكن لأن عيون الجمهور العريض، بمن فيهم الباحثون والناشطون، مسلطة نحو أعمال قيادة الحركة الوطنية، حيث تعتبر دلالة كافية على المعادلة الوطنية- السياسية الفلسطينية. 

يحمل هذا الأمر دلالة على عدم الاعتراف بصوت سكان المخيمات داخل الكل الفلسطيني، وعلى عدم تأطيرهم كجماعة خاصة تحت "مظلة" منظمة التحرير الفلسطينية. ورغم أن قضية اللاجئين تمثل مفتاح التسوية الإقليمية، إلا أن القيادة الوطنية ظلت تنظر إلى حقوق اللاجئين على أنها "غير قابلة للمساومة" أكثر من التركيز على كونهم قطاعا استثنائيا يستحق الاعتراف السياسي. وعندما أسس المجلس الوطني الفلسطيني دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في العام 1964، فقد تمتعت أساسا بتفويضات تدبيرية أكثر منها تمثيلية.[1]ورغم أن عُمر نماذج التنظيم الذاتي في المخيمات قصير عموما، بفعل قمع الحكومات المضيفة، ولكنه جدير بالاهتمام لما يحمله من أساس نحو "أنسنة" حياة المخيمات وجعلها طبيعية، ويؤدي إلى استعادة الشعور بالمسؤولية تجاه سكان المخيمات. 

من خلال الرجوع إلى صحف ونشرات المنظمات الأهلية، ووسائل الإعلام البديلة، ومواقع الإنترنت حول المخيمات، بالإضافة إلى الشهادات الشفوية، يمكننا استخلاص العديد من الأمثلة حول التنظيم الذاتي في المخيمات حيث يتجسد "الوطني" في "المحلي" ضمن فعاليات التنظيم الذاتي. نسوق هنا مثلا يعود إلى حقبة مبكرة، ففي سنوات الخمسينيات، أي قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، أسس لاجئو المخيمات في لبنان، وعلى الأرجح في مختلف مناطق الشتات الفلسطيني، نواد وسموها بأسماء قرى ومدن فلسطين.[2]لقد جاء التأسيس ومن ثم استخدام الأسماء تلقائيا، بغية توثيق علاقة هؤلاء السكان مع فلسطين، بغياب حركة وقيادة وطنيتين فلسطينيتين.

كما يمكننا إيراد مثال آخر من حقبة متأخرة على قدرة مجتمعات اللاجئين المحلية على تنظيم ذاتها، كاللقاء الشعبي في مخيم الفارعة (الضفة الغربية المحتلة) الذي انعقد في كانون أول من العام 1995، كعمل سياسي له أهميته من ناحية استقلاليته ونتائجه على السواء. فقد أفرز هذا اللقاء حركة " حق العودة" التي ارتابت بشأنها مجموعات المقاومة وعارضتها بداية. إن هذا اللقاء وما لحقه من لقاءات ومؤتمرات في مخيمات الضفة الغربية المحتلة قد نظمت أساسا من قبل اتحاد مراكز الشباب الاجتماعي.[3]ويعتبر توقيت لقاء الفارعة المتزامن تقريبا مع إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وقبيل موعد تنظيم انتخابات المجلس التشريعي في كانون ثان 1996، لهو دلالة واضحة على قرار مخيمات الضفة الغربية المحتلة الرافض لخطة قيادة منظمة التحرير التي ترمي إلى دمج المخيمات في بلديات أو مجالس بلدية لأغراض التصويت. ضمن هذا السياق، يمكننا اعتبار أن لقاء الفارعة أحد بواكير الأعمال السياسية المعارضة للسلطة الوطنية، والمطالبة بالاعتراف بـ "حقوق الجماعة" (Shaqqura 1995).

لقد كان أهم ما حملته الاجتماعات المحلية في المخيمات في العام 1995 هو تأسيس مجالس منطقية شعبية للاجئين في داخل فلسطين المحتلة وخارجها، على أن تنتخب هذه المجالس مندوبين لمجلس أعلى يمثل حقوق اللاجئين.[4]بيد أن هذا التطور اللافت قد قيد في الأراضي الفلسطينية المحتلة مع انطلاقة انتفاضة الأقصى في العام 2000 وما شملته من إغلاقات وأعمال عنف إسرائيلية، ولكن هذه المبادرة قد لفتت أنظار السلطة الوطنية الفلسطينية والفصائل الفلسطينية إليها. وبالرغم من عدم تأسيس مجلس تمثيلي للاجئين في المخيمات، ولكن استخدام الانترنت قد فتح طريق الاتصالات ما بين المخيمات بشكل يتحدى الحدود الوطنية للدول وسيطرة الحكومات المضيفة. وارتباطا مع تراجع مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كممثل وموحد للمؤسسات الوطنية،[5]فقد تطورت حركة حق العودة إلى ائتلافات دولية تنتسب إليه مجموعات مختلفة من معظم الدول الغربية والعربية. بيد أن هذه الائتلافات لم تدع حتى الآن إلى شمول اللاجئين ولاجئي المخيمات بالذات كجماعة محددة ذات حقوق في مفاوضات التسوية وفي المؤسسات الوطنية، وذلك كأحد أهدافه العامة.

إن إسقاط حراك اللاجئين الشعبي من الحساب بدعوى عدم المساس "بمسلمات" النضال الوطني الفلسطيني من شأنه تجاهل ما يحصل على أرض الواقع، حيث تستمر المقاومة محليا بدون أية مرجعية للقيادة الوطنية. فمثلا حملة الاحتجاجات ضد إقامة "جدار الفصل العنصري" في الضفة الغربية المحتلة تعتمد على المبادرة المحلية أكثر من كونها جزء من الحملة المنظمة على يد السلطة الوطنية وفصائل المقاومة. وبطريقة مشابهة، فإن المظاهرات التي انطلقت في مخيمات لبنان، احتجاجا على حصار غزة، وفعاليات إحياء ذكرى النكبة، كانت في الغالب مبادرات محلية، تفتقر إلى التنسيق بين المخيمات. لقد تم تنظيم فعاليات وطنية لا تحصى في الشتات منذ إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بدون أية مرجعية للقيادة الوطنية.

يمكننا أن نسوق مثلا آخر على استقلالية العمل الشعبي، وذلك خلال تنظيم انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد اقترح أحد النشطاء في مخيم برج الشمالي (جنوب لبنان) بإنشاء "استطلاع رأي اللاجئين" بغية التأكيد للسلطة الوطنية الفلسطينية بأن اللاجئين " في الخارج" لن يقبلوا أبدا حرمانهم الدائم من التصويت. وقد تم تطوير هذه الفكرة، وصولا إلى اختيار مرشحين عن طريق الانتخاب المباشر، من خلال ترتيب غرف للمقترعين في كل مخيم في لبنان. بيد أن هذا المشروع لم يخرج إلى حيز النور ولم يتجاوز مرحلة التخطيط لعدم وجود الدعم الكافي من قوى الفصائل المحلية. ومع ذلك، فإن " استطلاع رأي اللاجئين" هذا يدل على الإمكانيات الكامنة في المخيمات للتنظيم الذاتي. وعليه، يجدر النظر إلى هذا العمل ضمن سياق النظر إلى النداءات التي أطلقها لاجئون فلسطينيون في الشتات الرحب، كفرنسا وبلجيكا والأردن مطالبين من خلالها بحقهم في المشاركة في الانتخابات.[6]هنا، يلعب الانترنت دورا فاعلا في حراك هذه المبادرات، رغم عدم الاستفادة منه بشكل كامل.

مثال ثالث على التنظيم الذاتي في المخيمات، هو عملية انتخاب اللجنة الشعبية في مخيم شاتيلا في العام 2005. جاء ذلك بعدما اتهمت اللجنة الشعبية في شاتيلا بالفساد والعجز من قبل سكان المخيم، وهو ما حدا ببعض السكان المستقلين (غير تابعين لأي فصيل) إلى المبادرة إلى تنظيم انتخابات للجنة الشعبية من شأنها تمثيل سكان المخيم على وجه أفضل من فصائل المقاومة. فسنّوا القوانين الانتخابية ووضعوا الأنظمة خصوصا فيما يتعلق بباب الترشيح والتصويت. حيث سمح لكل شخص ما فوق السادسة عشرة بالتصويت، وكل شخص ما فوق العشرين بالترشح، وأن يكونوا غير منتسبين لفصائل ولا تشوبهم شبهات الفساد. وقد تكلل انتخاب " لجنة أهالي المخيم" في شاتيلا بالنجاح، وبدأت اللجنة المنتخبة بتولي مهامها في التعامل مع المشاكل المزمنة مثل انعدام الكهرباء والمياه الصالحة للشرب. ولكن استمرار نشاط اللجنة تعسر بفعل الضغوط السياسية الجمة، وهو ما حدا بستة أعضاء منتخبين إلى تقديم الاستقالة (أنظر الى Kortam). ورغم عمرها القصير، ولكن التجربة الموجزة لانتخاب اللجنة الشعبية في مخيم شاتيلا تدل على رغبة تجمعات اللاجئين في التمثيل من خلال الانتخابات.

يمكننا الإشارة بوضوح اليوم على أن أي توجه إلى "المحلي" لا بد من أن يمر من خلال الانترنت. لقد تعسر الاتصال عبر الانترنت في البداية، بفعل البنية التحتية الفقيرة، والتكلفة الباهظة لأجهزة الحاسوب، بيد أنه سرعان ما أضحى الوصول إليه أمرا أكثر يسرا لدى الشريحة الأكبر من سكان المخيمات، وذلك من خلال المراكز الاجتماعية التابعة للمنظمات الأهلية، ومقاهي الانترنت، بالإضافة إلى الحيازة الشخصية للحواسيب. لقد عزز الانترنت من الاتصال والتواصل عبر الحدود بين المخيمات، وكذلك من الاتصال بمجموعات التضامن حول العالم. كما تم إنشاء العديد من مواقع الانترنت التي تهدف إلى التواصل والاتصال بين الفلسطينيين ومنهم اللاجئين في الوطن والشتات، بما تشمل: مكتوب، مركز لاجئ، مركز بديل، الائتلاف العالمي لحق العودة، "مشروع عبر الحدود" ((Across Borders Project، "رفح اليوم" ((Rafah-Today، "صوت المنفى" (out of country voting) "أطفال من شاتيلا" (Children from Shatila)، وغيرها من المواقع.  في لبنان، تم إنشاء مواقع انترنت خاصة لمخيمي برج الشمالي ونهر البارد توفر أخبارا محلية، وفرصة للاتصال مع العائلات المشتتة، تتوافر عليها معطيات ومعلومات حول المخيم لاستخدام الصحفيين والباحثين.[7]في المجمل، لا يوفر الانترنت لسكان المخيمات فرصة لنزع الجمود فحسب، بل يتعدى ذلك بكونه وسيلة يمكن التأسيس عليها لبناء مواقف مشتركة، وإبداء صوت السكان في السياسة المحلية ((Khalili 2005; Aouragh 2008).

---------------------------------

* التنظيم الذاتي للمخيمات مقتبس من دراسة اشمل للكاتبة اصدرها مركز بديل بعنوان: تجسيد الهوية لدى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين: رؤية جديدة للـ "محلي" و "الوطني". للاطلاع على الورقة كاملة: يرجى زيارة موقع بديل.

 ** روز اري الصايغ: بروفيسور وباحثة متخصصة في علم الانسان ومؤرخة. لها إصدارات عديدة حول القضية الفلسطينية منها: الفلاحون الفلسطينيون: منالاقتلاعإلىالثورة، والكثير منالأعداء: التجربةالفلسطينيةفيلبنان.

 

 

 


[1]تأسستدائرة شؤون اللاجئين مع بدايات تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، واخضعت لولاية المجلس الوطني الفلسطيني مباشرة. وبعد إتفاقات أوسلو، فقد احتفظت السلطة الوطنية بها لتكون شاهدا على تمثيل اللاجئين في المفاوضات مع إسرائيل. باستثناء فترة قصيرة تحت رئاسة د. أسعد عبد الرحمن، فقد ترأس دائرة شؤون اللاجئين على الدوام أحد أعضاء حركة فتح.

[2] أنظر الى تاريخ مخيم برج البراجنة (al-Hajj ‘Ali 2007).

[3] لقد تم تأسيس مراكز الشباب الإجتماعي أصلا على يد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) ضمن برنامج خدماتها الاجتماعية. وقد أصبحت المراكز إتحادا في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1980، ثم تم تسجيله في عقد التسعينات في السلطة الوطنية الفلسطينية كاتحاد مستقل (Ingrid Jaradat, BADIL). أما في مناطق عمل أخرى لوكالة الغوث (الأونروا)، فلا وجود يذكر حاليا لمراكز الشباب الإجتماعي.

[4] هنالك تفسيرات مختلفة حول سبب عدم بروز القيادات المحلية من المخيمات التي بادرت إلى مثل هذه اللقاءات. ويعلل مساد، مقتبسا عبد ربه (1997) ذلك بفشل لاجئي الأردن وسوريا ولبنان في عقد مثل هذه المؤتمرات:(Massad 2001/117) تفسير آخر، يأتي من أحد المقربين من الحملة في الضفة الغربية: "لقد كانت المشكلة الرئيسية التي واجهتنا هنا هي تدخل القوى السياسية التي لم تقبل بغيرها أن يمثل اللاجئين... لم يكن هنالك مساحة متاحة لتمثيل حقيقي للمجتمع المحلي، لقد تمت إعاقة العملية على يد المجموعات السياسية التي قاتلت على حصصها في المجلس": (اتصال شخصي). في  هذا السياق، لا بد من ذكر قرار الحكومات المضيفة منع أي نوع من الحراك.

[5] "حتى مؤخرا، تم إدراج ودمج اللاجئين في سياسات منظمة التحرير الفلسطينية كشعار للنضال الوطني، في ثقافتها، تنظيمها وممارستها. أما اليوم، فإن اللاجئين غير ممثلين في معظم، إن لم نقل كل، المؤسسات الفلسطينية السياسية والاجتماعية" (Samara 1995).

[6] مقتطفات من تقرير صحفي صادر عن مركز بديل، 22 كانون ثان 2006: "في 25 كانون الثاني، سيشارك نحو 1.8 مليون فلسطيني في المناطق المحتلة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة بالتصويت لانتخاب ممثليهم للمجلس التشريعي الفلسطيني – برلمان السلطة الفلسطينية – التي انشئت وفق اتفاقية أوسلو لعام 1993." ومع ذلك هنالك ما يقارب الستة ملايين فلسطيني في الشتات في الدول العربية واوروبا والأمريكيتين وفي مناطق أخرى بالإضافة إلى الفلسطينيين مواطني إسرائيل، ما زالوا محرومين من حقهم في المشاركة في عملية صنع القرار الفلسطيني الديموقراطي وما زالوا محرومين من العودة إلى ديارهم"  (ترجمة رسمية).لقد تم وضع صناديق الاقتراع الرمزية في باريس وبروكسل ليتمكن الفلسطينيون من الإدلاء بصوتهم.

[7] لقد تم تطوير موقعي الانترنت لمخيمي برج الشمالي ونهر البارد بصورة مختلفة بحسب الابداع المحلي: فموقع مخيم برج الشمالي على الانترنت هو معلوماتي اكثر، مع معطيات تفيد الباحثين؛ أما موقع نهر البارد على الانترنت فهو امتداد للمحلية، يستهدف أساسا سكان المخيم وأقاربهم في الخارج: منى أبو ريان، لقاء، 13 حزيران 2008.