طباعة

دور الروايــة الشفويــة للمــرأة الفلسطينيــة في الحفــاظ على الهويــة الوطنيـــة

دور الروايــة الشفويــة للمــرأة الفلسطينيــة في الحفــاظ على الهويــة الوطنيـــة


مقدمـــة
يكتسب التاريخ الشفوي مكانة رفيعة، وأهمية كبرى بالنسبة للفلسطينيين نتيجة لغياب السجلات والوثائق ذات العلاقة بالأحداث التاريخية التي مر بها هذا الشعب، وما تعرض له من تهجير واقتلاع من أراضيه قبل وأثناء النكبة في العام 1948 والتداعيات التي نتجت عنها من تشتيت وتجزئة واحتلال الوطن، وبعثرة الذاكرة الوطنية الجماعية، التي نحن الآن في أمس الحاجة لوجودها، ولدورها المهم في ابراز الهوية الوطنية، والمحافظة على وحدة وتماسك الشعب الفلسطيني في مواجهة جميع محاولات الطمس والتبديد والتهويد والتنكر للحقوق الوطنية. كما تأت أهمية الذاكرة والرواية الشفوية في دحض الرواية الصهيونية المنحازة والمُضللة للأحداث التاريخية، وهي وسيلة نضالية بيد الفلسطينيين تسهم في تصحيح الروايات الصهيونية المُغرضة، وتعمل على صون وحفظ الذاكرة الوطنية الجماعية من الضياع.

وبما أن التاريخ الفلسطيني عموما تعرض الى الضياع والتشويه بسبب ما تعرض له الشعب الفلسطيني من احتلال وتنكيل، سيحاول هذا المقال بالتحديد الكشف عن أهمية دور المرأة الفلسطينية في الرواية الشفوية، وفحص مدى مساهمتها في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال ما ورد عن المرأة في التاريخ المُدوّن والشفوي، لإبراز أدوارها المختلفة في خدمة وبناء المجتمع والمحافظة عليه، لأن ما أكثر ما قامت به المرأة الفلسطينية فعلاً، وما أقل ما كُتب عنها في المصادر الوثائقية وفي المؤلفات التاريخية خصوصاً الفترات التي سبقت النكبة في العام 1948. وقد جاء ذلك الإهمال لروايات المرأة ضمن اهمال التاريخ المُدوّن للتاريخ الإثني الذي تصفه روزماري صايغ بأنه: "تاريخ الجماعات المُستثناة من المعرفة، ومن الثقافة العالية والسلطة". وبما أن المرأة هي الأقل تعليماً والأقل وصولا الى السلطة ومراكز صُنع القرار، فهي التي تُهمش رواياتها وتستبعد معرفتها الواسعة التي تعلمتها من الحياة لا من الكتب. قد آن الأوان أن نعود الى روايات المرأة وتجاربها ونُوثّقها الى جانب إهتمامنا بتوثيق روايات وتجارب الرجال وأن نقف أمام التاريخ الشفوي للمرأة الفلسطينية ونبرز دورها في العديد من المجالات وخاصة فيما أهمله التاريخ المُدوّن، لكي نعطيها حقها ونبرز أدوارها، ورواياتها المُهمّشة والمُستثناة في التاريخ المُدوّن.

ما كُتــب في التاريــخ المُــدوّن

عند قراءة التاريخ المُدوّن عن المرأة الفلسطينية لا نجد إلا المعلومات القليلة والمتضاربة أحياناً. وحين نقرأ أحداث العشرينات والثلاثينات والأربعينيات نجد ذكراً بسيطا ومتواضعا عن مشاركة النساء، والتركيز حول مشاركة نساء النخبة في المدن وإهمال مشاركة نساء الريف. فكان الملجأ للبحث عن المرأة الفلسطينية هو المرأة نفسها التي كتبت عن المرأة. كان الكتاب الأول كتاب متيل مغنّم الصادر بالإنجليزية في الثلاثينات بعنوان "المرأة العربية والمشكلة الفلسطينية"، وكتاب أسمى طوبى الصادر بالعربية في الستينات بعنوان "عبير ومجد"، ثم مُذكرات عنبرة سلام الخالدي الصادر في السبعينات وكان أول مُذكرات عن المرأة الفلسطينية بعنوان "جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين"، بالإضافة الى مذكرات هالة السكاكيني، ووديعة قدورة خرطبيل، وسيرين الحسيني شهيد، وقد صدروا بين سنتي 1987 و 2000. وتبقى سيرتان متميزتان لكونهما تتحدثان عن مطلع القرن العشرين، وهُما السيرة الذاتية للعالمة الصوفية فاطمة اليشرطية من عكا، حيث كتبت سيرتها في القسمين الثاني والثالث من كتابها "مسيرتي في طريق الحق"، ومُذكرات أوغسطين جوزي، "العائلية" والتي كتبتها صاحبتها للأولاد والأحفاد، وأخيرا كتابي الدكتورة فيحاء عبد الهادي بعنوان "أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات" و "أدوار المرأة الفلسطينية في الأربعينيات".

في العقدين الأولين من القرن العشرين كانت الفروقات والاختلافات بارزة في أوضاع المرأة الفلسطينية بين المدينة والقرية، ففي المدينة تفوقت المرأة في ميدان العلم على المرأة الريفية على الرغم من التصاق صورتها بالخمار الأسود حتى في الأوساط المسيحية، وكما تمكنت المرأة في المدينة من إنشاء الجمعيات الخيرية منذ بداية القرن العشرين، وكان لمدينة عكا سنة 1903 السبق في انشاء أولى الجمعيات الخيرية في فلسطين، وقد أطلقت عليها السيدات المؤسسات اسم "جمعية اغاثة المسكين الاورثوذكسية"، غير أنها توقفت سنة 1916 في منتصف الحرب الكبرى. لقد كان طبيعيا ان تنتمي السيدات المؤسسات للجمعيات الخيرية الى الطبقة المتعلمة (البرجوازية)، أو الطبقة المرتاحة ماديا على الأقل. كانت على رأس السيدات المؤسسات لجمعية اغاثة المسكين في عكا، مثلا، نبيهة ملكي منسى التي تخرجت من معهد راهبات المحبة ببيروت في نهاية القرن التاسع عشر (أسمى طوبى، 1966، ص122).

بعد ذلك، تلت مدينة يافا في سنة 1910 مدينة عكا في انشاء الجمعيات النسائية فتم تأسيس جمعية "عضد اليتيمات الاورثوذكسيات"، وقد كان توجهها منذ البداية نحو تعليم الفتيات، (وديعة خرطبيل، 1995، ص12).

لقد كانت ردة فعل المرأة الفلسطينية إزاء الأحداث السياسية المتلاحقة والوجوه الغربية الجديدة التي ملأت البلاد بلجوئها الى "سلاحها" النسائي، ألا وهو إنشاء الجمعيات، فأخذت تبرز مع انتهاء الحرب العالمية الاولى عشرات الجمعيات الوطنية والخيرية والثقافية والصحية، من السيدات والفتيات المتعلمات ومن نساء الموظفين في حكومة الانتداب، وانصرفت جهودهن الى الاصلاح الاجتماعي والعمل الخيري والثقافي كما للتوعية الوطنية للمرأة، وارتبطت اسماء سيدات الجمعيات الاوائل بالمدن التي عشن فيها. وما أن انتهى عقد العشرينات حتى كانت المدن الفلسطينية كلها والعديد من القرى قد أنشئت فيها الجمعيات أو فروع لها، ومن بين تلك الاسماء الاولى زليخة الشهابي وميليا السكاكيني، وكاترين سكسك ونعمتي العلمي من القدس، وأديل عازر من يافا، ومريم عبد الغني هاشم والحاجة عندليب العمد، ومريم خليل وساذج نصار من حيفا ونبيهة منسّى ورقية الكرمي من عكا (وديعة خرطبيل، 1995، ص54-57).

كما شهد عقد العشرينات في منتصفه حدثا تعليميا هاما، ولعله كان الحدث التربوي الأبرز الذي قادته امرأة ليس في فلسطين فحسب، بل في المنطقة العربية، وتمثل بقيام نبيهة ناصر بإنشاء مدرسة بيرزيت سنة 1924، وهي المدرسة التي تطورت حتى أصبحت كلية ثم جامعة تعرف حاليا باسم جامعة بيرزيت. ان هذا الصرح العلمي هو أحد معاقل العلم والوطنية من عهد الانتداب الى العهد العربي الأردني الى عهد الاحتلال الاسرائيلي وما كان في البدايات سوى المدرسة التي أنشأتها السيدة نبيهة في منزل والدها القسيس حنا ناصر. وبعد وفاتها سنة 1951، تولى أخوها الدكتور موسى ناصر رعاية هذا الصرح العلمي وحوله الى جامعة (عزيز دراغمة، 1991، ص 172).

الأعمال السياسية البارزة للمرأة في عهد الانتداب

في 14 آب 1929، قاد اليهود مظاهرة ضخمة في تل أبيب بمناسبة تدمير هيكل سليمان، ثم قاموا بمظاهرة أخرى في اليوم التالي متوجهين نحو حائط المبكى في القدس، وهو حائط البراق عند المسلمين، وهناك رفع اليهود العلم الصهيوني وانشدوا نشيدهم القومي (هاتيكفا)، فكان استفزازهم هذا هو الشرارة التي اندلعت منها ما عُرف بثورة البراق في فلسطين. وعلى الرغم من توقف الاشتباكات نفسها بعد أسبوع واحد، بيد أن الاجتماعات الوطنية في العديد من المدن أخذت تتوالى، والاحتجاجات العربية تتصاعد، وكان من أبرزها صوت المرأة لأول مرة، فتنادت السيدات وعقدن في تاريخ 16 تشرين الاول 1929 اجتماعا عاما في منزل السيدة طرب زوجة عوني عبد الهادي وابنة الشهيد سليم عبد الهادي، أحد الشهداء الاوائل الذين أمر بشنقهم السفاح جمال باشا في منتصف الحرب الكبرى. وأسفر الاجتماع عن جملة قرارات وعن انتخاب وفد منهن لمقابلة المندوب السامي الذي استقبلهن بحضور قرينته (جريدة الجامعة العربية، العدد 275، 28/10/1929). ولما عاد الوفد النسائي الى بقية النساء انطلقت المظاهرة النسائية الضخمة في مائة سيارة تجوب شوارع القدس، ووفقا لبرنامج مُعد سلفا وموافق عليه من قبل الحكومة. وقد أثارت هذه المظاهرة النسائية في حينها حماسا شعبياً كبيراً، فقد كانت نقطة انطلاق للقطاع النسائي الذي كان منصرفاً للعمل الاجتماعي كي يبدأ العمل السياسي.

من الشهادات النادرة عن اجتماعات السيدات في ثورة البراق شهادتان لسيدتين من اللواتي شاركن في تلك الاجتماعات، والشهادة الاولى للسيدة متيل مغنم التي جاء فيها: "السير جون تشانسلور استقبل الوفد بحرارة وأكد لهن نواياه الطيبة. ولما عاد الوفد الى المؤتمر الذي كان ما زال منعقداً، ونقل إليهن ما جرى في المقابلة مع المندوب السامي، تقرر أن تقوم كل عضوات المؤتمر بتظاهرة تمر في كل شوارع القدس الرئيسية، وتتوقف أمام القنصليات لمختلف الدول الأجنبية حيث تقدم مُذكرة تتضمن مقررات المؤتمر للقنصل (...) قنصل الجمهورية التركية وحده من دون القناصل، حيا المتظاهرات وتمنى لهن كل النجاح في حركتهن" (Matial E.T. Mogannam, 1937, PP. 75-76.) .

أما الشهادة الثانية فهي لعنبرة الخالدي التي روت جانبا آخر عن المؤتمر، "أما الاجتماع فقد عُقد في منزل السيدة طرب حرم عوني عبد الهادي، وهي من سيدات فلسطين المثقفات الذكيات وكان عبارة عن مؤتمر تكلمت فيه الكثيرات (...) وقد لفت نظري في هذا الاجتماع، الاجتماع التام على المقررات التي اتخذت، ثم الصراحة المُدهشة في تأييد أو عدم تأييد أسماء من انتخبن كلجنة عليا تمثل المرأة الفلسطينية، وتتضامن مع الرجل في المطالب السياسية والمواقف الوطنية. وأذكر ان السيدات اللواتي قابلن المندوب امتنعن عن شرب القهوة التي قدمت اليهن، تمشيا مع العادة العربية القديمة التي لا تقبل الضيافة في ظروف مماثلة، إلا اذا نالت وعداً صادقا بقبول ما جاءت بشأنه. وبعد هذا الاجتماع عهد الى اللجنة المنتخبة بأن تتماشى بجهودها مع اللجنة التنفيذية التي سبق وتألفت من الرجال، واعترفت بها الحكومة، فأصبحت تسمى اللجنة التنفيذية للسيدات العربيات، وبدأت أعمالها فلم تقصّر بإظهار وجودها في أي سبيل، مثل تقديم الاحتجاجات، والمطالبة بالحقوق، والقيام بالتظاهرات (...) ولكن قد اتخذن قراراً مع القسم العظيم في هذا الاجتماع بمقاطعة المتاجر اليهودية مقاطعة تامة" (عنبرة الخالدي، 1978، ص 178- 180).

بالاضافة الى ما سبق، هناك الكثير من المشاهد الشعبية المجهولة للمرأة التي شاركت في ثورة البراق ولم تحظى بالشهرة المماثلة لتظاهرة السيدات بالسيارات. فهنالك صورة المرأة التي حملت سلاحاً أو ذخيرة للمقاتلين، وتلك التي ساهمت في الصدامات مع رجال البوليس، وتلك التي أسعفت جريحاً، وتلك التي صمدت في بيتها لكنها لم تنج من غدر القتلة، والدليل على وجود هؤلاء ليس مجرد حكايات تروى، فالدليل أسماء شهيدات لم تعرف حتى الآن ظروف استشهاد كل منهن، ولو كان هناك من سأل الأولاد والأحفاد والأقرباء لكان العثور على الأجوبة ممكنا جداً. وهؤلاء هن تسع نساء شهيدات من مجموع مائة وثلاثة وثلاثين شهيداً، وأدناه الأسماء كاملة، كما وردت في وثائق المؤرخ أكرم زعيتر وهي لا تقتصر على اسم الزوج وحده: عائشة ابو حسن زوجة علي العطاري من عطارة (القدس)؛ عزبة بنت محمد علي سلامة من (قالونية- القدس)؛ جميلة بنت محمد أحمد الأزعر (صور باهر- القدس)؛ تشاويك حسين (بيت صفافا- القدس)؛ مريم علي أبو محمود (يافا)؛ حليمة يوسف الغندور (يافا)؛ فاطمة محمد علي حاج محمد (بيت دراس)؛ وامرأتان من عرب العريسية استشهدتا مع اثني عشر رجلاً بالقرب من الحدود السورية ولكن لم تعرف أسماؤهن. (أكرم زعيتر، 1979، ص329-332).

أما بالنسبة لفاطمة اليشرطية المرأة الرائدة في علم التصوف، وهي إبنة الشيخ علي نور الدين اليشرطي، شيخ الطريقة الشاذلية في مدينة عكا، والتي وُلدت في أول العقد الأخير من القرن التاسع عشر، فتقول في سيرتها الذاتية انها ليست من أهل السياسة، لكنها تحب وطنها وأبناء أمتها، ولم تمنعها واجباتها الدينية من الاهتمام يوميا بمشاكل الناس، ومحاولة التخفيف عنهم، ولم تمنعها هالة الايمان على وجهها من مُناقشة ضيوفها وأصدقائها بكل الشؤون، وكانت امرأة متواضعة، تجالس الصغار كما تجالس الكبار، تعترف بما لا تعرف، وتعطي كل ما تعرف. تركت العالمة المتصوفة عدة مؤلفات دينية وسيرة ذاتية، وأهمها مفهومها للشكر الصوفي، حيث تشرحه بقولها: "الشكر الصوفي لا يكفي مجرد القول فقط، لأن التصوف يطالب أبناءه بأن يشكروا الله، عز وجل، على آلائه ونعمه، وذلك بالأعمال الصالحة التي يقدمونها الى عباده الآخرين. فالشكر الصوفي عملي، لا شكر قولي مجرد" (فاطمة اليشرطية،1981، ص 292).

الرواية الشفوية تكشف دور المرأة في ثورة 1936

لطالما قيّدت حرية المرأة وكُمم فمها، لذا لا نتوقع ان تعبر عن مشاعرها بحرية كبيرة حين تتحدث،  فمن هنا تأتي أهمية التاريخ الشفوي الذي يتيح عبر إمكانياته وأساليبه الديمقراطية المختلفة معرفة خلجات المرأة وشعورها والذي يمكن ان تتم معرفته بواسطة المُلاحظة، المشاركة، الإصغاء الواعي الذي يأخذ بعين الاعتبار ما تريده المرأة من فهم لمشاعرها، سؤال المرأة عن معنى مصطلحاتها المختلفة مما يمكن من فهم تعبيراتها بدقة. تذكر الدكتورة فيحاء عبد الهادي في كتابها "أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينات" أن هناك ذكراً بسيطا لمشاركة النساء في التاريخ المُدوّن والتركيز على مشاركة نساء المدن وإهمال مشاركة المرأة الريفية، على الرغم من اعتراف المؤرخين بأهمية هذه المشاركة، وما استشهاد فاطمة غزال في المعركة التي دارت بين الثوار والجنود البريطانيين سنة 1936 إلا دليل على أعلى درجات المشاركة مما يستدعي تقصي دور المرأة الريفية في الثورة.

ويتبين من تاريخ الفلسطينيين الشفوي الدور الهام للمرأة ومشاركتها للرجل في الدفاع عن القرى التي استولى عليها الصهاينة واسترجاعها مرة أخرى ويروي الفلاحون  ما جرى في قرية البروة نموذجا، حيث يقول الذين رووا القصة ان ما يزيد على مائتي رجل وامرأة تجمعوا واستعدوا للقتال من أجل قريتهم ومحاصيلهم، تسلح نحو ستة وتسعين رجلا منهم ببنادق مختلفة الصنع وكان لدى كل منهم ما يتراوح بين ثلاثين وخمس وأربعين طلقة. أخذ القرويون القوة اليهودية على حين غرة فانسحبت الى مواقع تقع غرب قرية البروة، مخلفة وراءها سبع حاصدات آلية (روز ماري صايغ، 1980، ص110). وكما يتبين من خلال الشهادات أيضا شجاعة المرأة وصلابتها ومشاركتها للرجل في الأعمال الشاقة إذ اشتركت في أعمال البناء بالإضافة الى العمل الزراعي.

وتكشف الدكتورة فيحاء عبد الهادي في كتابها "أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينات" والتي تُركز فيه على الروايات الشفوية للنساء والرجال الذين عايشوا تلك الفترة الزمنية، وتذكر أهم الأدوار التي قامت بها المرأة الريفية والتي تندرج ضمن الدور السياسي والاجتماعي مثل التموين والتحريض، ونقل الأخبار، ونقل الرسائل، وإخفاء الثوار وتهريبهم وتمويه ومراقبة طرق، وتخليص الرجال من الانجليز وضرب الحجارة وإعداد مشاعل للثوار، وتقديم الإسعاف الأولي للجرحى، والعمل بالبريد للحفاظ على سرية المكالمات بالاضافة الى تأسيس الاتحادات والجمعيات، والمشاركة في المؤتمرات السياسية.

لقد سجل التاريخ مشاركة المرأة الفلسطينية فترة الثلاثينات في المؤتمرات السياسية العربية التي عُقدت لنصرة القضية الفلسطينية ويستعين بعض الرواة بوثائق تاريخية وصور للحديث عن بعض التفاصيل الخاصة بالمؤتمر، "هذا المؤتمر، الشيء الذي يلاحظ فيه أن وفد فلسطين كان أضخم وفد، حيث كان يتألف من 24 سيدة بينما وفد مصر يتألف من 13 امرأة ووفد ايران مثلاً سيدة واحدة والعراق 4 سيدات". وتبقى شهادة الراوية ميمنة عز الدين القسام، هي الشهادة الأهم حول المؤتمر، فلم تشارك الراوية ممثلة لمنطقة حيفا فحسب، بل ألقت كلمة الوفد الفلسطيني في المؤتمر الذي عقد في الفترة الواقعة بين 15-18 تشرين أول 1938 في القاهرة، كما تحدثت الراوية عن ثلاث دعوات للضيافة، جاءتها في الوقت نفسه، دعوة من الملك فاروق ودعوة من المُبعدين الفلسطينيين، ودعوة من هدى هانم شعراوي. وتحدثت عن اختيارها قبول دعوة هدى هانم شعراوي، وأسباب قبولها هذه الدعوة بالتحديد. ومع ان المصادر التاريخية قد وثقت أحداث المؤتمر، إلا ان التأريخ الشفوي، بالاضافة الى تأكيده للأحداث، والكلمات الاساسية التي تخللت المؤتمر ساعد على كشف ما لم يذكر، من نظرة مجتمعية للنساء العاملات في حقل السياسة، في ذلك الوقت. نقرأ ما بين أسطر شهادة الراوية، وما ينبئ بأصابع اتهام، وجهت على سلوك بعض النساء الفلسطينيات، اللواتي حضرن المؤتمر، وان الأمر لم يقف عند حد الكلام المستتر، بل انه وصل الى بعض الصحف. ونقرأ من خلال شهادة الراوية ايضا، كيف ساعد الجو السياسي الذي رافق إلقاء كلمتها العاطفية المؤثرة، على تقبل الحضور للسيدات، اللواتي مثلتهن الكلمة السياسية الثورية التي ألقتها الراوية، مما ساهم في كف الحديث والطعن في سمعة بعض النساء. ومن الجدير بالملاحظة، استعانة الراوية برجل سياسي محنك مثل الكاتب أكرم زعيتر الخطيب المفوه، الذي قام بكتابة الكلمة التي ألقتها الراوية. وتذكر الراوية بعض ما قالته في المؤتمر "أيها الحفل الكريم، أتدرون من أنا؟ صعب أحكي انجنيت، بدي أعطيهم فكرة عني، بعدين أنا كيف بدهم يكونوا رفاقي؟ مثلي أتدرون من أنا؟ طبعا كلهم علموا هيك؟ ما فيش إلا عيون." انا ابنة من طرق باب الحرية بيده المخضبة بالدماء، وهناك في ارض فلسطين الحبيبة ثُواء". يتضح من خلال إجابات الراوية الكثير من المسكوت عنه، مما يتعلق بالنساء اللواتي شاركن في العمل السياسي، في تلك الفترة التاريخية، يتبين انهن كن يتعرضن، لما يمس سمعتهن، لكونهن نساء، ويتبين ايضا أثر الكلمة السياسية التي ألقتها ميمنة في كف الحديث عن هؤلاء النساء.

وتؤكد الروايات التي توردها الدكتورة فيحاء عبد الهادي في كتابها "أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينات" اهتمام المرأة القروية بالسلاح وكيف انها اهتمت به كواحد من أفراد اسرتها. فـبالاضافة الى إخفاء السلاح، كانت تغسله، وتزيته، وتنظفه وتعبئه، كي يأتي زوجها ليأخذه جاهزا للاستخدام. وهناك الكثير من الروايات التي أكدت على أن المرأة القروية قد تدربت على حمل السلاح فعلاً وان هناك اهتمام كبير لدى رجال الثورة بتدريب بناتهم وزوجاتهم على استخدام السلاح في ذلك الوقت، حيث كان الرجل يعتمد على المرأة في اداء مهمات كثيرة، فكانت تخرج معه في الليل، لذا لا بد ان تكون مدربة على استخدام السلاح. وتشهد نساء كثيرات على حقيقة مشاركة المرأة في حمل السلاح. وتتحدث العديد من الروايات " في ثورة الـ 36 فيه بعض قرى، مثلا قرية الطيبة قرب طولكرم، فيه نساء حملت بنادق وقاتلوا. شاركوا مشاركة يعني هي وزوجها بصراحة، هو حامل بارودة وهي حاملة بارودة".

ويتحدث كتاب "ادوار المراة الفلسطينية في الاربعينات" للدكتورة فيحاء عبد الهادي، عن جمعية زهرة الأقحوان، فتسرد الروايات التي عايشت تلك الفترة انه بدأ نشاط  "زهرة الأقحوان" خيريا، أقرب الى النادي الاجتماعي، ثم تطور الى عمل عسكري منظم. وتتحدث في الكتاب مهيبة خور شيد مؤسسة الجمعية عن بداية تأسيس الجمعية، حيث كانت جمعية نسائية اجتماعية الطابع، تهتم بالوحدة بين الأديان، وبمساعدة الطلبة الفقراء بشكل غير مباشر. ثم تحولت الى العمل العسكري، بعد حادثة مقتل طفل فلسطيني بريء أمام عينيها.

"نعم عادية، ضمّوا لها السيدات، كنت أسميها: نادي السيدات العربيات، وكان هدفي إني أوحد بين المسلمين والمسحيين، علشان نكون يد واحدة. كلنا في الحقيقة في كده. بعد موت الطفل. كلها من ذلك التاريخ صارت عمل عسكري، وفيه كان عندنا مجاهدين من سيناء، وفيه كان عندنا ألمان مجاهدين صاروا في الجمعية، فيه كثير كانوا، حتى واحد ألماني أنصاب".

سميت الجمعية باسمها، الذي يدل على الحياة والجمال والديمومة، لعلاقتها بكتاب فرنسي قرأته مؤسسة الجمعية، يشير الى الزهرة القرمزية في الثورة الفرنسية، بالإضافة الى ارتباطه بزهرة الأقحوان، الموجودة بكثرة في ربوع فلسطين، وهي عبارة عن زهرة من الصدف، التي تشتهر به مدينة بيت لحم، وهي ترمز الى جمال الطبيعة والحرية، التي يسعى إليها الشعب الفلسطيني. هذا ما تخبرنا به مؤسسة الجمعية، الراوية مهيبة خور شيد. "كما انها زهرة المار جريت، التي تعيش فترة طويلة، وهي ايضا شعار وعلامة للمجاهدين، وتعني بالإنجليزية: إخاء وتفاني وإنكار ذات، كما تخبرنا المؤسسة الثانية للجمعية: ناريمان خور شيد". ومن الجدير بالذكر، أن شعار الجمعية، كان قد نفد بالهند، بتعليمات من غاندي. وهو من تصميم المؤسسة مهيبة خور شيد، كما تؤكد بنفسها.

مما سبق يتبين لنا أن أحداث النكبة وما سبقها من أحداث هي الحدث المفصلي صاحب الاثر الأكبر في حياة الشعب الفلسطيني، وما زال بعض من عايشوها على قيد الحياة، ويشكلون بالنسبة للمؤرخين والباحثين مصادر أولية مباشرة لسماع الحدث وتوثيقه، يجب ألا يغفلوها أينما كانت. فالرواية الشفوية يمكن ان تتضمن أصواتا لكثير من الناس المهمشين وتحمل وجهات نظر الفقراء واللاجئين والنساء على حد السواء. وتستطيع الرواية الشفوية ان تكون مرشدا للتصورات عن المجتمع الفلسطيني، وأن تكشف عن التداخل مع الماضي وتكشف عن المخاطر والاحتمالات المستقبلية.

الخلاصـــة

يتضح من خلال هذا المقال أن المرأة الفلسطينية لعبت دور مميزاً في النضال الوطني وفي الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وساهمت مساهمة فاعلة في العمل السياسي سواء في المدينة أم في الريف، بالرغم من إهمال الكثير من المؤرخين لروايات النساء، إلا أن هناك من كتب عن المرأة وأدوارها المختلفة، بالنسبة للمرأة في المدينة، أكد التاريخ الشفوي على ما ذكره التاريخ المُدوّن من وجود المرأة في الحياة السياسية والإجتماعية الفلسطينية وأضاف إليه وأغناه وأثراه. أما المرأة الريفية فقد كشف التاريخ الشفوي أدوارها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وعبر عن أدوارها المميزة في فترة الثلاثينات والاربعينيات التي أخفق التاريخ المُدوّن بإبرازها وتدوينها بشكل جلي وملحوظ، فمن هنا تأتِ أهمية الرواية الشفوية ودورها في استنطاق صدور الناس والتقاط المعلومة الهامة المتناثرة في أرجاء الكون، فيمكننا أن نستفيد منها استفادة قصوى لنستكمل صياغة روايتنا التاريخية قبل فوات الأوان، وموت الرواة وضياع الذكريات في صدورهم وخصوصا رواية المهمشين. إن هذه الروايات تلزمنا لإبراز الحقيقة الفلسطينية واستخدامها كوسيلة قانونية في الدفاع عن الحقوق الوطنية ودحض الرواية الصهيونية الخبيثة التي تشوه تاريخنا، وبذلك نحافظ على هويتنا الوطنية وتراثنا الوطني من الضياع.
 

_______________________________________
المراجــــع:
الحوت، نويهض، بيان. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981).
الخالدي، سلام، عنبرة. جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين (بيروت: دار النهار للنشر، 1978).
جريدة الجامعة العربية، العدد 275، 28/10/1929.
خرطبيل، قدورة، وديعة. بحثا عن الأمل والوطن: ستون عاما من كفاح امرأة في سبيل قضية فلسطين - ذكريات ومذكرات (بيروت: بيسان للنشر والتوزيع، 1995).
دراغمة، عزيز. الحركة النسائية في فلسطين: 1903-1990 (القدس: مكتب ضياء للدراسات، 1991).
زعيتر، أكرم. وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918 - 1939، اعداد بيان نويهض الحوت (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1979).
عبد الهادي، فيحاء. ادوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينات، (البيرة: مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق، 2005(.
طوبى، أسمى. عبير ومجد (بيروت: 1966).
Sayigh, Rosemary, Palestinians: From Peasants to Revolutionaries, A people's History (London: zed Press, 1980).
Matiel E. T. Mogannam, The Arab Women and the Palestinian Problem (London: Herbert Joseph Ltd, 1937).
_________________

رفعة أبو الريش هي رئيسة اتحاد النشاط النسوي في مخيمات الضفة الغربية، وعضو مجلس إدارة مركز بديل. تم تحرير هذا المقال بتصرف لدراسة قدمتها أبو الريش أصلا الى مؤتمر بعنوان " دور التاريخ الشفوي في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية" في جامعة القدس المفتوحة/ منطقة رفح التعليمية، آذار 2007.